ظهر دونالد ترامب من جديد بصفقةٍ "سلام" من ٢٨ نقطة تهدف إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. طَرْحُ الخطة أثار ضجة واسعة، ليس فقط لأنها تحمل تنازلات كبيرة من جانب كييف، بل لأنها تبدو كأنها تتماشى مع أولويات موسكو أكثر من أولويات الدفاع الأوكراني.
أحد أبرز البنود هو ما يشبه اعترافًا فعليًا بسيطرة روسيا على أجزاء من الأراضي الأوكرانية: شبه جزيرة القرم، ودونيتسك ولوغانسك، وفقًا لمسودة الخطة.
لكن التنازلات لا تقف عند هذا الحد: فترامب يقترح أن تقيّد أوكرانيا حجم جيشها إلى ٨٠٠ ألف جندي فقط، وأن تضمن دستوريًا أنها لن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). أيضًا، تنص الخطة على ألا ينشر حلف الناتو قوات في أوكرانيا.
من جهة أخرى، تقترح الوثيقة ضمانات أمنية لأوكرانيا، لكن بشكل مُقيد: إذا غزت أوكرانيا أراضي روسيا، فإن الضمانات تُلغى، وإذا هاجمت موسكو حسب الخطة قد تُفرض عقوبات جديدة أو تُعاد العقوبات القديمة في حالة انتهاك الاتفاق.
من الجانب الاقتصادي، تقرر الخطة استثمار جزء من الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا، مع إشراك دول غربية في المشاريع. كذلك، هناك اقتراح لعودة روسيا إلى مجموعة الدول الكبرى (G8) تدريجيًا، ما يمنحها نافذة اقتصادية ودبلوماسية.
وليس هذا فحسب، بل ترغب الخطة بإلغاء المسؤوليات القانونية عن أفعال الحرب: "عفو تام لجميع الأطراف عن أفعالهم أثناء الحرب"، وفقًا لمسودة الخطة، مع مراقبة تنفيذ الاتفاق من خلال مجلس سلام برئاسة ترامب نفسه.
من منظور دبلوماسي، يمكن القول إن خطة ترامب هي محاولة لإعادة تموضع في الشرق الأوروبي: هي تمنح الروس مكاسب جيوسياسية، لكنها تغري كييف بضمانات اقتصادية مع وعد بإعادة البناء. من جهة أخرى، هي تمنح الولايات المتحدة فرصة ذهبية في عقد اتفاق "سلام" يمكنه أن يعيد دور واشنطن الجيوسياسي، ولكن بنكهة "ترامبية".
ومن زاوية أخرى، تبدو الخطة وكأنها تفرض على أوكرانيا ثمنًا باهظًا مقابل السلام، وهو تنازل عن السيادة العسكرية والجغرافية.
تُرى هل هذا سلام حقيقي؟ أم تسوية تفرضها القوة الاقتصادية والدبلوماسية، وتُقدّم إلى أوكرانيا على طبق "سلام من باب استسلام"؟
في النهاية، يعتمد نجاح الخطة أو فشلها على مدى قبول الأطراف المعنية بها: موسكو، كييف، وأوروبا. لكنّ الأهم هو أن السلام لا يتحقق بمجرد توقيع ورقة تعدّ "حلًا شاملاً" إذا لم يكن هناك توازن حقيقي في الضمانات والمكاسب. وإلا، فقد يكون ما يُقدّم تحت عنوان "سلام ترامب" مجرد بداية لفصل جديد من التفاهمات والتنازلات الاستراتيجية وليس نهاية فعلية للحرب.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: سلام أم استسلام د سراج الدين ياسين سراج الدين دونالد ترامب أبرز البنود سيطرة روسيا الأراضي الأوكرانية
إقرأ أيضاً:
حين يفقد القرصان البوصلة
ينما يستمر تردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بشأن اتخاذ قرار كان قد أعلن أنه يتوجه إلى غرفة العمليات، لاتخاذه، ينتهي الاجتماع الذي استمر لساعتين، دون أي قرار سوى العودة لمعزوفات سابقة مل الناس سماعها.
التصريحات التي سبقت اجتماع غرفة العمليات، سواء على لسان ترامب أو نائبه فانس، كانت تتحدث بتفاؤل عن تحقيق تقدم كبير في المفاوضات، وعن قرب التوقيع على النسخة الأخيرة من اتفاق الإطار الذي تم الاتفاق بشأنه عبر الوسيط الباكستاني.
كان الرئيس ترامب أيضاً صرح بأن الحصار الذي تفرضه بلاده على إيران ومضيق هرمز، سينتهي فوراً، لكن شيئاً من هذا لم يحصل لكنه أدى إلى تراجع أسعار النفط لبعض الوقت.
وكل الوقت يستمر ترامب في ترديد معزوفته القديمة الجديدة، بشأن تدمير المشروع النووي الإيراني، وانهيار الجيش، والقوات البحرية، ومنصات إطلاق الصواريخ.
ادعاءات ترامب، تتناقض على نحو صارخ مع شهادات الميدان وتتناقض أيضاً مع تقديرات أجهزة بلاده الاستخبارية، التي تؤكد أن إيران استعادت قدرتها الصاروخية، وأن الهجمات على المواقع النووية، لم تؤد سوى إلى تدمير مداخل تلك المنشآت.
هذه الادعاءات، والتناقضات المستمرة في كل تصريح يدلي به ترامب، والمغلفة بحالة من التردد واضحة، تؤكد أن الإدارة الأميركية تعيش أزمة خيارات، بعد فشلها في تحقيق الأهداف، سواء عبر القصف أو من خلال الحصار، فضلاً عن مساق المفاوضات.
