تداعيات السابع من أكتوبر: تحقيقات وانقسامات إسرائيلية
تاريخ النشر: 27th, November 2025 GMT
شبت منذ بداية الأسبوع الحالي زوبعة من الخلاف والتراشق الكلامي بين وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ورئيس هيئة أركان الجيش، الميجر جنرال إيال زامير. ونشب النزاع بينهما على خلفية التعامل مع تقرير «لجنة ترجمان»، التي فحصت جودة 25 تقرير عسكري عن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول وكشفت أن معظمها كان إما سطحيا أو غير مكتمل، وأوصت اللجنة باتخاذ خطوات قصاصية ضد الضباط المسؤولين عن الفشل وهذا ما فعله رئيس الأركان الإسرائيلي ما أثار حفيظة وزير الأمن، الذي صرح بأن زامير لم يستشره.
على أثر التقرير، أعلن الجنرال زامير عن سلسلة من الإجراءات العقابية ضد عشرين من كبار الضباط، الذين ثبت تقصيرهم، وتراوحت العقوبات بين إعفاء من المنصب إلى توجيه «ملاحظة من القيادة».
وكان من بين من جرى الإعلان عن إنهاء خدمتهم في قوات الاحتياط الجنرالات أهرون حليوة، الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكري؛ ويارون فينكلمان، قائد المنطقة الجنوبية الأسبق؛ وعوديد باسوك، الذي شغل منصب رئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي. كما أُعفي من خدمة الاحتياط كل من يوسي سريئيل، الرئيس السابق لوحدة 8200 الاستخباراتية، وآفي روزنفيلد، القائد السابق لفرقة غزة.
هؤلاء جميعا أنهوا خدمتهم العسكرية مدى الحياة. إضافة إليهم وُجّهت «ملاحظة من القيادة» – التي تحمل طابع التوبيخ الرسمي – إلى الجنرال تومير بار، القائد السابق لسلاح الجو، لفشله في التصدي للمسيرات؛ وكذلك إلى الجنرال دافيد سعادة، القائد السابق لسلاح البحرية لفشله من منع الاختراق من البحر يوم السابع من أكتوبر. وهناك من يقول إن الإقالات والاستقالات الأخيرة هي البداية وليست النهاية.
استغل يسرائيل كاتس، وزير الأمن الإسرائيلي ما جرى، وأعلن عن تعيين «مراقب الجيش»، ليفحص تقرير ترجمان وأصدر قرارا بتجميد التعيينات في الجيش لمدة شهر إلى حين انتهاء تحقيق المراقب. وأثار هذا القرار غضب زامير، الذي اعتبره تدخلا في عمله المهني كرئيس للأركان، وسخر من تعيين محقق للتحقيق في «تحقيق التحقيقات» – كما يوصف تقرير ترجمان – قائلا بأنه لا يعقل أن ينهي ضابط واحد، في غضون شهر، فحصا لتقرير أعده 12 ضابطا خلال سبعة أشهر متتالية. ووجه زامير انتقادا علنيا مباشرا للقيادة السياسية وقال إن «الجيش هو الجسم الوحيد الذي حقّق بعمق في إخفاقاته وتحمل المسؤولية عنها».
وأضاف أنّ «تجميد التعيينات يضر بكفاءة الجيش وباستعداداته لموجهة التحديات المقبلة». وردّ عليه كاتس مذكّرا إيّاه بأن «رئيس الأركان يخضع لرئيس الوزراء ووزير الأمن وحكومة إسرائيل».
تداخلت في هذا النزاع عدة عوامل ومؤثّرات مرتبطة بمسعى اليمين الإسرائيل المحموم للسيطرة على مفاصل الحكم، وبالأخص في مجالات الأمن والقضاء والإعلام. ويحاول كاتس أن يظهر بمظهر الزعيم القوي وصاحب القرار الذي يفرض على زامير من يعيّن ومن يقيل من ضباط، وعَينُهُ على الانتخابات الداخلية في الليكود، فهو يسعى إلى تعظيم نفوذه الحزبي في إطار الصراع المحتدم في الكواليس حول وراثة نتنياهو في يوم ما، وكاتس يعتبر نفسه مرشحا جديا لقيادة حزب الليكود.
