ياسر العطا: ابن زايد يشن حربا عرقية ضد السودانيين ويشتري صمت الغرب
تاريخ النشر: 26th, November 2025 GMT
شن الفريق أول في الجيش السوداني، ياسر العطا، هجوما لاذعا ضد دولة الإمارات ورئيسها، محمد بن زايد، متهما الغرب بالصمت عن التطهير العرقي الذي يجري بدعم من أبو ظبي ضد الشعب السوداني.
وأكد العطا في مقابلة مع موقع "ميدل ايست آي" البريطاني، أن الساسة الغربيين يتجاهلون المجازر التي تُرتكب بحق المدنيين في السودان لأن دولة الإمارات المتحدة اشترت صمتهم متهما حاكم أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع شبه العسكرية، التي ارتكبت مجازر وانتهاكات في أنحاء السودان خلال عامين ونصف من الحرب، كان آخرها في مدينة الفاشر بدارفور.
وأوضح العطا أن قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، والتي تقاتل القوات المسلحة السودانية منذ نيسان/ أبريل 2023، "شنت حربًا كبيرة ضد الشعب السوداني". وأضاف: "لقد اقتحموا منازل الناس في الخرطوم ومدن أخرى، وينهبون ويدمرون كل شيء: المستشفيات، والكهرباء، وإمدادات المياه، وكل ما يُبقي الناس على قيد الحياة".
وأشار العطا إلى أن "العالم ظل صامتًا إزاء كل ما ارتكبته قوات الدعم السريع في السودان"، مؤكدا أن السبب هو أن "هذا الصمت تم شراؤه بقوة المال الإماراتي".
وخلال مأدبة عشاء مع صحفيين سودانيين وأجانب في مطعم قرب مقره العسكري في أم درمان، خصّ العطا بريطانيا – القوة الاستعمارية السابقة – بانتقادات شديدة اللهجة.
وقال: "كنا نتوقع أن يكون الشعب البريطاني أكثر وعيًا. كانت لهم صلة وثيقة بالمجتمع السوداني بحكم العلاقة التاريخية. إنهم يعرفون تراثنا وثقافتنا وطريقة حياتنا". لكنه خلُص بلهجة جافة إلى أن "كل دولة تبحث عن مصالحها الخاصة، وهذا أمر مفهوم".
تُعد الإمارات أكبر شريك تجاري لبريطانيا في الشرق الأوسط، إذ بلغ حجم التجارة بينهما 24.3 مليار جنيه إسترليني العام الماضي. والإماراتييون من كبار المستثمرين في بريطانيا، وأشهر استثماراتهم هي حصة الأغلبية في نادي مانشستر سيتي.
كما انتقد العطا أيضًا تغطية الإعلام البريطاني لأحداث السودان، بالنظر إلى "العلاقة طويلة الأمد" بين السودان وبريطانيا. واتهم الصحفيين بالتقاعس عن تغطية حرب "فقدنا فيها 150 ألف سوداني". وأضاف: "نتيجة لعدم اهتمام العالم، تم جلب مرتزقة إلى بلادنا، وسُمح للإمارات بفعل ذلك".
وقد كشف موقع "ميدل إيست آي" في وقت سابق تفاصيل عن كيفية نقل الإمارات مرتزقة كولومبيين للقتال مع قوات الدعم السريع عبر قاعدة جوية في الصومال. وقال العطا إن ميليشيات الدعم السريع استأجرت مقاتلين من مناطق بعيدة مثل أوكرانيا، ومن دول أفريقية مثل النيجر ومالي وتشاد وجنوب السودان. وقد كانت هناك أدلة كثيرة قبل الحرب على أن قوات الدعم السريع تربطها علاقات وثيقة بمجموعة فاغنر الروسية.
وأشار العطا إلى أن انهيار مجموعة فاغنر الروسية بعد مقتل مؤسسها يفغيني بريغوجين في حادث تحطم طائرة قبل عامين فتح الباب أمام خيارات تجنيد جديدة لقوات الدعم السريع، مؤكدًا أن الميليشيا استقدمت مؤخرًا مقاتلين من أرض الصومال.
في الأسابيع الأخيرة، زاد الاهتمام الدولي بقوات الدعم السريع والدعم الذي تحصل عليه من الإمارات بعد اقتحام الفاشر في 26 أكتوبر/ تشرين الأول وارتكاب مجازر واسعة.
