د. هبة عيد تكتب: دمعة لا تجد سؤالًا صادقًا
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
في عالمٍ يبدو فيه كل شيء واضحًا للكبار، نجد هناك طفلا صغيرا يعيش داخله صمتًا أكبر من عمره. فالطفل الذي يتعرّض للتحرّش لا يصمت لأنه قوي، أو لأنه لا يشعر بالألم، بل لأنه لم يجد حتى الآن سؤالًا واحدًا صادقًا يطمئنه بأن صوته سيُحتضن لا يُدان. فالصمت عند الطفل ليس ضعفًا، بل هو محاولة فطرية لحماية نفسه عندما يشعر بأن الأمان غير مكتمل، في البيت أو المدرسة أو بداخله.
فعندما يمرّ الطفل بتلك التجربة لا يملك من الكلمات القدرة على وصفها. جسده يخبره أن هناك شيئًا خاطئًا، لكن عقله لا يستطيع تفسير ما يحدث. ويشعر بالخوف، بالارتباك، وبالعار الذي لا يعرف مصدره. هذا المزيج من المشاعر يجعله يظن أنه قد يكون جزءًا من الخطأ، فيؤدي ذلك إلى شلل نفسي يمنعه من الكلام. ويبدأ الطفل في مراقبة ردود أفعال الكبار، ويستعيد كل لحظة بكى فيها ولم يُسأل عن السبب، وكل مرة خاف فيها وقيل له “عيب”، وكل مرة حاول أن يحكي فقوبل باللوم أو تجاهل مشاعره. ومع تكرار هذا النمط، يتراجع صوته خطوة…تلو أخرى… حتى تختفي جرأته على البوح والتعبير.
وتصبح القضية أكثر تعقيدًا. ففي بعض البيوت، تُعامل مشاعر الطفل كأمور بسيطة، ويُنظر إلى خوفه كدلال أو نوع من المبالغة. وفي المدرسة، قد يشعر الطفل أن الشكوى قد تجلب له عقابًا، أو سخرية من زملائه، أو تشكيكًا من معلمه. وحين يفقد الطفل الثقة بأن الكبار سيصدّقوه أو يفهموه، يصبح السر ثقيلًا على قلبه الصغير، لكنه يفضّل حمله وحده بدلًا من مواجهة عالم غير مستعد لسماعه.
ولأن حماية الطفل لا تبدأ بعد وقوع الأذى، بل قبله، تصبح مسؤولية البيت والمدرسة مشتركة. ففي البيت، يجب أن يكون الحوار جزءًا من الحياة اليومية مثل أسئلة بسيطة، كلمات مطمئنة، مساحة آمنة لكي يحكي دون تهديد أو عقاب. يحتاج الطفل أن يتعلم أن جسده ملكه، وأن اللمس غير المريح ليس سرًا، وأن أهله أقرب إليه من أي خوف. أما في المدرسة، فيجب أن يحمل المعلمون حساسية عالية تجاه الإشارات النفسية التي تظهر على الأطفال مثل الانطواء المفاجئ، الخوف من شخص بعينه، تغيّر السلوك بلا سبب واضح. والسعي لوضع آلية واضحة وسرية للإبلاغ، والعمل على التثقيف المستمر للأطفال بصورة مبسطة ، لكي تنشأ بيئة تعليمية لا تُسكت الخوف بل تعالجه… كل هذا يصنع فرقًا حقيقيًا.
وحين يعمل البيت والمدرسة معًا، يتحوّل صمت الطفل إلى لغة يستطيع التعبير بها. ليصبح الطفل قادرًا على أن يقول “أنا مش كويس”، دون خوف من اللوم، ودون شعور بأنه سيُتّهم أو يُساء فهمه. فهو يحتاج قلوبًا تسمع قبل أن تحكم، وتشعره بأن سؤاله مهم، ودمعته ليست شيئًا يتم تجاهله.
ومع ذلك، يبقى هناك عدد من الأطفال يعيشون ألمهم في الظل… يبكون دون أن يجدوا سؤالًا واحدًا يقترب من دموعهم.
يحملون خوفهم بمفردهم لأنهم لم يجدوا أحدًا يسألهم: “إنت كويس؟ إحكي لي… أنا جنبك”. وتتحوّل دموعهم إلى صمتٍ ثقيل، ووجعٍ لا تفسير له.
وفي النهاية، تختصر الحقيقة كلها في جملة واحدة تعرفها كل روح تُنصت لوجع الأطفال أن هناك دائماً دمعة لا تجد سؤالاً صادقاً.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الطفل الصمت التجربة المشاعر حماية الطفل
إقرأ أيضاً:
مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي قوله إن بلاده لن تقدم على الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان ما دامت ترى أن هناك تهديدات أمنية قائمة على الأرض، مؤكداً أن أي خطوة تتعلق بإعادة انتشار القوات أو الانسحاب ستكون مرتبطة بشكل مباشر بالتقييمات الأمنية والعسكرية التي تجريها الجهات المختصة.
وأوضح المسؤول أن إسرائيل تضع مسألة أمن المناطق الحدودية في مقدمة أولوياتها، وترى أن استمرار وجود تهديدات محتملة يتطلب الحفاظ على إجراءات أمنية تضمن حماية الحدود ومنع أي هجمات قد تستهدف الأراضي الإسرائيلية.
وأضاف أن المؤسسة الأمنية تتابع التطورات الميدانية بشكل مستمر، وتقوم بإجراء تقييمات دورية لتحديد مستوى المخاطر والتحديات القائمة في المنطقة.
وأشار المسؤول إلى أن قرار الانسحاب أو البقاء لا يرتبط فقط بالوضع العسكري الحالي، بل يتأثر أيضاً بالتطورات السياسية والأمنية على جانبي الحدود، مؤكداً أن إسرائيل تعتبر إزالة مصادر التهديد شرطاً أساسياً لأي تغييرات محتملة في انتشار قواتها جنوب لبنان.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الحدود اللبنانية الإسرائيلية توترات متواصلة، وسط تبادل للاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد الأمني والعسكري في المنطقة. كما تتزامن مع جهود دبلوماسية وإقليمية تهدف إلى تثبيت التهدئة ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي.
ويرى مراقبون أن مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان سيظل مرتبطاً بمسار التطورات الأمنية والمفاوضات السياسية الجارية، إضافة إلى مدى نجاح الجهود الدولية في خفض التوترات وتحقيق ترتيبات تضمن الاستقرار على طول الحدود.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية، تتواصل المتابعة الدولية والإقليمية للأوضاع في المنطقة، مع دعوات متكررة إلى ضبط النفس والالتزام بالحلول الدبلوماسية، بما يسهم في تجنب مزيد من التصعيد وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق استقرار طويل الأمد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.