كيف تعيد الدولة ترتيب مركز القرار؟
تاريخ النشر: 27th, November 2025 GMT
27 نونبر، 2025
بغداد/المسلة:
رئيس مجلس الوزراء من الزعامة إلى المنظومة- كيف تعيد الدولة ترتيب مركز القرار؟
د. حسين الاسدي
منذ عام 2003 تعيش التجربة العراقية في ظل معادلة معقدة: قوى سياسية شيعية تتحمل العبء الأكبر في حماية النظام السياسي وصون الدولة، وفي الوقت نفسه تتعرض لضغوط هائلة من الشارع والشركاء الإقليميين والدوليين، ومن طبيعة الدولة المرهَقة نفسها، في هذا السياق برز موقع رئيس مجلس الوزراء بوصفه نقطة التقاء لهذه التحديات كلها؛ فهو من جهة ابن هذه القوى ونتاج تفاهماتها، ومن جهة أخرى مطالب بأن يكون رئيساً لكل العراقيين، وقائداً لآلة تنفيذية مترامية الأطراف، وممثلاً للدولة أمام العالم.
تجربة الدورات المتعاقبة كشفت أن الإشكال ليس في هوية هذا المكوّن ولا في شرعية دوره، بل في طريقة تنظيم العلاقة بين القوى الشيعية ورئيس مجلس الوزراء وبقية مؤسسات الدولة، في كثير من الأحيان يتحول المنصب إلى مشروع زعامة فردية، يعتمد على شبكات الولاء الشخصي والظهور الإعلامي والتفاهمات الخاصة، أكثر مما يعتمد على قواعد مؤسسية مكتوبة، النتيجة تكون دولة مثقلة بالملفات المؤجلة، وحكومات قصيرة النفس، وبرامج سرعان ما تتعرض للاهتزاز عند أول أزمة سياسية أو اقتصادية.
من هنا تأتي فكرة الانتقال من نموذج رئيس مجلس الوزراء الزعيم إلى نموذج رئيس مجلس الوزراء القائد التنفيذي ضمن منظومة، المقصود ليس نزع البعد السياسي عن المنصب، ولا تحجيم القوى التي أوصلته، بل العكس تماماً: تثبيت دور هذه القوى عبر تحويله إلى منظومة حكم واضحة القواعد، يكون فيها رئيس مجلس الوزراء جزءاً عضويّاً من نظام متكامل، لا مركز ثقل شخصياً يدور الجميع من حوله، في هذه المنظومة يستند الرئيس إلى عقد تفويض سياسي مكتوب مع المرجعية السياسية الشيعية، يحدد الأهداف الكبرى للدورة، والملفات ذات الأولوية، وهوامش الحركة المقبولة، وآليات التصحيح عند الحاجة.
هذا العقد يمنح رئيس مجلس الوزراء غطاءً سياسياً صلباً يقيه تقلب المزاج اللحظي داخل الساحات المختلفة، ويمنح الإطار السياسي في المقابل ضمانة بأن المشروع الحكومي لن يتحول إلى منصة لبناء زعامة فردية منفصلة، بذلك تتحول العلاقة من دائرة الشك المتبادل والتوجس من خروج الرئيس عن السيطرة إلى شراكة منظمة تقوم على الوضوح والمحاسبة والنتائج، إن قوة الحكم هنا لا تأتي من تشديد القبضة على الأشخاص، بل من قوة القواعد التي تحكم عملهم.
الركن الثاني في هذا التصور هو بناء خطة تشريعية مشتركة بين القوى الشيعية ورئيس مجلس الوزراء، تنطلق من حقيقة أن جزءاً كبيراً من القوانين النافذة صيغ في مرحلة سابقة على الدستور الحالي بما واقعه اكثر من 84%، المطلوب هو الانتقال من إدارة الدولة بالتعليمات والقرارات والاستثناءات المتفرقة إلى بناء حزم تشريعية مترابطة، في مجالات الخدمة المدنية والمالية العامة والحكم المحلي وتنظيم السلطة التنفيذية وغيرها، هذه الحزم تُعدّ وتُدار عبر قنوات مؤسسية منسقة بين الحكومة والكتلة النيابية واللجان المختصة، بما يتيح تحديث الإطار القانوني للدولة بفلسفة منسجمة مع الدستور ومع رؤية الحكم الشيعي الوطني لدولة عادلة وقوية.
