عربي21:
2025-11-29@05:43:39 GMT

«عيد الشكر» وتاريخ الإبادة!

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

قد يكون عيد الشكر الذي تحتفل به الأغلبية الساحقة من الأمريكيين من كل الخلفيات في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر في كل عام من أهم الأعياد في المجتمع والثقافة الأمريكية.

يجتمّع الأقارب والأصدقاء حول الموائد لتناول وجبة دسمة ولتقديم الشكر على ما ينعمون به من خيرات وفيرة في أرض يقال إنها «تتسع للجميع وترحب بالمهاجرين» (مع أن تصاعد الفاشيّة والعنصرية في السنين الأخيرة، بالذات في زمن ترامب، وحملات التهجير والتسفير فاقمت الشكّ بصدقية المقولة وواقعيتها).



يرسّخ هذا العيد الأسطورة القومية المتخيّلة عن أصل البلاد وتفاصيل نشأتها. وتتكفل الأيديولوجيا بدرء الحقائق التاريخية والتفاصيل التي قد تثير الجدل، والسخط، وقد تسائل الماضي الذي ما زال حاضراً بشكل أو بآخر.

في المخيال الشعبي الأمريكي، وفي المناهج في عموم المدارس، هناك عيد شكر «أول» بدأ في 1621 تمثّل في احتفال مشترك بالحصاد جمع الحجّاج (pilgrims) (المستعمرون الإنكليز الأوائل الذين هربوا من الاضطهاد الديني في أوروبا ولجأوا إلى الساحل الشرقي للبلاد، بحثاً عن موطن آمن) بالسكان الأصليين من قبيلة وامپانواغ، ليقتسموا وجبة طعام في سلام ووئام ويقدموا الشكر. راجت هذه الحكاية في منتصف القرن التاسع عشر وصوِّرت في الثقافة الشعبية وفي اللوحات والأعمال الفنية لترسيخ رواية مؤسطرة و»معقّمة» عن علاقة المستعمِر بالمستعمَر وبالأرض. وذلك في حقبة كانت الولايات المتحدة تواصل فيها استيطانها الاستعماري غرباً وتمحق وتهجّر السكّان الأصليين.

وحسب المؤرخين، فإن ذلك العشاء الأول لم يكن احتفالاً دُعي إليه السكان الأصليون (قبيلة الوامپانوغ) بل إنهم قدموا للوفاء بمعاهدة سلام كانوا قد وقعوها مع المستعمرين البيض، بعد سماعهم أصوات إطلاق نار (كان احتفال المستعمرين صاخباً). وكان الوامپانواغ قد نجوا للتو من الطاعون الذي جلبه المستوطنون معهم من أوروپا، وبعد ساعات شابها سوء فهم لما قيل استقرّت الأوضاع وظلت المجموعتان لثلاثة أيام.

استمر المستعمرون بالاحتفال بعيد الشكر في السنوات التي أعقبت تلك الواقعة. لكن الاحتفالات لم تكن دائماً سلمية، بل إن بعضها، مثلاً في 1637 و 1639 أعقبت مذابح اقترفت ضد السكان الأصليين وتخللتها تفاصيل بربرية. فقد علّق مستعمرون من پلايموث رأس ابن زعيم قبيلة أوسامكوين على رمح في مدينتهم وأبقوه لعقدين. وكانوا قد تركوا جثته التي مثلوا بها ولم يدفنوها لتتفسّخ.

ولم يتبلور عيد الشكر وينتشر بالشكل الواسع الذي تعرفه الولايات المتحدة اليوم إلا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ولأسباب سياسية. حين تصاعد القلق من تزايد أعداد المهاجرين القادمين من أعراق ومناطق وخلفيات أخرى، ترسّخ موقع البروتستانت البيض كمؤسسين للبلاد الذين يمثلون هم ثقافتهم قيمها المتمحورة حول العائلة والفردانية والحرية والإيمان. في 1836، أثناء الحرب الأهلية الطاحنة (1861-1865) وبعد سنة من حرب «الداكوتا»، كانت أسطورة عيد الشكر ضرورية لمحاولة رأب الصدع والانقسام. فأعلن الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر «عيد الشكر» عطلة رسمية. وكان قد وقّع قبلها بسنة مرسوماً بإعدام 38 من رجال قبيلة «داكوتا» شنقاً عقاباً على اشتراكهم في حرب «الداكوتا». وأعدموا في السادس والعشرين من كانون الأول/أكتوبر 1862 في مانكاتو في ولاية مينيسوتا.