أمّا زامير، الذي عيّنه نتنياهو وكاتس في رئاسة الأركان خلفا للميجر جنرال هرتسي هليفي، فمعني بإثبات استقلاليته وبالتزامه بحماية الجيش من السياسة والسياسيين، وهو يعرف تماما أنه يصعُب على نتنياهو إقالته أو دفعه للاستقالة – كما فعل مع غيره.
تحقيق التحقيقات
يطلق تعبير «تحقيق التحقيقات» على اللجنة برئاسة الجنرال احتياط سامي تورجمان وبعضوية 12 ضابطا كبيرا من مختلف الاختصاصات، التي قدمت تقريرها في العاشر من الشهر الحالي.
وكان الجنرال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، قد عيّن اللجنة لمراجعة وفحص 25 تحقيق قامت بها لجان عسكرية متخصصة، لتقييم جودة ومصداقية وجدارة التحقيقات وتحديد نقاط ضعفها وكذلك الحاجة إلى إعادة التحقيق أو استكماله لسد الثغرات والتوصية على تحقيقات إضافية في قضايا لم تبحثها اللجان التي قدمت تقاريرها. الجديد في لجنة تورجمان أنها تناولت مع الموضوع بنظرة شاملة، في حين أن التحقيقات السابقة ركّزت على معارك وساحات ومجالات عينية، ولم تتناول الصورة الكاملة.
ويظهر من تقرير لجنة تورجمان أن الجيش الإسرائيلي «لم يعرف كيف يجهز نفسه لحرب مباغتة، بالرغم من التحذيرات الاستراتيجية، فهو لم يغير الاستعدادات على الحدود».
ويظهر كذلك من تقرير اللجنة أن قادة الجيش لم يكونوا قادرين على التعامل مع حدث كبير مثل حرب مفاجئة ببساطة لأنه لم يكن ضمن السيناريوهات التي درسوها واستعدوا لها. وجاء تبعا لذلك الاستنتاج أن على الجيش أن يكون جاهزا لحرب مفاجئة حتى لو لم تتوفّر عنها معلومات استخبارية مسبقة.
وكان عدد من الجنرالات الإسرائيليين قد دعوا، بعد السابع من أكتوبر، إلى عدم الاعتماد على الاستشعار المخابراتي وحده، وإلى الاستعداد لمواجهة أي هجوم عسكري طارئ حتى لم تتوفر عنه أية معلومات استخباراتية.
وفق ما نشره الموقع الرسمي للجيش الإسرائيلي، كانت هناك ستة عوامل، حددها طاقم التحقيق بأنها «الأسباب المركزية التي تفسّر فشل السابع من أكتوبر»: الأول، فشل إدراكي بين الواقع الاستراتيجي – العملياتي وإدراك الواقع بالنسبة لغزة ولحماس؛ الثاني، فشل مخابراتي في فهم الواقع وفهم التهديد وعدم توفير المعلومة؛ الثالث، عدم التعامل مع خطة «سور أريحا» (وهي خطة لهجوم ممكن لحماس جرى تداولها قبل الحرب)؛ الرابع، ثقافة تنظيمية وعملياتية تتسم بأنماط وبأعراف معطوبة ترسّخت خلال سنوات؛ الخامس، فجوة عميقة ومستمرة، عند جميع مستويات القيادة، بين التهديد المحتمل وتجهيز الرد العملياتي؛ السادس، عملية اتخاذ قرار وتفعيل قوّات سيّئة في ليلة السابع من أكتوبر 2023.
ببساطة أن إسرائيل ستواصل عدوانها بكافة الاتجاهات بحجة منع تطوير قدرات تهدد أمنها.