خبراء، عسكريون، وسياسيون وبرلمانيون وكتاب وصحافيون أميركيون، أخذوا يتحدثون عن هزيمة مؤكدة تلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي إسرائيل أيضاً يتزايد الحديث عن فشل الحروب سواء التي شنتها على إيران، أو حتى على الجبهات الأخرى.
مستوى الغضب الذي أصاب ترامب، جعله يستعيد لغة التهديد بمحو الحضارة، وإعادة إيران إلى العصر الحجري، حين أطلق التهديد ذاته إلى سلطنة عُمان، إذا واصلت التنسيق مع إيران بشأن آلية عمل المرور من مضيق هرمز.
هذا الفشل الذي بالتأكيد يشعر به ترامب نتيجة عدم تحقيق أي هدف من الأهداف التي أراد تحقيقها، جعله يذهب للبحث عن إنجاز استراتيجي مهم في حال الحصول عليه.
يمارس ترامب ضغوطاً على السعودية، ودول الخليج، ودول عربية وإسلامية من بينها تركيا والباكستان داعياً الجميع للانخراط في اتفاقات أبراهام، كان ذلك لو حصل، سيشكل مخرجاً لإدارة ترامب، وإسرائيل على نحو الخصوص، حيث سيتم تسويقه على أنه ما كان ليتحقق لولا الحرب التي شنها الطرفان على إيران.
غير أن ترامب تلقى صفعة أخرى قوية، من الدول التي خاطبها حين قوبل طلبه بصمت يوحي بالرفض، خصوصاً بعد أن فقدت تلك الدول الثقة بالكامل في السياسة الأميركية التي اتضح أنها تعمل لصالح حماية إسرائيل، وحماية مصالحها في المنطقة وتركت دولها تتعرض للصواريخ الإيرانية.
ولأن دول الخليج تصر على موقف وقف الحرب، واللجوء إلى الدبلوماسية، هدد ترامب بأن عدم الموافقة على طلبه بشأن التطبيع، سيعني أنه لن يوقع على صفقة مع إيران، وبما يتركهم فريسة لها (لإيران).
التصريحات التي صدرت عن وزير الحرب الأميركي بيت هيغست من سنغافورة، تعمق أزمة الثقة لدى دول المنطقة، حيث قال إنه لا يستبعد سحب بعض القواعد العسكرية التي تضررت خلال أحداث الشرق الأوسط، قبل ذلك التصريح كان هيغست قد قال إن الولايات المتحدة، لن تعود لتحمل تكاليف الحماية لما سماه المحميات، وأنها تريد بناء شراكات، وليس ملحقات.
تصريحات وزير الحرب الأميركي، عملياً، تؤكد الحقائق التي أفرزتها الحرب، خلال اندلاعها، وأن سياسة الحماية التي يمكن للولايات المتحدة أن توفرها لمن وصفهم بالحلفاء، ينبغي أن تتحمل تكلفتها الدول المحتاجة للحماية، وليس الولايات المتحدة.
مؤشرات الافتراق التدريجي، بين الولايات المتحدة ودول الخليج تتعزز يوماً بعد آخر، فقد سبق التهديدات والتصريحات والإجراءات الصادرة عن الإدارة الأميركية، جملة من المواقف.
كانت السعودية ودول الخليج عموماً، قد أبدت استياء بسبب استبعادها عن قرار شن الحرب، وتعريض منشآتها ومصالحها للخطر في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ومكرسة لتحقيق أهداف إسرائيل.
صفعة أخرى تلقتها الإدارة الأميركية حين رفضت السعودية ومعظم دول الخليج الانخراط في الحرب على إيران، رغم كل المحاولات الإسرائيلية الخبيثة التي لجأت إليها إسرائيل، لتوريط دول المنطقة في الحرب.
كلما كثر الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق، زادت المخاوف من العودة للخيار العسكري
صفعة أخرى، حين رفضت السعودية ودول الخليج استخدام أجوائها والقواعد العسكرية الموجودة على أراضيها لشن هجمات على إيران.
هذه الصفعات، تؤشر على نحو واضح، على أن أوضاع المنطقة بعد توقف الحرب المستمرة حتى الآن، لن تعود حتى إلى نقطة الصفر، بل إلى ما دون ذلك، في غير صالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
الوقت يمضي، فبينما، تواصل إيران إعادة بناء قدراتها العسكرية تحسباً لعودة القتال، يمضي الطرفان الأميركي والإسرائيلي في حالة التخبط والضياع، وحتى الاكتئاب وفقدان الخيارات.
كلما كثر الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق، زادت المخاوف من العودة للخيار العسكري، حيث إن الهوة لا تزال واسعة بين الطرفين الأميركي والإيراني كما يظهر من شروط ترامب، مقابل تمسك إيران بشروطها.
ترامب المتردد، يجد نفسه بين قطبين من الضغط من ناحية صقور البيت الأبيض والكونغرس الذين يرون أن صيغة الاتفاق المقدم تنطوي على هزيمة وإذلال، وإسرائيل تضغط في الاتجاه ذاته، وبين فريق واسع في أميركا يضغط في اتجاه إنهاء الحرب.
بين هذا وذاك يصعد نتنياهو في لبنان على نحو جنوني، وكذا في قطاع غزة، لإفشال إمكانية التوصل إلى اتفاق، تراه إسرائيل خطراً مقلقاً لها.
الأيام الفلسطينية
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.