كانت حرب الداكوتا واحدة من سلسلة حروب تُعرف بالحروب الأمريكية الهندية، التي كانت تنتهي باغتصاب المزيد من الأراضي وتهجير ومحاصرة وتجويع السكان الأصليين وانتشار الأمراض بينهم، بعد نكث الحكومة الفدرالية بوعودها ومخالفة الاتفاقيات أو عدم الوفاء بها. بين 1837 و1858 وقّع الداكوتا سلسلة اتفاقيات للحصول على النقود والطعام مقابل التخلي عن الأراضي.

وفي الفترة نفسها شجعت الحكومة الفدرالية الاستعمار هناك وأسّست ولاية مينيسوتا. وكانت شرارة حرب الداكوتا رفض التجار من المستوطنين البيض بيع الغذاء للسكان الأصليين بالديْن بعد أن تأخرت وانقطعت مدفوعات الحكومة الفدرالية. وقال أحد هؤلاء التجّار، آندرو ميرك، «إذا كانوا جوعى فليأكلوا العشب». فانتفض الداكوتا وهاجموا المستعمرين وعُثِر على ميرك مشنوقاً وقد وضعوا العشب في فمه. احتُجز أكثر من 1600 من نساء وأطفال وشيوخ الداكوتا في مخيم في شتاء 1862-1863 وانتشرت الأمراض بينهم ومات المئات. في نيسان/أبريل من 1863 ألغت ولاية مينيسوتا اتفاقياتها مع الداكوتا وهجّرت الذين كانوا في المخيم إلى ولاية نيبراسكا وأصدر الكونغرس قراراً بعدها يمنع الداكوتا من العيش في ولاية مينيسوتا.

في كل عام، في اليوم الذي يحتفل به بعيد الشكر يصوم ويتظاهر الآلاف في ما يعرف بـ «اليوم القومي للحداد»، والذي تعود جذوره إلى 1960. حين وجهت ولاية ماساشوستس دعوة إلى فرانك جيمس (وامسوتا)، زعيم وامپانواغ، لإلقاء كلمة في ذكرى مرور 350 عاماً على وصول المستوطنين الأوروبيين إلى المنطقة.

وحين عرفت السلطات أن خطابه كان سيتحدث عن الإبادة والاستعباد الذي مارسه المستوطنون الأوائل، ومخالفة الوعود والاتفاقيات، طلبوا منه أن يعدّل خطابه ويحذف كل ما كان من شأنه أن يثير ضجة.

لم يرضخ الزعيم وتظاهر احتجاجاً على ذلك. ومنذ ذلك اليوم يحتشد السكان الأصليون والمتضامنون معهم في «كول هل» بالقرب من بليموث روك، في ولاية ماساتشوستس، لاستعادة تاريخ مختلف.
و»بليموث روك» هي الصخرة التي تقول الأسطورة القومية إن أول سفينة تحمل المستوطنين الأوائل رست عليها، مع أن المؤرخين دحضوا ذلك.

القدس العربي

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه عيد الشكر ترامب الولايات المتحدة الإبادة الولايات المتحدة الإبادة عيد الشكر ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد اقتصاد سياسة سياسة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ولایة مینیسوتا عید الشکر

إقرأ أيضاً:

زلزال بقوة 6 درجات يضرب ولاية ألاسكا الأمريكية

ضرب زلزال بلغت شدته (6) درجات على مقياس ريختر في منطقة أنكوريج الحضرية بولاية ألاسكا الأمريكية اليوم الخميس، بالتوقيت المحلي، وفق ما أفادت به هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
وأفادت الهيئة بأن الهزة الأرضية على عمق 69 كيلومترًا، ومركزها على مسافة (12) كيلومترًا غرب – شمال غربي سوسيتنا، بولاية ألاسكا في منطقة تقع على مسافة نحو (67) ميلًا شمال غربي المدينة.
ولم ترد أي تقارير فورية عن حدوث أضرار بالغة.
وأفاد نظام الإنذار الأمريكي، بأنه من غير المتوقع حدوث تسونامي.
يذكر أن ولاية ألاسكا الأكثر عرضة للزلازل في الولايات المتحدة، ومن أكثر المناطق نشاطًا زلزاليًا في العالم، حسبما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

مقالات مشابهة

  • حاكم ولاية مينيسوتا يشكك بشكل غير مباشر في لياقة ترامب العقلية
  • زلزال بقوة 6 درجات يضرب ولاية ألاسكا الأمريكية
  • “العفو الدولية”: الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة لم تتوقف
  • مشروعات استراتيجية ونهضة عمرانية تشهدها ولاية ضنك
  • العفو الدولية: الإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل" بغزة لم تتوقف
  • منظمات حقوقية دولية: الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة لم تتوقف
  • برودة شديدة.. ثلوج بسُمك 20 سنتمتر على 14 ولاية اليوم!
  • برودة شديدة.. ثلوج كثيفة على 11 ولاية اليوم!
  • نيجيريا.. إنقاذ جميع الطالبات المختطفات في ولاية كيبي