أسيوط.. انتشار أعمال البناء المخالف والتعديات على الأراضى الزراعية
تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT
يشهد مركز أسيوط، الواقع فى قلب صعيد مصر، واحدة من أخطر الأزمات العمرانية التى تهدد ليس فقط التنمية المستدامة بل الأمن الغذائى والاجتماعى فى آنٍ واحد. انفلات عمرانى غير مسبوق، وتعديات صارخة على الأراضى الزراعية، وبناء مخالف بات سمة يومية، فى ظل تراجع واضح لدور الجهات التنفيذية والرقابية، ما ينذر بكارثة إن لم يتم تداركها سريعًا.
انفجار عمرانى خارج السيطرة
خلال السنوات الأخيرة، تحول مركز أسيوط إلى بؤرة ساخنة للبناء المخالف، خصوصًا فى القرى التابعة له شمالًا وجنوبًا، مثل منقباد ودرنكة، بالإضافة إلى مناطق أبو كلام وحى الأزهر، باتت هذه المناطق عنوانًا للفوضى المعمارية والتعدى السافر على قوانين البناء والتنظيم، ما حول مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية الخصبة إلى كتل خرسانية، لا تخضع لأى تخطيط أو رقابة حقيقية.
ويصف أحد الأهالى من منقباد الوضع قائلًا: «نحن لا نعلم من الذى يملك القرار ! من يدفع أكثر يبنى كما يشاء، والقانون لا يُطبق إلا على الضعفاء».
ويوضح آخر من درنكة أن الأمر لم يعد مقتصرًا على المخالفات البسيطة، بل أصبحت هناك مبانٍ شاهقة تُشيّد دون أى تراخيص أو مراعاة لاشتراطات السلامة، مما يهدد حياة السكان، ويثقل كاهل البنية التحتية المتواضعة أصلًا.
ووفقًا لروايات العديد من السكان، باتت «الرشوة» هى كلمة السر لتمرير مخالفات البناء، وتشير شهادات الأهالى إلى أن بعض الفنيين فى إدارات التنظيم يطلبون مبالغ مالية تصل إلى 30 ألف جنيه مقابل كل دور مخالف، فى مقابل التغاضى عن تحرير المحاضر أو اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
«الموضوع واضح للجميع، ولا أحد يحرك ساكنًا»، هكذا تحدث أحد المقاولين فى مركز أسيوط، مشيرًا إلى أن هناك تساهلًا كبيرًا من بعض الموظفين الذين يتعاملون مع المخالفات كمصدر دخل شخصي، بعيدًا عن أى التزام قانونى أو أخلاقي.
وأكد أن بعض الموظفين يعتبرون الأمر «فرصة ذهبية» لجنى المال، خاصة مع غياب الرقابة الداخلية وضعف المتابعة من الأجهزة الرقابية.
الإدارة الهندسية .. غائبة عن المشهد
وفى ظل هذا الانفلات، تبدو الإدارة الهندسية بمجلس مركز أسيوط فى حالة «غيبوبة تامة»، كما يصفها بعض الأهالي، فرغم الكم الكبير من المخالفات اليومية، لا يتم اتخاذ أى إجراءات رادعة، ولا يتم إرسال لجان متابعة ميدانية بشكل منتظم، ما يشير إلى خلل جسيم فى منظومة العمل الإدارى والتنفيذى.
ويؤكد أحد موظفى المجلس، رفض ذكر اسمه، أن التعليمات تأتى أحيانًا بـ»غض الطرف» عن بعض المخالفات، خاصة تلك التى تخص مقربين أو متنفذين فى المركز، ما يعمق الشعور بالظلم لدى المواطنين، ويشجع الآخرين على تكرار المخالفة.
التغيرات المكانية تفضح المستور
التغيرات المكانية، التى تعتمد على صور الأقمار الصناعية والتقنيات الحديثة فى رصد التطورات العمرانية، كشفت عن التوسع الهائل فى البناء المخالف بمركز أسيوط خلال السنوات الثلاث الأخيرة، هذه الأداة، التى تهدف إلى دعم جهود الدولة فى حماية الأراضى الزراعية ومنع التعديات، أصبحت توثق بالصورة والزمان والمكان حجم الانفلات، مما وضع الإدارات المحلية فى حرج بالغ أمام الجهات العليا.
لكن المفارقة أن بعض التقارير الناتجة عن رصد التغيرات المكانية يتم «إخفاؤها» أو التلاعب بها، حسبما أفاد مصدر داخل الوحدة المحلية، الذى أكد أن هناك موظفين يتعمدون التأخير فى تسليم التقارير الرسمية أو تغيير محتواها، إما لطمس المخالفات أو لتقليل حجمها، خدمة لمصالح شخصية.
خطر يهدد الرقعة الزراعية ومستقبل الأمن الغذائي
تعد الأراضى الزراعية فى مركز أسيوط من بين الأجود على مستوى الجمهورية، إلا أنها تتعرض لواحدة من أكبر عمليات التعدى فى تاريخها الحديث. ما بين مبانٍ مخالفة، وتشوينات مواد بناء، وتسوير أراضٍ بهدف بيعها كأراضٍ للبناء، يتقلص يوميًا حجم الرقعة الخضراء لصالح كتل خرسانية عشوائية، لا تحقق أى فائدة حقيقية للمجتمع، بل تمثل عبئًا اقتصاديًا وخدميًا.