ولعل من اهم استنتاجات اللجنة أنه تراكمت ليلة السابع من أكتوبر معلومات متنوّعة وكثيرة، ولو جرى تحليلها بشكل مهني لكان من المفروض أن يكون هناك إنذار بعملية كبيرة. لكن اللجنة تجاهلت العامل النفسي في قرار تجاهل المعلومات المخابراتية، وهو أن النخب الإسرائيلية عموما، وبالأخص النخب الأمنية تميل إلى الاستهتار بالعرب وبالفلسطينيين وليس في حسبانها أنه يمكنهم أن يقوموا بمباغتة الجيش الإسرائيلي بعملية كبيرة. لذا فإن العمى العنصري وتبخيس قدرات الآخر هي من أهم أسباب فشل الجيش الإسرائيلي صبيحة السابع من اكتوبر.
إن الهدف الحقيقي للتحقيقات العسكرية كافة هو جعل الجيش الإسرائيلي «أكثر نجاعة» في عملياته العسكرية، التي تشمل التصفية والاغتيال والعقوبات الجماعية والتدمير وحراسة سارقي الأرض وصولا إلى ارتكاب الجريمة الكبرى جريمة الإبادة الجماعية. الغاية هنا هي تنفيذ الجرائم بشكل منظم وناجع وملتزمة بالاستراتيجية العسكرية. وإذ يجري التشديد في تحقيقات وتقارير الجيش الإسرائيلي على المهنية والمصداقية، فهي مهنية فتّاكة ومصداقية تنفيذ الجريمة بالدقة «المطلوبة».
أمّا الخلاف بشأن التحقيقات فهو يحمل في خلفيته سباقا في مباراة كسب رصيد السعي إلى إنجاح العمليات العسكرية وبسط الهيمنة الأمنية وتحقيق الأهداف الاستعمارية الإسرائيلية. والمتنازعون هنا يسعون بالمجمل إلى الأهداف ذاتها ومع الاختلاف حول الأسلوب وحول النفوذ الفردي والمؤسساتي.
التحقيقات الإسرائيلية حول السابع من أكتوبر/تشرين الأول وحول الحرب عموما سوف تتواصل، وهي توفّر معلومات وتقييمات تصب في «تنجيع» العمل وتغيير القيادة الأمنية المرتبطة بالسابع من أكتوبر/تشرين الأول من جهة وهي تدفع باتجاه استراتيجيات أمنية أكثر تشدّدا وعدوانية بالأخص في جعل مفهوم «المنع» المبدأ الناظم للأمن الإسرائيلي، وهذا يعني ببساطة أن إسرائيل ستواصل عدوانها بكافة الاتجاهات بحجة منع تطوير قدرات تهدد أمنها.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه كاتس زامير التحقيقات الاحتلال تحقيقات كاتس 7 اكتوبر زامير مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد اقتصاد رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الجیش الإسرائیلی السابع من أکتوبر
إقرأ أيضاً:
الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء، بعنوان: كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي، على أن يكون الهدف المراد توصيله إلى الجمهور هو التوعية بأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، والتحذير من التفاخر والتباهي.
الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباءالحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد،
فقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل قلبه بين داعيَين: داعٍ يدعوه إلى الرضا والقناعة، فيحيا مطمئن النفس، ساكن الفؤاد، مستشعرًا فضل الله عليه في السراء والضراء، وداعٍ يدعوه إلى التفاخر والتباهي، فيظل أسير المقارنات، مشغولًا بما عند الناس، متطلعًا إلى ما في أيديهم.
وإذا كانت المباهاة تُورث الكبر، وتُفسد العلاقات، وتزرع الحسد والبغضاء بين الخلق، فإن الرضا يملأ القلب سكينةً وطمأنينةً، ويجعل صاحبه غنيًّا وإن قلَّت ذات يده، سعيدًا وإن اشتدت عليه المحن، ومن هنا جاءت نصوص الشرع تحذر من الفخر والخيلاء، وتغرس في النفوس قيمة الرضا، وإليك بيان ذلك:
المباهاة.. حقيقتها وتحذير الشرع منها
المباهاة في أصل معناها هي المفاخرة وإظهار ما عند الإنسان من مال أو جاه أو علم أو نسب أو غير ذلك بقصد التعاظم على الناس واستجلاب إعجابهم، وقد بيَّن أهل اللغة أن المباهاة هي المفاخرة، كما جاء في تفسير غريب الحديث: "المباهاة: المفاخرة".
