الثورة نت:
2026-06-03@07:05:11 GMT

العدوان على الضاحية ولعنة البركة

تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT

العدوان على الضاحية ولعنة البركة

 

في العام 1970 نشر المؤرخ الصهيوني”شبتاي ديفيد” كتابه “لعنة البركة”، وذلك عن الثمن الباهظ للنجاح العسكري الساحق في العام 1967، لناحية تضخم الذات والغرور، المؤدّي بدوره للعمى الإستراتيجي، وهو ما ظهر بعض نُذره في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973.

وبعد ما اصطُلح على تسميته “وقف الحرب” في غزّة عام 2025، كتب “جدعون ليفي” في”هآرتس”، عمّا سمّاه “بركة اللعنة”، فكتب: “بعد غزّة حان وقت بركة اللعنة، ليست لعنات تتساقط علينا، بل ربما نهاية عهد المسيانية والتعالي على الجميع، وبداية العودة إلى حجمنا الحقيقي”.

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، كان الكيان يُنظر إليه كحليف للولايات المتحدة، قادرًا على حماية مصالحها، ولكن بعده تبدّى الحجم الحقيقي للكيان، كيان غير قادرٍ على حماية نفسه، وهو بحجم أداةٍ صغيرة للقوة الأميركية، التي تشكّل له حماية عسكرية وسياسية وقانونية ومالية.

لذلك من العبث مجاراة مفرخة العواجل الإخبارية، بعد كلّ جريمةٍ ترتكبها “إسرائيل”، عن علم الولايات المتحدة بها، قبل أو بعد أو أثناء، فهذا الكيان التابع فقَدَ قراره، والهامش الواسع الذي كان لديه قبل الطوفان، تقلّص بشكلٍ يكاد يلامس الصفر، ولا يتم إظهار هذا الهامش إلّا حسب مقتضيات المصلحة الأميركية، وعليه فإنّ كلّ الجرائم هي أميركية بالدرجة الأولى، وبالأداة “الإسرائيلية”.

وآخر جريمة تم ارتكابها حتّى لحظة كتابة هذه السطور، ولن تكون الأخيرة، ليست استثناءً، هي جريمة قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يعتبرها البعض تجاوزًا لخطٍ أحمر، في ما الحقيقة هي أنّ كلّ قطرة دمٍ هي خطٌّ أحمر، أجنوبًا سقطت أم شرقًا أم في الضاحية أم بيروت.

وأكاد أقطع بأنّه على المستوى الأخلاقي بالنسبة لحزب الله، فكلّ قطرةِ دمٍ هي خطٌّ أحمر، أكانت في فلسطين أو لبنان، ولكن هناك ضرورات سياسية تجعل من مكان الاستهداف مكللًا بالخط الأحمر، والخط الأحمر هنا ليس مدخلًا ضروريًا لردودٍ عسكرية سريعة أو متسرعة، بل هو تراكمٌ يتم التعامل معه ضمن إستراتيجيةٍ عامّة.

إستراتيجيةٌ عامّة قررها حزب الله، للتعامل مع العدوانية “”الإسرائيلية””، حين وافق على اتفاق وقف النار، ولا يستطيع أحدٌ الجزم بطبيعتها أو أركانها، بينما نستطيع الجزم أنّه ليس من أركانها أو طبيعتها اعتماد ردّ الفعل كحاكم، فالحزب يدرك أنّه يمشي في حقل ألغام، ويدرك أنّ عليه معرفة موطئ قدمه، خصوصًا أنّ المتربصين داخليًا وإقليميًا ودوليًا أكثر من أن يُعدّوا.

إنّ العدوان على الضاحية الجنوبية، واغتيال قائد عسكري في حزب الله، هو ترجمة عملية للتحذيرات الأميركية، التي كان يتم توجيهها للبنان، إن كان إعلاميًا أو عبر القنوات الدبلوماسية، وفحواها إمّا حربٌ أهلية، عبر دفع الجيش اللبناني للاصطدام بالحزب وبيئته، وإمّا أن نطلق كلبنا – “إسرائيل” – عليكم.

والمفارقة، أنّ هناك من يتخّذ من هذا العدوان المستمر، مرتكزًا للمطالبة بنزع سلاح الضحية، وليس دافعًا للتمسك بأسباب القوّة ورصّ الصفوف وطنيًا، لمواجهة العدوان، الذي لا يستثني أحدًا، ويوهمون الناس بأنّ الأزمة هي بسبب من تمسك بالدفاع عن نفسه وشعبه وبلاده، وليست في العدوّ الذي لا يحتاج مبرراتٍ للعدوان، خصوصًا أننا نعيش في عالمٍ كما قال “آينشتاين”، ” عالمٌ عضلاته أكبر من عقله، وغرائزه أكبر من ضميره”، فلا يمكن مواجهته بالدموع وهمهمات الشكوى، وهو عالمٌ يطلق علينا كلبًا بلا عقلٍ وبلا ضمير، يتخذ من القتل دينًا ومحرك بقاء، عقيدته إن لم نقتلهم أفرادًا وجماعات، لن يكون لنا بقاءٌ في هذه المنطقة.

إنّ محور المقاومة اليوم أكثر تمسكًا بسلاحه، وأكثر إدراكًا لصحة خياراته، وأنّه لا طريق أقصر من القوّة، ولا سبيل سوى السلاح، للوصول إلى حماية الحقوق، أو أقلّه حماية الحدود، وأنّ التخلّي عن السلاح لا يعني سوى الانتحار، بينما تمسك “إسرائيل” بسياسة الإفراط في القتل لا القتال، هو انتحارٌ بطيء.

لأنّ عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، ولن يتم محو آثار الطوفان، مهما حاولت أميركا ذلك عبر الإيغال في القتل، بل كلما دفعت الكيان للعدوان أكثر، حلّت عليه لعنة ما يظنّها البركة أكثر، وستكون مقتلته الحقيقية والأخيرة، ولو بعد حين.

كاتب فلسطيني من غزة

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • الخارجية الأميركية: المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية تمضي نحو التوصل لاتفاق شامل
  • القيادة المركزية الأميركية: موجة إضافية من المسيرات الإيرانية حاولت مهاجمة القوات الأميركية في الكويت
  • ترامب يعيّن حليفا له مديرا للاستخبارات الأميركية
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • ما بعد اليونيفيل وانتشار الجيش.. محادثات جبيلي مع البعثة الأميركية
  • مسلح يقتل 6 من أفراد عائلته وينتحر في ولاية أيوا الأميركية
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • مفتاح البركة والرزق.. الأوقاف تعدد فضائل صلة الرحم بالدنيا والآخرة