هل تمثلنا المجالس المنتخبة؟!
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
أحمد الفقيه العجيلي
نعايش اليوم في السلطنة حالة من النقاش المتصاعد حول دور المجالس المنتخبة، ونتابع بوضوح حجم الفجوة بين تطلعات النَّاس وبين ما يظهر من حضور هذه المجالس في القضايا اليومية.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا لا نرى هذه المجالس في صدارة الملفات التي تشغل المواطن؟ ولماذا يغيب صوتها في لحظات تحتاج فيها البلاد إلى مواقف واضحة ورقابة جادة؟
عندما نتأمل واقع المواطن اليوم، نجد ملفات متراكمة تثقل كاهله، بدءًا بملف الباحثين عن عمل والمسرّحين، وهو الملف الأكثر حساسية لأنه يمسّ حلم الاستقرار ومستقبل الشباب مباشرة، مرورًا بارتفاع تكاليف المعيشة وما فرضته من ضغوط غير مسبوقة على الأسر، وانتهاءً بالقرارات الاجتماعية والثقافية التي تمسّ قيم المجتمع وتثير نقاشًا واسعًا حول اتجاهات التحوّل في الهوية والسلوك.
وإلى جانب ذلك، هناك أحداث مجتمعية تركت أثرًا كبيرًا في الرأي العام، سواء كانت حوادث مؤلمة أو قرارات مفاجئة، فضلًا عن الجدل الذي رافق القانون الجديد الخاص بالعمالة المنزلية لما له من تأثير مباشر على الأسر.
ومع كل هذه الملفات، يتكرر السؤال الشعبي: أين مجلس الشورى؟ وأين المجالس البلدية؟ فالمواطن ينتظر صوتًا واضحًا يعبر عنه، وموقفًا يعكس حجم ما يشعر به، لكن الحضور الفعلي لهذه المجالس يبدو أقل من المتوقع.
وما يزيد الإحباط أن المجلس- في كثير من الأحيان- لا يتحرك لمعالجة القضايا إلّا بعد وقوع حادثة أو مأساة، فيكتفي بإصدار بيانات عامة أو تصريحات لتهدئة الرأي العام، ثم يعود كل شيء إلى الهدوء دون خطوات عملية واضحة أو معالجات جذرية.
ومع مرور الوقت، لا تبدو المشكلة في تأخر المواقف فحسب؛ بل في أن العديد من الأحداث تمرّ علينا كـ"زوبعة في فنجان"؛ تضجّ المنصات لساعات، ثم يخفت كل شيء وكأن المأساة لم تكن. أصبحنا نعيش في زمن ردّات الفعل القصيرة، نغضب بسرعة ونعبّر بحماسة، ثم نترك القضايا تنطفئ دون أثر. وهذه السلوكيات لا تصنع وعيًا ولا تمنع تكرار الأخطاء؛ بل تجعل النقاش العام هشًا، وتمنح المجالس مساحة لتمرير الوقت بدل اتخاذ مواقف راسخة تعالج جذور المشكلة.
ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الناخب نفسه من جزء من المسؤولية؛ فاختيار من يمثل المجتمع ليس مهمة اجتماعية مجاملة، ولا قرارًا محكومًا بروابط القرابة؛ بل هو اختيار يصنع مسار السنوات المقبلة.
ومتى غابت معايير الكفاءة والخبرة والقدرة على مساءلة الجهات التنفيذية، أصبح طبيعيًا أن نرى مجالس ضعيفة في أدائها، عاجزة عن بناء موقف صلب عند كل منعطف.
قد يكون جزء من المشكلة مرتبطًا بالصلاحيات، فبعض الأدوات الرقابية ما زالت محدودة، وحرية طرح الملفات الحساسة تخضع لضوابط عديدة تقلل من قدرة المجلس على ممارسة دوره الحقيقي في المساءلة والتأثير في السياسات العامة.
لكنَّ جزءًا آخر يرتبط بالأداء نفسه؛ إذ يلاحظ كثيرون أن بعض الأعضاء يختفي صوتهم بعد الانتخابات، إمّا لانشغالهم بأولويات شخصية، أو لضعف خبرتهم في العمل البرلماني، أو لحسابات اجتماعية وانتخابية تجعلهم يتجنبون طرح الأسئلة الجادة.