ومن تأمل حقيقة المباهاة وجد أنها قائمة على الاغترار بأمور خارجة عن ذات الإنسان؛ فالمال ليس من صنعه، والجمال هبة من الله، والنسب فضل لم يختره المرء لنفسه. ولذلك قال الراغب الأصفهاني: "الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان"، ثم بيَّن أن العاقل يعلم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، وأن المباهي بها إنما يفتخر بشيء سريع الزوال، لا يلبث أن يفارقه أو يفارق هو الدنيا كلها، فقال: "فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في يد سواه، كالفاخرة بحِدْج ربَّتها (وهي الأَمَة تتباهى بهودج سيدتها لمجرد وجودها فيه معها)، بل هو أدون من ذلك، فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من الحسن" [الذريعة الى مكارم الشريعة].
وقد نبَّه الإمام الحارث المحاسبي إلى أن المباهاة ثمرةٌ من ثمار الفضول والتوسع فيما لا يحتاج إليه الإنسان، فقال: "وفضول اللِّباس يخرج إلى المباهاة والخيلاء" [رسالة المسترشدين]، فكلما ازداد تعلق القلب بالمظاهر الخارجية ازداد خطر الوقوع في التفاخر والتعالي على الناس.
ومع هذا فلم تكن المباهاة مقصورة على الأموال والثروات، بل تتسلل إلى مختلف شؤون الحياة؛ فقد تكون بالملبس والمركب والمسكن، وقد تكون بالعلم والعبادة والقراءة، بل قد تقع حتى في الأعمال الصالحة إذا قصد بها صاحبها ثناء الناس ومدحهم، ولذلك كان السلف الصالح شديدي الخوف من هذه الآفة؛ إذ قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ مَخَافَةُ الْمُبَاهَاةِ" [الزهد والرقائق لابن المبارك]، فكان يراقب قلبه ويخشى أن يتطرق إليه حب الظهور والتعاظم على الخلق.
ولهذا عد العلماء أخطر صور المباهاة ما يكون في الطاعات والقربات، حين يتحول العمل الصالح إلى وسيلة لطلب الجاه والمنزلة بين الناس، وقد أشار الماتريدي إلى هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، فقال: "قَالَ بَعْضُهُم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم اللَّه في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير اللَّه، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ" [تأويلات أهل السنة].
ومن أجل تحقيق هذا المعنى عقد العلماء أبوابًا خاصة في التحذير من المباهاة بالعلم والقرآن؛ لأن العلم شرفه في العمل به والإخلاص لله فيه، لا في اتخاذه وسيلة للرياسة والافتخار، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تعلم القرآن وعلَّمه وقرأه طلبًا للمفاخرة والتعاظم على الناس، لا ابتغاء وجه الله تعالى.
ذم المباهاة
جاء الشرع الشريف بذم المباهاة والتحذير منها في نصوص كثيرة؛ لأنها تناقض حقيقة العبودية لله تعالى، وتفسد الإخلاص، وتورث الكبر والعجب، ومن أوضح ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وقد فسر الإمام الطبري الآية بقوله: "ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وعما ينجيكم من سخطه عليكم" [جامع البيان]، وقال الزمخشري: "والتَّكاثُرُ التبارى في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر" [الكشاف]، فالتكاثر المذموم هو الانشغال بالتفاخر والتباهي به والتعاظم على الخلق بسببه.
قال الله تعالى عن صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا﴾ [الكهف: ٣٤].
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي: "أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا، وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرا وفسادا في الأرض، وما أصدق قول قتادة رحمه الله: "تلك – والله - أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزة النفر" [التفسير الوسيط].