إلى جانب ذلك يقترح التصور خطة تنفيذية ثلاثية الأفق: أفق قصير المدى لمعالجة الاختناقات التي تمس شرعية الحكومة مباشرة أمام المواطنين، مثل ملفات الكهرباء وفرص العمل والخدمات الحضرية الأساسية؛ وأفق متوسط خلال دورة حكومية واحدة لمعالجة عقد بنيوية أعمق في الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم والصحة ومحاربة الفساد؛ ثم أفق بعيد المدى يمتد لعقدين لنقل الاقتصاد من الريعية إلى الإنتاج، وبناء بنية تحتية وخدمات مستدامة قادرة على استيعاب النمو السكاني والتغيرات البيئية، بهذا المعنى يصبح الحكم الشيعي مشروعاً تنموياً طويل النفس، لا إدارة يومية لأزمات متلاحقة.
ولا يكتمل هذا البناء من دون إعادة تعريف دقيقة لموقع الوزير، فالوزير في هذا النموذج ليس دولة داخل الدولة تديرها جهة حزبية بمعزل عن بقية المنظومة، كما أنه ليس موظفاً تقنياً منزوع الجذور السياسية، هو قائد قطاعي يلتزم بترتيب واضح للولاءات: الدستور والدولة أولاً، ثم البرنامج الحكومي الذي التزمت به القوى الداعمة، ثم المرجعية الحزبية، وأخيراً الاعتبارات الشخصية والمناطقية، هذا الترتيب يحفظ احترام الانتماء السياسي المشروع، لكنه يمنع في الوقت نفسه تحويل الوزارة إلى منصة فئوية ضيقة أو إلى رافعة لزعامة فردية جديدة.
وبالمنطق نفسه يُعاد تنظيم دور النائب الشيعي، بحيث يصبح جزءاً من منظومة متكاملة، لا لاعباً منفرداً ينافس رئيس مجلس الوزراء أو الإطار على قيادة الشارع، النائب في هذا التصور يمارس وظيفته التشريعية والرقابية كاملة، لكن ضمن قواعد تضبط العلاقة بينه وبين الحكومة وبين مرجعيته السياسية، وتفرق بين الرقابة الهادفة إلى تصويب الأداء وبين الحركات التي تهدد استقرار الدولة أو تفتح الباب أمام خصومات داخلية تستنزف الجميع، ولأجل ذلك تُقترح قنوات مؤسسية للربط بين النواب والحكومة، تضمن التعامل العادل مع المطالب المحلية، وتغلق الباب أمام المزاجية والصفقات العابرة.
في خاتمة هذا التصور تبرز فكرة مركزية: أن حماية دور المكوّن الشيعي في الدولة لا تتحقق بتكثير الشخصيات ولا بتعدد مراكز الخطاب، بل ببناء منظومة حكم شيعي وطني حديثة، تستند إلى عقود تفويض مكتوبة، وخطط تشريعية وتنفيذية واضحة، وعلاقات منضبطة بين المرجعية السياسية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء والنواب، عندئذ يمكن لهذا الدور أن يتحول من عبء دائم ومصدر للاتهامات إلى رافعة حقيقية لدولة قوية، وشراكة متوازنة مع بقية المكونات، ومسار تنموي طويل الأمد يشعر ثماره جميع العراقيين.
هذه المقالة خلاصة مكثفة لكتاب تفصيلي يقارب 400 صفحة، عُرضت فيه الأسس النظرية والبيانات والتصاميم المؤسسية لهذا النموذج المقترح للحكم التنفيذي في العراق.