ويحذر الدكتور علاء عبدالستار، أستاذ التخطيط العمرانى بجامعة أسيوط، من أن استمرار هذا الوضع سيؤدى إلى فقدان آلاف الأفدنة من الأراضى الزراعية خلال أقل من خمس سنوات، ما يعنى مزيدًا من الاعتماد على الاستيراد الغذائي، وتزايد نسب البطالة، وارتفاع الأسعار بشكل يصعب السيطرة عليه.
مطالب شعبية بإجراءات عاجلة
فى مواجهة هذا الوضع الكارثي، يطالب أهالى مركز أسيوط بتدخل عاجل من الجهات الرقابية العليا، على رأسها هيئة الرقابة الإدارية وجهاز التفتيش الفنى على أعمال البناء، لفتح ملفات الفساد داخل إدارات التنظيم، ومحاسبة المتورطين فى تسهيل البناء المخالف.
كما يدعون إلى تفعيل دور التغيرات المكانية بشكل يومى وربطه إلكترونيًا بالنيابة العامة، وإطلاق حملات موسعة لإزالة التعديات على الأراضى الزراعية، واستعادة هيبة الدولة. ويؤكد أحد شيوخ قرية درنكة: «نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد تطبيق القانون بعدالة، وإيقاف نزيف الأرض».
أزمة البناء المخالف فى مركز أسيوط ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر خطير على تراجع هيبة القانون، وتفشى الفساد الإداري، وتآكل الثروة الزراعية التى تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، فهل تتحرك الدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ وهل يستفيق المسئولون قبل أن تصبح أراضى أسيوط الزراعية ذكرى من الماضي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: صعيد مصر الأزمات العمرانية السنوات الأخيرة أسيوط الأراضى الزراعیة البناء المخالف مرکز أسیوط
إقرأ أيضاً:
محافظ الفيوم: إزالة 31 حالة تعدٍ بالبناء المخالف على أملاك الدولة خلال إجازة عيد الأضحى
قال الدكتور محمد هانئ غنيم محافظ الفيوم، أنه تم إزالة 31 حالة تعدٍ بالبناء المخالف على أملاك الدولة والأراضي الزراعية وداخل الحيز العمراني بدون ترخيص، بمختلف أنحاء المحافظة خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، في الفترة من 26 إلى 31 من شهر مايو الماضي.
وأوضح المحافظ، أن الوحدة المحلية لمركز ومدينة الفيوم، قد تمكنت خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، من إزالة عدد 5 حالات تعدٍ بالبناء المخالف في المهد، بواقع 4 حالات خارج الحيز العمراني على الأراضي الزراعية، منها حالتين بقرية هوارة المقطع على مساحة 5 قراريط و12 سهماً، وحالة بقرية تلات على مساحة 12 سهماً، وفي قرية الزاوية تم إزالة حالة تعدٍ بالبناء المخالف على مساحة 12 سهماً، كما تم إزالة حالة تعدٍ بالبناء داخل الحيز العمراني دون ترخيص بقرية هوارة المقطع على مساحة 70 متر مربع.
وفي الوحدة المحلية لمركز ومدينة سنورس تم إزالة 4 حالات تعدٍ بالبناء المخالف، منها حالتين داخل الحيز العمراني، إحداهما بقرية سنهور القبلية على مساحة 85 متر مربع، والثانية بقرية نقاليفة على مساحة 90 متر مربع، كما تم إزالة حالتي تعدٍ بالبناء خارج الحيز العمراني، إحداهما على مساحة قيراط بقرية منشاة طنطاوي، والأخرى بقرية ترسا على مساحة قيراط أيضاً.
وأضاف محافظ الفيوم، أن الوحدة المحلية لمركز ومدينة أبشواي قد قامت خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، بإزالة عدد 13 حالة تعدٍ بالبناء المخالف على الأراضي الزراعية بإجمالي مساحة 12 قيراطاً و12 سهماً، بواقع 5 حالات بنطاق مدينة أبشواي، و4 حالات بقرية سنرو، وحالتين بقرية أبوكساه، وحالتين بقرية الخالدية، وفي مركز ومدينة يوسف الصديق تم إزالة 3 حالات تعدٍ بالبناء المخالف، منها حالتين على أراضي أملاك الدولة بمساحة 1500 متر مربع، بواقع حالة بمدينة يوسف الصديق، والأخرى بقرية تونس، كما تمت الإزالة الفورية لحالة تعدٍ بالبناء على الأراضي الزراعية خارج الحيز العمراني بقرية المشرك على مساحة 100 متر مربع.
وتابع "غنيم"، أنه في مركز طامية، تم إزالة عدد 6 حالات تعدٍ بالبناء في المهد، خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، بواقع 5 حالات خارج الحيز العمراني على الأراضي الزراعية، منها عدد 3 حالات ببندر طامية، حالة على مساحة 50 متر مربع بحوض الملعب نمرة 7، والثانية على مساحة 150 متر مربع بحوض نور، والثالثة على مساحة 175 متر مربع بحوض الهدار، وحالتين أخريين إحداهما بقرية فرقص بحوض البطنة على مساحة 200 متر مربع، والثانية بحوض أبو سلامة بقرية الروضة على مساحة 100 متر مربع، فضلاً عن الإزالة الفورية لحالة تعدٍ بالبناء دون ترخيص داخل الحيز العمراني على مساحة 200 متر مربع بنطاق قرية فرقص التابعة للوحدة المحلية بقرية الروضة.
وشدد محافظ الفيوم، على رؤساء الوحدات المحلية بالمراكز والقرى، بضرورة التصدي الحاسم لجميع حالات التعدي بالبناء على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة، وكذا مخالفات البناء داخل الحيز العمراني دون ترخيص، والإزالة الفورية للمخالفات فور وقوعها، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة حيال المخالفين.