لكن العطا شدد على أن الانتهاكات لم تقتصر على الفاشر، مشيرا إلى الانتهاكات في ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم. وقال: "هناك العديد من القرى الصغيرة في الجزيرة، وقد قُتل المئات في تلك القرى".
وأفادت التقارير أن هجومًا على قرية السريحة في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 أسفر عن مقتل حوالي 100 شخص. وقال سودانيون في التكينة، وهي قرية أخرى في ولاية الجزيرة، لموقع ميدل إيست آي إن قوات الدعم السريع قتلت أكثر من 50 من سكانها أثناء تصديهم بنجاح للميليشيات. وأكد العطا أن "قوات الدعم السريع تقتل المزيد والمزيد من الناس حتى تتأكد من إبادتهم".
وأوضح لموقع "ميدل إيست آي" أن عدد المدنيين الذين قُتلوا في الفاشر ارتفع الآن إلى 32 ألفًا، ويزداد يومياً "وفقاً للعرق والإثنية". وخلال الأسبوع الماضي، قال حاكم دارفور مني أركو ميناوي لموقع "ميدل إيست آي" إن العدد وصل إلى 27 ألفًا.
نشأت قوات الدعم السريع من ميليشيات تُعرف باسم الجنجويد، استخدمها نظام الرئيس السابق عمر البشير قبل 20 عاماً لقمع المتمردين في دارفور. ثار المتمردون ضد الحكومة المركزية احتجاجًا على التهميش والتمييز العنصري ضد السودانيين ذوي البشرة السوداء. استهدف الجنجويد – وهي قوات تتألف أساسا من العرب – مجتمعات السود في دارفور، في صراع وُصف بأنه أول إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين.
استغل مقاتلو الجنجويد، الذين ينتمون في الغالب إلى قبائل عربية بدوية، الصراع كفرصة لطرد السودانيين – وأغلبهم من الأعراق الأفريقية السوداء – من أراضيهم. كما وجهت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية اتهامات جديدة لقوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية، خصوصاً بعد المجازر ضد المساليت في غرب دارفور عام 2023.
وقال العطا: "إذا كنت من قبيلة غير عربية أو مؤيدة للجيش، سيطلقون عليك النار مباشرة. ومن يحاول الهرب، تتعقبه قوات الدعم السريع وتقتله في الطريق".
في بداية مأدبة العشاء مع عدد من الصحفيين الأجانب والمحليين، قال العطا – وهو ضابط مخابرات سابق خدم أربعة عقود في الجيش السوداني: "سأكون صريحًا ومباشرًا. أنا شخص واضح".
وردا على أسئلة الصحفيين من خلال مترجم، اتهم العطا محمد بن زايد بالتخطيط لطرد القبائل الأفريقية من السودان، مشيرًا إلى أن مصدرًا في دبي حذره قبل عام من اندلاع الحرب بأن بن زايد يصف قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بـ"أمير السودان".
ادعى العطا أن رئيس الإمارات قد وافق شخصيًا على خطة استراتيجية تهدف إلى التخلص من القبائل الأفريقية في السودان، موضحًا للصحفيين أن هذا "المشروع" يتضمن برنامجًا ضخمًا لإعادة التوطين والتطهير العرقي، بحيث يتم دفع سكان شمال السودان وقبائل النوبة إلى داخل مصر.
وحسب ما ذكره القائد العسكري السوداني، فإن المشروع يتضمن أيضًا طرد قبائل النوبة الجنوبية وغيرها من سكان ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى دولة جنوب السودان. وأضاف العطا، نقلا عن الاستخبارات السودانية، أن الإمارات أنشأت مركز قيادة في أبوظبي لإدارة الجوانب اللوجستية والإعلامية وتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة. وقد طلب موقع "ميدل إيست آي" تعليقاً من سفارة الإمارات في لندن على هذه التصريحات.
قبل الاجتماع مع العطا، اصطحب الجيش السوداني الصحفيين إلى قاعدة عسكرية تحوّلت إلى مكبّ لمدرعات قوات الدعم السريع المدمرة. وقال عدد من الضباط إن بعضها جاء من الإمارات، موضحين أنها نُقلت جوًا من تشاد أو الصومال، أو برًا عبر ليبيا.
وزعم الضباط أن هذه المركبات غالبًا ما كانت توضع داخل المساجد أو المباني العامة حتى لا يدمرها سلاح الجو السوداني. وقال العطا للصحفيين إن أحد التفسيرات للتدخل الإماراتي هو أن "الإمارات تريد الذهب، أو أراضي للزراعة أو أراضي لاستخراج المعادن"، لكنه أكد أن السودان كان دائمًا "منفتحًا على الاستثمار". وأضاف: "نحن نعتقد أن ما تريده الإمارات حقاً هو مشروع عنصري. السودان الذي يرونه هو أرض عربية خالية من غير العرب".
