لا شىء ثابتًا فى عالم السياسة.. قبل سنوات كانت الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر الداعمين لجماعة الإخوان، إلى حد أن الإدارة الأمريكية فى عهد باراك أوباما فرضت هذه الجماعة على كثير من الدول العربية من خلال الفوضى الخلاقة التى سميت بالربيع العربى، وأسقطت عددًا من الأنظمة الحاكمة، وسقطت معها بعض الدول فى براثن الصراعات المسلحة والانقسامات حتى الآن، نتيجة سيطرة الجماعة على مفاصل بعض الدول من خلال الدعم الأمريكى المباشر على شتى المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتعامل مع هذه الجماعة باعتبارها السلطة الشرعية فى الدول العربية التى شهدت انتفاضات شعبية أسهم فى تأجيجها الاعلام الأمريكى وأجهزة الاستخبارات، وسخرت الإدارة الأمريكية كل إمكانياتها وجهودها لترسيخ حكم الجماعة والقبض على السلطة فى مصر وغيرها من الدول العربية، بهدف تمرير المشروع الأمريكى الصهيونى المسمى بالشرق الأوسط الجديد بعد أن تم الاتفاق مع الجماعة على الخطوط العريضة للمشروع وأهمه استقبال الفلسطينيين فى سيناء، ولم تهنأ الإدارة الأمريكية بمشروعها بسبب انفجار ثورة الثلاثين من يونيو التى أسقطت المشروع الأمريكى الإخوانى.
قبل يومين وقع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أمراً تنفيذياً لوزيرى الخارجية والخزانة، لتصنيف جماعة الإخوان على أنها جماعة إرهابية، فى توجه معاكس للإدارات الأمريكية السابقة، وهى بالتأكيد خطوة بالغة الأهمية، وضربة ساحقة لم تعرفها الجماعة منذ نشأتها عام 1928 وحتى الآن، نظراً لتداعياتها على مستقبل وجود الجماعة وأنشطتها السياسية والمالية والعسكرية، سواء فى الولايات المتحدة أو أوروبا أو فى الدول العربية والأماكن التى تسيطر عليها بفصائلها المسلحة.. القرار الأمريكى بات يشكل - موت اكلينيكى - للجماعة طبقاً للقانون الأمريكى الذى يحظر كل الأنشطة والدعم المادى والتحويلات المالية والإقامة لأعضاء الجماعة، ويمنح الحق فى إقامة دعاوى تعويضات أمام المحاكم المدنية ومقاضاة عناصر الجماعة جنائياً والسجن المؤبد وحظر وتجميد الممتلكات، وإجبار المؤسسات الأمريكية على فرض رقابة على أعضاء الجماعة والكشف عن الأصول المالية وجميع الأنشطة داخل الولايات الأمريكية، وهى خطوة دفعت المجلس الأوروبى للتحرك ودراسة الخيارات لمواجهة إزدياد نفوذ جماعة الإخوان فى أوروبا ومواجهة تمويل الإرهاب فى الشرق الأوسط.
هذه الجماعة الإرهابية التى شكلت شوكة فى ظهر الدولة المصرية منذ نشأتها على يد المخابرات البريطانية، وكانت سبباً فى إشغال وتعطيل الدولة المصرية فى مسارات عدة، أدركتها الأجيال الحالية فى أحداث 2011 وما بعدها، وكلفت الدولة والاقتصاد المصرى ثمناً باهظاً، وخسرت مصر الآلاف من خيرة شبابها الذين استشهدوا فى مواجهة إرهاب الجماعة سواء فى سيناء أو غيرها من المدن المصرية، ومع أن الدولة المصرية بقدراتها العسكرية والأمنية الكبيرة استطاعت دحر إرهاب الجماعة وبتر ذراعها العسكرية من الأراضى المصرية واستعادة الاستقرار فى ربوع الوطن.. إلا أن هذه الجماعة ما زالت تشكل مخاطر جمة من خلال أذرعها السياسية والمالية والإعلامية من خلال نشاطها فى الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا، وتحرك قياداتها بحرية، والسعى الدائم لزعزعة الاستقرار داخل مصر من خلال تمويل الفضائيات التى تبث سمومها فى المجتمع المصرى على مدار الساعة والحملات الإعلامية على وسائل التواصل الاجتماعى، والتحويلات المالية إلى عناصرها ولجانها الإلكترونية داخل مصر، ليأتى قرار ترامب المزلزل لأركان الجماعة، ومحذراً فى ذات الوقت للدول الحاضنة للجماعة فى المنطقة.