وعندما ننظر بعُمق، نكتشف أن الخلل مركّب، يتداخل فيه ضعف استقلالية بعض الأعضاء، وغياب التنسيق مع المجتمع المدني والإعلام، وقلة الشفافية في تقييم الأداء، وانشغال البعض بقضايا شكلية أو شعبوية لا تغير شيئًا في الواقع، إضافةً إلى نقص الخبرات المتخصصة في صياغة التشريعات والرقابة على الجهات التنفيذية. والمفارقة أن جزءًا من هذا الضعف يمكن تجاوزه بسهولة لو كانت هناك تقارير أداء دورية تُنشر للرأي العام، تُظهر ما تم القيام به، وما لم يُنجز، وما هي المواقف التي تبناها كل عضو.
الشفافية ليست عبئًا على المجلس؛ بل حماية له من سوء الظن، وحماية للمجتمع من تكرار الأخطاء.
ولا يمكن تجاهل أن المجالس البلدية- رغم قربها من تفاصيل حياة الناس اليومية- تبدو هي الأخرى بعيدة عن مراكز النقاش، ونادرًا ما تصدر عنها مواقف واضحة، مع أنها الأكثر اتصالًا بالخدمات والبيئة والتنظيم المحلي. وهذا الغياب يزيد الفجوة بين المواطن وبين المؤسسات التي يُفترض أن تمثله على مستوى المحافظات.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه المحافظات أدوارًا أكبر في التخطيط الاقتصادي والخدمات الأساسية، تبدو المجالس البلدية أسيرة حدود ضيقة من الصلاحيات لا تسمح لها بأن تكون شريكًا فاعلًا في التنمية.
ورغم كل ذلك، فإن إصلاح دور المجالس المنتخبة ليس أمرًا مستحيلًا؛ بل يحتاج إلى إرادة واضحة تعيد النظر في الأنظمة والقوانين، وتمنح صلاحيات رقابية وتشريعية فعّالة، وتؤهل الأعضاء تأهيلًا حقيقيًا في العمل البرلماني، وتُعزّز الشفافية عبر نشر تقارير دورية عن الأداء، وتفعّل دور المجتمع المدني والإعلام في التقييم والمتابعة الموضوعية.
وتجارب الدول التي نجحت مجالسها لم تبنِ نجاحها على الصلاحيات وحدها، بل على جرأة أعضائها، واستقلاليتهم، وتعاونهم مع المجتمع، وقدرتهم على تحويل النقاش العام إلى مبادرات ومشاريع، لا إلى بيانات تهدئة.
ولا يُطلب من هذه المجالس أن تحل كل الأزمات، لكن أقل ما ينتظره المجتمع هو أن تعبر عن همومه وتضع قضاياه على طاولة النقاش العام، وأن تمتلك الجرأة والوضوح في المواقف بعيدًا عن ردود الفعل المتأخرة التي لا تغير من الواقع شيئًا.
ونجاح المجالس ليس في عدد اجتماعاتها؛ بل في صدق مواقفها، وقوة دفاعها عن الناس الذين تمثلهم. والمسؤولية كانت دائمًا أمانة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وقال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (الصافات: 24). ومن تولّى تمثيل الناس فقد حمل أمانة ثقيلة، وسيُسأل يوم القيامة لا عن حضور الجلسات، بل عن ماذا قال؟ وماذا فعل؟
وما بين القول والفعل، يعرف الناس قيمة ممثلهم، وتُقاس حقيقة الأمانة التي حُمّلها.
ليس كافيًا أن تبذل قصارى جهدك
يجب أولًا أن تعرف فيما ستبذل جهدك
ثم تبذل قصارى جهدك!
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
"إعلام بئر العبد" يناقش دور الشباب في مواجهة الشائعات
نظم مجمع إعلام بئر العبد بشمال سيناء ندوة توعوية بعنوان "تعزيز القيم الوطنية لدى الشباب ودورهم في مواجهة الشائعات"، وذلك في إطار جهود الدولة المصرية لبناء الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم الانتماء والولاء الوطني، وتعزيز دور الشباب في حماية المجتمع ومواجهة المعلومات غير الموثقة، بما يدعم الأمن والاستقرار والتنمية.
يأتى ذلك استمرارًا لحملات التوعية والتثقيف التي ينفذها قطاع الإعلام الداخلي التابع للهيئة العامة للاستعلامات، تحت رئاسة السفير علاء يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، وبتوجيهات رئيس قطاع الإعلام الداخلي اللواء الدكتور تامر شمس.
وجاءت الندوة بمشاركة المهندس محمود جبريل مدير المعهد العالي ببئر العبد، والمهندسة بسمة سليمان الأستاذة بوزارة التعليم العالي ببئر العبد، والدكتور حاتم إبراهيم مدير رعاية الشباب وشئون الطلاب بالتعليم العالى، وتناول المحاضرون خلال اللقاء أهمية ترسيخ القيم الوطنية لدى الشباب باعتبارهم الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، والدور المحوري الذي يقومون به في دعم الاستقرار المجتمعي ومواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة.
