آداب اتباع الجنائز وحكم الظهور فيها بمظاهر السعادة
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باتِّبَاعِ الجنائز، وأخبر أنَّ فاعل ذلك له مثل جبل أُحُد من الأجر؛ ترغيبًا في اتِّباعها، وبيانًا لعظيم فضلها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» رواه البخاري.
وفي روايةٍ أخرى لمسلم: قال سالم بن عبد الله بن عمر: وكان ابن عمر رضي الله عنهما يُصلِّي عليها ثم ينصرف، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لقَد ضَيَّعنا قَرَارِيط كثيرة".
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم الصَّمت والتَّفكُّر والاعتبار والذِّكْر والدعاء وقراءة القرآن في النَّفْس أثناء السير مع الجنازة، وعليه عمل الأئمة الأربعة، وأَمَّا الظهور بمظاهر الفرح والابتهاج من رفع الصوت بالصياح والتهليل والضحك وانشغال المُشيعين بالكلام الدنيوي ونحو ذلك؛ فهو من المحظورات التي ينبغي للمسلم الابتعاد عنها، فالمقام مقام "عظة واعتبار".
اتباع الجنائز
كما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتِّبَاعَ الجنائز من حقوق المسلم على المسلم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» رواه الشيخان.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أنَّه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبعٍ: بعيادة المريض، واتِّباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المُقْسِم" متفق عليه.
آداب اتباع الجنائز وحكم الظهور فيها بمظاهر السعادة
من هَدْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم أثناء السير مع الجنازة: الصمت، والتَّفَكُّر في حال الميت ومآله؛ لحصول المقصود من الأمر باتباع الجنائز، وهو الاعتبار والاتّعاظ به؛ فقد روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ».
وعن قيس بن عَبَّاد رضي الله عنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكرهون رفع الصَّوت عند ثلاث: عند القتال، وفي الجنائز، وفي الذكر" أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى".
وروى ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" عن المغيرة رضي الله عنه قال: "كان رجلٌ يمشي خلف الجنازة، ويقرأ سورة الواقعة فسُئل إبراهيم عن ذلك فكرهه".
يقول الإمام النووي في "الأذكار" (1/ 160، ط. دار الفكر): مُبيِّنًا الحكمة من مراعاة الصمت أثناء السَّير مع الجنازة: [والحكمة فيه ظاهرة؛ وهي أنَّه أسكنُ لخاطره، وأجمعُ لفكره فيما يتعلَّق بالجنازة، وهو المطلوبُ في هذا الحال] اهـ.
وقد نصَّ الأئمة الأربعة على أنَّ هناك آدابًا ينبغي مراعاتها أثناء السير مع الجنازة؛ منها: الصمت، والتَّفكُّر والاعتبار؛ وكراهة الصِّياح والتهليل ورفع الصوت، ولو بالذكر، أو قراءة القُرآن.
قال الإمام ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 207، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وينبغي لمَن تبع جنازة أن يُطيل الصمت وَيُكره رفع الصوت بالذكر وقراءة القُرآن وغيرهما في الجنازة، والكراهة فيها كراهة تحريم] اهـ.
وقال العلامة الخرشي المالكي في "شرح مختصر خليل" (2/ 133، ط. دار الفكر): [.. أمَّا ما يفعله النساء من الزغريت عند حمل جنازة الصالح، أو فرح يكون فإنَّه من معنى رفع الصوت، وإنه بدعة يجب النهي عنها] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" (2/ 48، ط. دار الكتب العلمية): [قال في "المجموع": والمختار بل الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة، ولا يرفع صوته بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، بل يشتغل بالتفكر في الموت وَمَا يُتعلّق به... وكره الحسن وغيره قولهم: استغفروا لأخيكم، وسمع ابن عُمر رضي الله عنهما قائلًا يقول: استغفروا له غفر الله لكم فقال: "لا غفر الله لك"] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (2/ 354، ط. مكتبة القاهرة): [ويستحبُّ لمتبع الجنازة أن يكون متخشِّعًا، متفكِّرًا في مآله، متَّعظًا بالموت، وبما يصير إليه الميت، ولا يتحدَّث بأحاديث الدنيا، ولا يضحك، قال سعد بن معاذ رضي الله عنه: ما تبعت جنازة فحدَّثت نفسي بغير ما هو مفعول بها. ورأى بعض السلف رجلًا يضحك في جنازة، فقال: أتضحك وأنت تتبع الجنازة؟ لا كلَّمتك أبدًا] اهـ.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الجنائز رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم رضی الله عنه قال رفع الصوت
إقرأ أيضاً:
كسر الحصار.. أو المطار بالمطار
وحانت ساعة الصفر، وبدأ اليمن تصحيح المسارات، فإما أن يكون السلام للجميع، أو الحصار على الجميع. أن نكون أو لا نكون.