– مستشار رئيس مجلس الوزراء لشؤون التشريع ورئيس لجنة التشريع البرلمانية
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post Author AdminSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
كلمات دلالية: رئیس مجلس الوزراء فی هذا
إقرأ أيضاً:
الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية الآثمة
أعرب مجلس الوزراء الكويتي في اجتماعه الأسبوعي، اليوم الثلاثاء، برئاسة الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، رئيس مجلس الوزراء، عن إدانته مجددا واستنكاره وبأشد العبارات للهجمات الإيرانية الآثمة والمتكررة التي استهدفت أراضي دولة الكويت بالصواريخ والطائرات المسيرة يوم الخميس الماضي ويوم أمس الاثنين.
وأكد مجلس الوزراء الكويتي، أن هذا التصعيد يأتي في وقت تبذل فيه عدد من الدول الشقيقة والصديقة جهودًا حثيثة لخفض التوتر والتهدئة وتجنيب المنطقة مزيدا من التصعيد، الأمر الذي يضاعف من خطورة هذه الاعتداءات ويقوض المساعي الدبلوماسية الرامية إلى حفظ الأمن والاستقرار الإقليمي.
وطالب إيران بالوقف الفوري ودون قيد أو شرط لهذه الاعتداءات الآثمة وتحملها المسئولية الكاملة عن تلك الاعتداءات، لما تمثله من عدوان سافر على سيادة دولة الكويت، مشددا على رفض دولة الكويت القاطع لهذه الممارسات العدوانية واحتفاظها بحقها الكامل في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحفظ أمنها والدفاع عن أراضيها ومنشآتها الحيوية ضد أي عدوان أو تهديد.
من جانب آخر، أعرب مجلس الوزراء الكويتي عن إدانته واستنكاره الشديدين لاستمرار تصعيد قوات الاحتلال الإسـرائيلي ضد الجمهورية اللبنانية الشقيقة، مؤكدا موقف دولة الكويت الثابت والداعم لوحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، داعيا إلى الوقف الفوري لهذا التصعيد، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية، والالتزام الكامل بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 وسائر القرارات الدولية ذات الصلة.
وفي إطار حرص مجلس الوزراء الكويتي على المتابعة المستمرة بشأن آخر مستجدات تفشي فيروس إيبولا عالميا، اطلع مجلس الوزراء على تقرير قدمه وزير الصحة، الدكتور أحمد عبدالوهاب العوضي، بشأن الوضع الوبائي لفيروس إيبولا حيث أكد أن مركز الكويت للوقاية من الأمراض ومكافحتها بوزارة الصحة يجـري تقييما فنيا يوميا لمخاطر هذا الفيروس مع استمرار المتابعة والتنسيق مع الجهات الدولية المختصة.
وأوضح العوضي أن وزارة الصحة قامت بتعزيز إجراءات التقصي الوبائي والترصد الصحي وتوفير الكواشف المخبرية ومعدات الوقاية الشخصية، كما تم تعزيز إجراءات المراقبة الصحية في المنافذ الحدودية.
وفي ضوء المتابعة الحثيثة لمجلس الوزراء الكويتي لكافة الأعمال التي تقوم بها الوزارات والجهات الحكومية الكويتية في ظل الظروف الراهنة، اطلع مجلس الوزراء الكويتي على التقارير المقدمة من الوزراء والجهات الحكومية حول الإجراءات التي اتخذت لرفع درجة الجاهـزية إلى أقصى مستوياتها لضمان سلامة المواطنين والمقيمين وتوفير كافة احتياجاتهم المعيشية نتيجة التطورات العسكرية والأمنية التي تشهدها دولة الكويت والمنطقة.
واستعرض مجلس الوزراء الكويتي في اجتماعه الأسبوعي اليوم عددا من المواضيع المدرجة على جدول الأعمال والتقارير ومحاضر اللجان الوزارية وقرر الموافقة عليها، كما قرر إحالة عدد منها إلى اللجان الوزارية المختصة لدراستها ورفع التوصيات المناسبة بشأنها لاستكمال الإجراءات الخاصة لإنجازها.
ونظرا لتطورات الأوضاع المتسارعة في ظل الظروف الراهنة، أشار مجلس الوزراء الكويتي إلى أنه مستمر في حالة انعقاد دائم لمتابعة آخر المستجدات على الساحتين المحلية والإقليمية.