واعتبر العطا أن "قوات الدعم السريع مجرد أداة بيد الإمارات"، مشيراً إلى تدخل الإمارات المتعددة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتابع قائلا: "الإمارات العربية المتحدة عدو. لقد دمّرت العالم العربي والمنطقة بأسرها. الإمارات تقف وراء المشاكل في سوريا والعراق ولبنان واليمن ودول أخرى". وقال إن بعض تلك الدول "تتبادل المعلومات" مع الجيش السوداني حول الأنشطة الإماراتية.
منذ انتفاضات الربيع العربي عام 2011، سعت الإمارات إلى إبراز قوتها في المنطقة من خلال دعم الحكومات الاستبدادية الصديقة ومواجهة دعاة الديمقراطية والإسلام السياسي. وكما هو الحال في السودان، فقد دعمت الانفصاليين والميليشيات في دول مثل ليبيا والصومال واليمن، مما أدى إلى اضطرابات واسعة النطاق وحالة من الفوضى.
اندلعت الحرب في السودان بسبب خطط دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، وهو ما كان سيضعف حميدتي بشكل كبير ويقلل من نفوذ الإمارات. في المقابل، يروّج أنصار قوات الدعم السريع لرواية مفادها أن الميليشيات تقاتل حكومة "إسلامية" تهيمن عليها عناصر إسلامية متشددة من حقبة البشير.
يرفض العطا هذا الطرح بشكل قاطع، قائلاً إنه تم الاتفاق قبل اندلاع الحرب "على إنشاء جيش مستقل موحّد من أبناء الشعب دون أيديولوجيات. كنت عضوًا في اللجنة العليا التي طردت 132 ضابطاً إسلامياً".
وأوضح العطا أن هؤلاء الضباط كانوا موجودين من فترة حكم البشير، التي انتهت عام 2019 عندما أُطيح بالديكتاتور الذي حكم لفترة طويلة في انقلاب قاده عبد الفتاح البرهان وحميدتي عقب ثورة شعبية. وأشار العطا إلى أن الشيوعيين والبعثيين، وكذلك عناصر تتبنى أيديولوجيات أخرى، أُحيلوا أيضاً إلى التقاعد ضمن عملية التطهير.
وزعم أن هؤلاء الضباط تواصل معهم حميدتي لاحقًا ومنحهم عقوداً للعمل مع قوات الدعم السريع. وبنبرة دعابة، سخر العطا من الرواية التي يروّج لها أنصار الدعم السريع بأن "البرهان إخواني والعطا شيوعي".
وقال مازحاً: "يخبرون الأتراك أننا شيوعيون، ويخبرون القطريين أننا متطرفون. لا نعرف من نحن في هذه اللحظة: شيوعيون أو إخوان". وفي تقييمه للوضع العسكري الراهن، ادعى العطا أن عدد مقاتلي قوات الدعم السريع قد انخفض من 100 ألف إلى 23 ألفاً منذ اندلاع الحرب. لكنه حذّر قائلاً: "إنهم يتلقون دعمًا مباشرًا من الإمارات".
ورغم عجز الجيش السوداني عن فك الحصار المفروض على الفاشر لمدة 550 يوماً قبل سقوطها في يد قوات الدعم السريع، توقّع أن تستعيد القوات المسلحة السودانية السيطرة على المدينة في غضون ثلاثة أشهر.
وقال: "نحن نؤمن بالسلام، ولسنا دعاة حرب. نريد حلاً قائمًا على العدالة والإنصاف”، مؤكدًا في الوقت نفسه: “لن نقبل بأي سلام يفسح المجال للإمارات". ومن اللافت أيضا أن العطا استبعد مشاركة كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في المفاوضات.
يُذكر أن بولس، وهو والد زوج ابنة دونالد ترامب، قاد مفاوضات لوقف إطلاق النار في واشنطن قبل سقوط الفاشر، لكنها باءت بالفشل. وكانت الإمارات حاضرة ضمن "الرباعية"، وهي مجموعة من الدول المكلّفة بمعالجة الحرب في السودان.