قال تعالى على لسان لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ﴾ [لقمان: ١٨].
"ولا تستكبر على الناس، بل ألِن جانبك لهم، وأقبِل عليهم متواضعًا، ولا تُوَلِّهم شِقَّ وجهك وصفحته كما يفعله المتكبِّرون إعجابًا بأنفسهم؛ لأن الله لا يحب كل مختال فخور، وأصل الصَّعَر: داءٌ يَعتري البعير فيلوى منه عنقه، ويُستعار للكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا وبطرًا كما يمشي المختالون المتكبرون؛ لأن الله ـ لا يُحبُّ كل مختال فخور، والمختال: المتكبّر، وهو مأخوذ من الخيلاء وهو التَّبَختر في المشي كِبرًا، والفخور: كثير الفخر، وهو المباهاة، ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لغيره...". [التفسير الوسيط- مجمع البحوث].
وقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱ وَزِینَةࣱ وَتَفَاخُرُۢ بَیۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرࣱ فِی ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَیۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرࣰّا ثُمَّ یَكُونُ حُطَٰمࣰاۖ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابࣱ شَدِیدࣱ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣱۚ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]
ولقد حذر النبي ﷺ من صور المباهاة الاجتماعية التي تدفع الناس إلى التكلف والتنافس المذموم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "نَهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ طَعامِ المُباهاةِ، وَطعامِ المُتَباريَيْنِ"، [التاريخ الكبير للبخاري] أي: ما يصنعه الناس لا طلبًا للأجر أو الإكرام، وإنما للمفاخرة وإظهار السعة والتغلب على الآخرين في مظاهر الإنفاق.
ليس هذا فحسب بل إن التفاخر أو المباهاة تجعل الإنسان يرى نفسه أفضل من غيره: بماله، أو نسبه، أو علمه، أو منصبه، وربما بطاعته، أو عبادته، أو التزامه، فيقع في آفةٍ أخطر وهي الكبر، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه سيدنا عَبْد اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: «ِإنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بطر الحق وغمط الناس» [رواه مسلم].
قال حجة الإسلام الغزالي: "وإنما صار حجابًا دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها؛ لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز، ولا يقدرُ على التَّواضُعِ وَهُوَ رَأسُ أَخلاق المتقين وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز، ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز، ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز، ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز، ولا معنى للتطويل فما من خُلق ذميمٍ إلا وصاحب العز والكبر مضطرٌ إليه ليحفظ عزه وما من خلقٍ محمودٍ إلا وهو عاجزٌ عنه خوفًا من أن يفوته عِزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه" [إحياء علوم الدين].
ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ إلى الزهد في مظاهر الدنيا وعدم الاغترار بها؛ إذ قال ﷺ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري]، قال ابن بطال في شرحه للحديث: "فنبّه بذلك أمته ﷺ على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزلة الضعة، فحق على كل ذي عقل الزهد فيه وقلة المنافسة في طلبه، وترك الترفع والغبطة بنيله، لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل" [شرح صحيح البخاري].
كما بين ﷺ أن من يباهي بأعمال الآخرة أهل الدنيا فهم وقود النار، لأنه تجرد من الإخلاص الذي هو شرطه، فأخرج المستغفريّ في "فضائل القرآن" باب ما يكره للقارئ من المباهاة بالقرآن والتعمق في إقامة حروفه والتنطع وما جاء في ذلك، عن أم الفضل عن رسول الله ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَلِمْنَا وَقَرَأْنَا فَهَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِيهِمْ مِنْ خَيْرٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أُولَئِكَ؟ قَالَ: «أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ».
مفهوم الرضا وحقيقته وأهميته
يُعَدُّ الرضا من أجلِّ المقامات الإيمانية وأرفع المنازل الروحية التي يتنافس إليها السالكون إلى الله تعالى؛ إذ هو ثمرة المعرفة بالله، وعلامة حسن الظن به، ودليل امتلاء القلب باليقين والتسليم، وقد عظَّم أهل العلم والتربية هذا المقام حتى وصفوه بأنه باب السعادة في الدنيا والآخرة، ومفتاح الطمأنينة التي لا تنالها القلوب المضطربة بأحوال الدنيا وتقلباتها.