طال صبر اليمن، وطالت معاناته، ولا بد لهذه المعاناة من نهاية حاسمة، رادعة لهذا العدو الأهوج الذي لم يحسب لخطواته حساباً، وسيرد اليمن التصعيد بالتصعيد.
إن التاريخ سوف يسجل هذه الحقبة من تاريخ اليمن، وكيف أنه سوف يكسر حصاره، أو يسجن سجانه بسجنه، فليس من حق أحد الوصاية على اليمن، فالشعب اليمني لا يحني رقبته إلا لخالقه، وما غير الله بمقدوره أن يحني رقبة هذا الشعب، ولا قائد هذا الشعب الحر الأبي.
إنه الله من وعد المظلومين بالنصر، ومظلومية اليمن لم يشهد لها التاريخ مثيلاً؛ اليمن التي لم توقظ مظلوميتها ضمير العالم الأخرس، رغم سنوات القصف والحصار الجائر.
سنواتٌ وأطفال ونساء وشيوخ اليمن محاصرون، وتنتهك حرماتهم، وتنهب ثرواتهم، والعالم في سبات عميق. ولقد أثبت اليمن، على مدى سنوات الحرب والحصار، أنه قدّم كل ما يستطيع من أجل أن يكون السلام خياراً ممكناً، غير أن استمرار الحصار والإمعان في معاناة المدنيين لا يمكن أن يكون أساساً لأي سلام عادل، فسلامٌ يُبنى على الظلم ليس إلا هدنة مؤقتة. واليمن لن يقبل أن يبقى الوضع على ما هو عليه.
إنه اليمن، يا أذناب أمريكا. إنه اليمن، يا من لا تقرؤون التاريخ. فهل كنتم تظنون، أيها الأعراب، أنكم تستطيعون الوقوف أمام هذا العملاق؟ ها أنتم قد فتحتم على أنفسكم أبواباً من الجحيم، ولن يكون إغلاقها كفتحها.
فإن كان لديكم المال لشراء الضمائر الميتة، فنحن لدينا الإيمان، والقلوب العامرة بذكر الله، المطمئنة لوعده بنصر المظلوم، المتيقنة أن الظلم إلى زوال.
لديكم السلاح الذي لم يصنع لكم سوى الخزي والعار، ولدينا الرجال الذين يصنعون السلاح، ويستخدمونه، ويقهرون أسلحتكم.
أيها المتخمون بنفطكم، أنتم أمام رجال الرجال. والتاريخ لن ترشوه بنفطكم، ولن يداهنكم كما يفعل العالم الأخرس عن الحق. فكما كتب التاريخ القديم من هم قادة الجيوش، ومن هم الفاتحون، ومن هم أهل الحكمة والإيمان، فهو أيضاً التاريخ الذي سيدون من هم المنتصرون بإيمانهم، المنتصرون رغم فقرهم، المنتصرون رغم حصارهم، ومن هم أصحاب الحق.
إن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية والسيادة قد تتأخر في نيل حقوقها، لكنها لا تتخلى عنها، وسيظل اليمن متمسكاً بحقه في العيش بكرامة، بعيداً عن الوصاية والحصار والإملاءات. وهذا هو قرار اليمن، وهذا هو تاريخ اليمن المعاصر، وليس اليوم كالغد، وإن غداً لناظره قريب.