وقد رفض وفد القوات المسلحة السودانية التعامل مع الإماراتيين كوسطاء. وأفادت مصادر لـ"ميدل إيست آي" أن المسؤولين الإماراتيين في الاجتماع لم يسمحوا بمناقشة الوضع، بينما كانت قوات الدعم السريع تقترب من السيطرة على المدينة.
وفي إطار وضع أسس لمفاوضات جديدة، طالب العطا بأن تُسلم قوات الدعم السريع سلاحها وتُوضع "في معسكرات خارج المدن الرئيسية"، مع توفير "طرق آمنة" لإيصال المساعدات الإنسانية.
كما طالب بأن ترسل الإمارات طائرات "لجمع المرتزقة وإعادتهم إلى بلدانهم فوراً"، مشددًا على ضرورة تقديم جميع المتورطين في الجرائم ضد الشعب السوداني إلى العدالة. وأكد العطا أن هذه القائمة يجب أن تشمل أيضًا أفرادًا من القوات المسلحة السودانية متهمين بارتكاب جرائم حرب.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية سياسة عربية السوداني ياسر العطا الإمارات التطهير العرقي الدعم السريع السودان الإمارات التطهير العرقي الدعم السريع ياسر العطا المزيد في سياسة سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة عربية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القوات المسلحة السودانیة قوات الدعم السریع الجیش السودانی میدل إیست آی من الإمارات فی السودان العطا أن ا إلى أن
إقرأ أيضاً:
مسؤول أمريكي لعربي21: الإمارات حوّلت حرب السودان إلى أداة لتصفية معركتها مع الإخوان
قال مساعد المبعوث الأمريكي الخاص إلى السودان سابقا والمدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، كاميرون هاديسون، إن "دولة الإمارات لعبت دورا مزدوجا وخطيرا في التعاطي مع الأزمة السودانية، موضحا أن "أبو ظبي لم تكتف بتسليح قوات الدعم السريع فحسب، بل وفّرت لها أيضا غطاءً دبلوماسيا وسياسيا واسعا حول العالم".
وأضاف هاديسون، في مقابلة خاصة مع "عربي21": "لكن الأخطر من ذلك هو حملتها الدعائية المنظمة التي تسعى من خلالها إلى تصوير هذه الحرب على أنها مواجهة ضد جماعة الإخوان المسلمين في السودان، وكأن هذا هو جوهر الصراع، وهذا الطرح غير صحيح إطلاقا. لقد حوّلت هذه الحرب إلى أداة بالوكالة لخدمة مشروعها في القضاء على الإخوان".
وذكر أن "تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حول خطورة تسليح قوات الدعم السريع شكّلت لحظة مهمة كان من الممكن أن تُحدث تغييرا جوهريا في موقف الإدارة الأمريكية، لأنها المرة الأولى التي يتجرأ فيها مسؤول أمريكي رفيع على توصيف حقيقة الدور العسكري لهذه الميليشيا، لكن إرسال مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس ترامب إلى الإمارات قبل أيام قوّض تماما هذه الرسالة التي حملتها تصريحات روبيو؛ تماما الرسالة التي حملتها تصريحات روبيو؛ إذ بدا واضحا أن بولس يصطف مع الموقف الإماراتي".
وكان روبيو، قد صرّح، في ختام اجتماع لوزراء خارجية مجموعة الدول السبع في كندا، في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بأنه يجب اتخاذ خطوات لقطع الأسلحة والدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع، لافتا إلى أنه سيدعم "مساعي مجلس الشيوخ لتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية إذا كان ذلك سيساعد في إنهاء هذه الأزمة"، مؤكدا أنها ارتكبت "فظائع" في السودان.
لكن مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، قال، خلال مؤتمر صحفي في أبو ظبي، الثلاثاء الماضي، إن "الجيش السوداني وقوات الدعم السريع رفضا مقترحا أمريكيا لهدنة إنسانية في السودان"، مرحبا بإعلان "حميدتي" موافقته على هدنة إنسانية من جانب واحد.
في حين انتقد رئيس مجلس السيادة بالسودان، عبد الفتاح البرهان، الأحد، بشدة، الورقة التي قدمتها الآلية الرباعية عبر مسعد بولس، مُشدّدا على أن "تلك الورقة تعتبر أسوأ ورقة يتم تقديمها باعتبار أنها تلغي وجود القوات المسلحة، وتطالب بحل جميع الأجهزة الأمنية وتبقي المليشيا المتمردة (الدعم السريع) في مناطقها".