حفظ الله مصر
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: صواريخ الدول العربیة هذه الجماعة من خلال
إقرأ أيضاً:
عُمان الشامخة
أحمد بن محمد العامري
ahmedalameri@live.com
في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية وقيم الاحترام المتبادل بين الدول، تبدو تصريحات الرئيس ترامب السياسية، كالعادة، خروجًا عن كل ما تقتضيه الحكمة والدبلوماسية، خصوصًا حين تصدر بلغة التهديد والوعيد تجاه دولٍ عُرفت بالسلام والاعتدال. ومن هذا المنطلق، لقد أثارت التصريحات العدائية للرئيس الأمريكي ترامب تجاه سلطنة عُمان موجة واسعة من الغضب والاستنكار داخل عُمان وخارجها، لما حملته من تجاوزٍ للأعراف الدولية وخطابٍ متعجرف يتنافى مع أسس العلاقات السياسية المسؤولة بين الدول ذات السيادة.
والاستهجان والشجب والاستنكار بأشد العبارات لهذه التهديدات يُعد موقفًا طبيعيًا لعُمان أمام خطابٍ لا يليق بما ندعيه من علاقات تاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية. "فتهديدنا بالتدمير إذا لم تستجب لما يُطلب منا" يمثل سلوكًا مرفوضًا سياسيًا وأخلاقيًا، ويعكس عقلية تقوم على فرض الإرادة بالقوة بدلًا من الاحترام المتبادل، ومن حق حكومة سلطنة عُمان اتخاذ ما تراه مناسبًا من خطوات دبلوماسية تحفظ هيبة الدولة وكرامة شعبها، بما في ذلك استدعاء السفير الأمريكي وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية تؤكد رفض السلطنة لهذه التصريحات المسيئة، وتطالب باعتذار واضح وصريح من الرئيس ترامب لعُمان قيادةً وشعبًا. فكرامة الأوطان لا يمكن أن تكون محل مساومة، واحترام سيادة الدول ليس خيارًا سياسيًا مؤقتًا، إنما مبدأ ثابت تقوم عليه العلاقات الدولية السليمة.
كما أن هذه التصريحات ينبغي أن تفرض إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تستمر بروحها ذاتها بعد صدور تهديدات بهذا المستوى من الخطورة والاستهانة. فالعلاقة التي كانت قائمة قبل هذا الخطاب العدائي لا ينبغي أن تبقى كما هي بعده، حتى وإن صدر اعتذار لاحقًا، لأن ما قيل ترك أثرًا سياسيًا ومعنويًا لا يمكن تجاهله بسهولة، بل يستدعي الحذر منه.
إن سلطنة عُمان ليست دولة طارئة على التاريخ، بل دولة ذات جذور حضارية عميقة ومكانة راسخة إقليميًا ودوليًا. وعلى مدى عقود طويلة، استطاعت السلطنة أن ترسّخ نهجًا سياسيًا متزنًا قائمًا على الحكمة والحياد الإيجابي واحترام سيادة الدول، وهو ما أكسبها احترام المجتمع الدولي وثقة الأطراف المختلفة في كثير من القضايا والملفات الحساسة.
لقد كانت عُمان دائمًا صوت العقل في منطقة تعصف بها الأزمات والتوترات، ولعبت أدوارًا بارزة في تقريب وجهات النظر ودعم جهود السلام والاستقرار. ولهذا، فإن استهدافها بخطاب التهديد هذا لا يُعد إساءة لعُمان وحدها، بل إساءة لكل القيم التي تمثلها من اعتدال وسلام واتزان سياسي.
ومن المؤسف أن يلجأ الرئيس ترامب إلى تهديد استفزازي بتدمير عُمان بدلًا من الثناء على دورها الدبلوماسي الفاعل على مستوى العالم. فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى الحكمة والتعاون، لا إلى التصعيد والتهديد، كما أن استخدام القوة اللفظية أو العسكرية ضد الدول المستقلة لا يعكس بالضرورة قوة حقيقية، بقدر ما يكشف عن حالة من التخبط السياسي والصلف العبثي.
إن من يقرأ تاريخ عُمان جيدًا يدرك أنها دولة عصية على الضغوط، وأن شعبها يمتلك وعيًا وطنيًا عميقًا يجعله أكثر تمسكًا بسيادته وكرامته واستقلال قراره السياسي. فعُمان، عبر تاريخها الطويل، واجهت تحديات كثيرة، لكنها بقيت ثابتة على مبادئها، محافظة على استقلالها السياسي ورافضة الانجرار وراء سياسات المحاور والصراعات العبثية.
وفي النهاية.. ستظل سلطنة عُمان شامخةً بتاريخها وشعبها وقيادتها ومبادئها، أكبر من أن تهزها تصريحات عابرة أو تهديدات عبثية متشنجة. فالدول العظيمة لا تستمد قوتها من الصخب والوعيد، بل من الحكمة والثبات والمكانة التي تحظى بها بين الأمم. وستبقى عُمان، كما عهدها العالم، وطن الحكمة والسلام والسيادة مهما تعالت أصوات التهديد أو محاولات الاستفزاز، خاب مسعاك يا ترامب.