وأكد المحاضرون أن تعزيز الوعي الوطني لدى الشباب يمثل أحد أهم محاور بناء المجتمع، في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستوى المعلوماتي والتكنولوجي، والتي تتطلب رفع الوعي بآليات التعامل مع الأخبار والمعلومات المتداولة، بما يحمي المجتمع من التأثيرات السلبية للشائعات.
وتناولت الندوة مفهوم القيم الوطنية باعتبارها مجموعة المبادئ والمعايير التي تحدد علاقة الفرد بوطنه، والتي تتمثل في الولاء والانتماء والمسؤولية والمشاركة المجتمعية، مع التأكيد على أن ترسيخ هذه القيم يسهم بشكل مباشر في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات المختلفة.
كما أوضح المحاضرون أن القيم الوطنية لا تقتصر على الجانب النظري فقط، بل تنعكس في ممارسات وسلوكيات عملية، حيث يتمثل البعد السلوكي في الالتزام بالقوانين والحفاظ على الممتلكات العامة واحترام الرموز الوطنية، بينما يرتبط البعد التنموي بالمساهمة في تنمية المجتمع المحلي من خلال العمل والتطوع والتعليم والمشاركة المجتمعية الإيجابية، في حين يتمثل البعد الأمني في الحفاظ على التماسك المجتمعي ورفض خطاب الكراهية والتقسيم ودعم قيم الاستقرار والتعايش.
وتطرقت الندوة إلى خطورة الشائعات باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تؤثر على استقرار المجتمعات، موضحة أن الشائعة هي خبر غير موثق يتم تداوله دون التأكد من صحته، بما يؤدي إلى نشر البلبلة والتأثير على الرأي العام، خاصة في ظل التطور الكبير في وسائل الاتصال الحديثة وسرعة تداول المعلومات عبر منصات التواصل المختلفة.
كما تم استعراض عدد من العوامل التي تساعد على انتشار الشائعات، خاصة داخل محافظة شمال سيناء، ومن بينها التباعد الجغرافي بين بعض التجمعات السكانية، وصعوبة التحقق المباشر من بعض المعلومات، والاعتماد على النقل الشفهي للمعلومات دون التأكد من دقتها، فضلًا عن الانتشار الواسع لتطبيقات التراسل الفوري مع غياب ثقافة التحقق الرقمي لدى بعض الفئات.
وأكدت الندوة أن أضرار الشائعات تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، حيث تؤثر على حركة التنمية، وتخلق حالة من القلق المجتمعي، وقد تؤدي إلى التأثير على الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وشدد المحاضرون على أهمية اتباع منهجية علمية قبل إعادة نشر أي معلومة، تبدأ بالتحقق من مصدر الخبر ومدى صدوره عن جهات رسمية موثوقة، وعدم الاعتماد على الحسابات الشخصية أو المجموعات المغلقة كمصدر للمعلومات، إلى جانب مراجعة توقيت الخبر وسياقه الحقيقي، وتحليل الهدف من نشر بعض الأخبار ومدى ارتباطها بإثارة الخوف أو التأثير السلبي على المجتمع.
كما دعت الندوة الشباب إلى القيام بدور إيجابي في دعم الأمن المعلوماتي لمجتمعاتهم، والاعتماد على المصادر الرسمية في متابعة الأخبار، والمساهمة في نشر المحتوى الإيجابي الذي يعكس جهود التنمية وحجم الإنجازات، بما يعزز قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية.
وأكدت الندوة أن العلاقة بين القيم الوطنية ومواجهة الشائعات علاقة تكاملية، فكلما ارتفع مستوى الوعي والانتماء الوطني لدى الأفراد، انخفضت قابلية تصديق المعلومات غير الموثقة أو المشاركة في تداولها، وهو ما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.
وفي ختام الندوة، أكدت حنان معيقل مدير مجمع إعلام بئر العبد، أن الدولة المصرية تولي اهتمامًا كبيرًا ببناء وعي الشباب وتعزيز قيم الانتماء لديهم، في ضوء رؤية الدولة المصرية الهادفة إلى نشر الوعي والمعرفة، ومن خلال استراتيجية الهيئة العامة للاستعلامات التي تستهدف تعزيز الأمن الفكري والمجتمعي وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية الوطنية، بما يسهم في إعداد جيل واعٍ قادر على حماية مجتمعه ودعم مسيرة التنمية والاستقرار.