وتاليا نص المقابلة التي أجرتها "عربي21" مع كاميرون هاديسون:
كيف تنظرون إلى الهدنة الإنسانية التي أعلن عنها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي"؟
في الحقيقة، لا وجود لشيء يمكن وصفه بالهدنة الإنسانية. ما جرى كان خدعة إعلامية من قِبل "قوات الدعم السريع"، أرادت من خلالها الإيحاء بأنها أكثر حرصا على السلام من الجيش، لكن خلال 24 ساعة فقط من إطلاق تلك "الخدعة"، قامت هذه القوات بانتهاك الهدنة بنفسها عبر تنفيذ هجوم جديد. وبكل بساطة، لا يمكن الثقة في التزاماتها ولا في أي إعلان تصدره بشأن وقف إطلاق النار.
هل ترى أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن خطورة تسليح "قوات الدعم السريع" تُشكّل بداية تغيير حقيقي في موقف الإدارة الأمريكية أم أنها مجرد لغة سياسية لا ترتبط بخطة تنفيذية واضحة؟
كان هناك قدر كبير من الأمل عندما أدلى ماركو روبيو بتصريحاته، لأنه ببساطة تحدث عن حقيقة لم يجرؤ أي مسؤول أمريكي رفيع على طرحها من قبل. غير أن إرسال المبعوث الخاص مسعد بولس إلى الإمارات العربية المتحدة قبل أيام قوّض تماما الرسالة التي حملتها تصريحات روبيو؛ إذ بدا واضحا أن بولس يصطف مع الموقف الإماراتي بدلا من توجيه أي انتقاد لدعم أبو ظبي لقوات الدعم السريع، وهذا التناقض يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان هناك تحوّل حقيقي في موقف الإدارة الأمريكية، أم أن ما قيل مجرد لغة سياسية بلا خطة تنفيذية واضحة.
بالتالي كيف تقرأون التناقض الواضح بين دعوة مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس إلى هدنة عاجلة تشمل الجيش وقوات الدعم السريع بالتساوي، وبين تصريحات أخرى تضع الدعم السريع كـ«الطرف الشرير الرئيسي» في الصراع؟
إن التناقض بين ما قاله ماركو روبيو وما فعله مسعد بولس يكشف بوضوح أن وزارة الخارجية الأمريكية لا تعمل وفق رؤية موحّدة ولا إدارة منسّقة فيما يتعلق بملف السودان. نأمل أن تبادر الإدارة الأمريكية إلى إجراء التغييرات المطلوبة لتشكيل فريق رفيع المستوى قادر على إدارة عملية السلام في السودان بكفاءة ومسؤولية، لكن من الواضح، في تقديرنا، أن هذا الفريق لا ينبغي أن يكون بقيادة مسعد بولس.
ما أبعاد الاختلاف أو التباين داخل الإدارة الأمريكية بشأن الموقف من الأزمة السودانية؟
إن هذا التباين الواضح في التصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة يخلق حالة ارتباك حقيقية لدى الجانب السوداني ولدى أعضاء مجموعة الرباعية على حدّ سواء؛ فالسعوديون هم مَن طلبوا إشراك الولايات المتحدة في المسار السياسي، لكن مسعد بولس سارع إلى التوجّه نحو الإمارات العربية المتحدة للتشاور معها دون بقية الشركاء، وهو ما عمّق شعورا بأن واشنطن لا تتصرف وفق موقف موحّد أو استراتيجية متماسكة.
وبناءً على ذلك، تبدو جميع الأطراف اليوم في حالة ارتباك من تقلّب الموقف الأمريكي. ومن اللافت أيضا أن الجنرال عبد الفتاح البرهان، في مقاله المنشور في صحيفة وول ستريت جورنال، عبّر بوضوح عن رغبته في العمل مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في السودان، وأشار تحديدا إلى تصريحات الوزير روبيو والرئيس ترامب باعتبارهما إشارتين إيجابيتين.
لكن في المقابل، من الواضح تماما أنه فقد الثقة في كبير المستشارين مسعد بولس نتيجة حالة التخبط والإرباك التي تسبّبت بها تحركاته الأخيرة، والتي جعلت الموقف الأمريكي يبدو غامضا وغير منسجم مع نفسه.
كيف تقيمون دور الإمارات في التعاطي مع الأزمة السودانية؟
أعتقد أن دولة الإمارات العربية المتحدة لعبت دورا مزدوجا وخطيرا في هذا الصراع؛ فمن الواضح أنها قامت بتسليح قوات الدعم السريع، وقدّمت لها غطاءً دبلوماسيا وسياسيا واسعا حول العالم، لكن الأخطر من ذلك هو حملتها الدعائية المنظمة التي تسعى من خلالها إلى تصوير هذه الحرب على أنها مواجهة ضد الإخوان المسلمين و"التطرف الإسلامي" في السودان، وكأن هذا هو جوهر الصراع، وهذا الطرح غير صحيح إطلاقا؛ فالحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تتجاوز هذه الرواية بكثير.
لقد حوّلت الإمارات هذه الحرب إلى أداة بالوكالة لخدمة مشروعها في القضاء على "الإخوان المسلمون" أينما رأت أنهم موجودون، بدافع القناعة بأن وجودهم يُمثل تهديدا مباشرا لها داخل حدودها وخارجها.
وماذا عن رؤيتكم لدور اللجنة الرباعية (السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة)؟
في هذه المرحلة، من الصعب أن نرى كيف يمكن للجنة الرباعية أن تقوم بدور وساطة فعال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، في ظل هذا القدر من التشابك والتباينات داخلها؛ فالحقيقة أن أي وساطة حقيقية يجب أن تبدأ أولا عبر التفاوض المباشر بين القوات المسلحة السودانية والإمارات العربية المتحدة، قبل الانتقال إلى أي محادثات سلام بين الجيش وقوات الدعم السريع.
بدون معالجة هذا الملف المحوري، لا يمكن لأي مسار تفاوضي أن يحقق تقدما أو يضع أساسا حقيقيا للسلام في السودان.
برأيكم، ما العامل الحاسم من أجل إنهاء الأزمة السودانية؟
من أجل إنهاء النزاع في السودان، علينا أن نقطع الرابط بين قوات الدعم السريع وبين الإمارات، ويمكن للولايات المتحدة أن توظّف قوتها الدبلوماسية لتحقيق هذا الهدف بشكل لا يُمثّل إحراجا للإمارات العربية المتحدة، ولكن يوفر لها سبيلا آمنا للخروج من هذا النزاع بما لا يضرّ بصورتها.
عندما تتوقف الإمارات عن تقديم الدعم لقوات الدعم السريع، يمكن عندها فتح باب النقاش حول وقف إطلاق نار مستدام، والانتقال لاحقا إلى تفكيك هذه الميليشيا ودمج عناصرها داخل القوات المسلحة السودانية، غير أن بلوغ هذا الهدف يستلزم مسارا طويلا من المفاوضات السياسية والدبلوماسية.
ومع ذلك، يبقى الأساس الذي لا يمكن تجاوزه هو بدء حوار مباشر بين السودان والإمارات يفضي إلى إنهاء وجود قوات الدعم السريع بوصفها "قوة موازية"، وإعادة دمجها رسميا ضمن بنية الجيش السوداني.
وإذا عدنا إلى تصريحات وزير الخارجية روبيو، فسنجد أنه شدّد بوضوح على وحشية قوات الدعم السريع، مؤكدا أنه لن يكون هناك أي تسامح مع وجود فصائل مسلّحة تتولى إدارة السودان، وهذا الموقف يتقاطع تماما مع ما يُقال في القاهرة والرياض وأنقرة بشأن رفض السماح لقوات الدعم السريع بأن تكون سلطة حاكمة في البلاد.
وبناءً على ذلك، تنظر الولايات المتحدة إلى الجيش السوداني باعتباره الجهة الأكثر شرعية بموجب الدستور السوداني، وترى أنه الجهة التي يجب أن تضطلع بالدور المركزي في مستقبل الحكم وترتيبات ما بعد الحرب.
مع العلم، لا أحد يدعو إلى أن يتولى الجيش السوداني حكم البلاد مستقبلا، لكن هناك إجماعا على ضرورة مشاركته في فترة انتقالية تسبق أي ترتيبات سياسية دائمة. ومن هذا المنطلق، أرى أن لدى واشنطن القدرة على الإسهام في إنهاء الوضع الراهن ووقف القتال، غير أن أي حل لن يكون ممكنا ما لم يُفسح المجال أمام السودانيين ليُسمع صوتهم ويُؤخذ برأيهم في تقرير مستقبلهم.
يمكن للولايات المتحدة أن تساعد في تهيئة البيئة السياسية والدبلوماسية المناسبة لتحقيق ذلك، لكنها لا تستطيع بمفردها وضع حدّ لهذا النزيف الطويل الذي أصاب السودان منذ لحظة استقلاله وحتى اليوم.