وقد عبَّر أهل السلوك عن عظيم شأن الرضا بقولهم: «الرضا باب الله الأعظم»، أي أنه من أعظم الأبواب الموصلة إلى القرب من الله تعالى، فمن وُفِّق للرضا فقد فاز بحظ وافر من السكينة والأنس بالله، ونال من ألطافه ما لا يناله كثير من الناس، ولذلك قال عبد الواحد بن زيد: «الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا»، لأن صاحبه يعيش في راحة قلبية دائمة، لا تزعزعه الحوادث، ولا تذهب بسكينته تقلبات الزمان.
والرضا في حقيقته ليس مجرد احتمال الأقدار أو الصبر عليها، بل هو مرتبة أرفع من ذلك، تقوم على استقبال ما يجري به قضاء الله تعالى بالطمأنينة والانشراح، مع الثقة الكاملة بحكمته وعدله ورحمته، ولهذا قيل: هو استقبال الأحكام بالفرح، وقيل: هو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وقيل: هو سرور القلب عند مرارة القضاء، لأن المؤمن يعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.
وقد أشار الإمام القشيري إلى العلاقة الوثيقة بين رضا العبد عن ربه ورضا الله عن عبده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾، فمتى امتلأ القلب رضا بالله، وبأمره، وبقسمته، كان ذلك من أمارات عناية الله بصاحبه وقبوله له. ولهذا قيل: إن العبد إذا وجد قلبه ساكنًا إلى تدبير الله، مطمئنًا إلى قضائه، غير معترض على حكمه، كان ذلك من أعظم دلائل الخير والفضل.
ولأهمية هذا المقام أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى عليه السلام حين سأله عن العمل الذي ينال به رضا ربه، فأخبره ـ أن رضاه متحقق في رضا العبد بقضائه وقدره، قال القشيري: "وقيل: قَالَ مُوسَى عليه السلام: "إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى" فَقَالَ: "إنك لا تطيق ذَلِكَ"، فخرَّ مُوسَى عليه السلام ساجدًا متضرعًا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: "يا ابْن عمران إِن رضاي فِي رضاك بقضائي" [الرسالة القشيرية]؛ إذ لا يجتمع السخط على الأقدار مع كمال العبودية لله تعالى، فكلما ازداد العبد تسليمًا لما اختاره الله له، ازداد قربًا من مولاه ونال من رضوانه بقدر ما قام بقلبه من الرضا والتفويض.
ومن هنا لخَّص بعض العارفين طريق التزكية والسلوك (التصوف) في كلمتين جامعتين فقالوا: "التصوف الرضا بالقسمة والسخاء بالنعمة" [حلية الأولياء لأبي نعيم]؛ لأن المؤمن ينظر إلى ما قسمه الله له بعين القبول والامتنان، فلا يحسد غيره على ما أوتي، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس تطلع الساخطين، بل يرى أن لكل إنسان نصيبه الذي اختاره الله له بحكمته.
والرضا يثمر في النفس آثارًا جليلة؛ فهو يورث السكينة عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والقناعة عند قلة الحظوظ الدنيوية، كما يطهِّر القلب من الحسد والاعتراض والتسخط، وإذا استقر الرضا في القلب انطفأت فيه نوازع الكبر والمباهاة؛ لأن الراضي يعلم أن ما عنده من نعم إنما هو فضل من الله تعالى لا استحقاق له فيه، فلا يتعالى بها على الناس ولا يتفاخر بها بينهم، بل يشهد فيها منة المنعم ـ.
ولهذا كان أهل الرضا من أبعد الناس عن السخط والاعتراض، وأقربهم إلى الطمأنينة والثبات. وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم، وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم.