يشهد مركز أسيوط، الواقع فى قلب صعيد مصر، واحدة من أخطر الأزمات العمرانية التى تهدد ليس فقط التنمية المستدامة بل الأمن الغذائى والاجتماعى فى آنٍ واحد. انفلات عمرانى غير مسبوق، وتعديات صارخة على الأراضى الزراعية، وبناء مخالف بات سمة يومية، فى ظل تراجع واضح لدور الجهات التنفيذية والرقابية، ما ينذر بكارثة إن لم يتم تداركها سريعًا.

انفجار عمرانى خارج السيطرة

خلال السنوات الأخيرة، تحول مركز أسيوط إلى بؤرة ساخنة للبناء المخالف، خصوصًا فى القرى التابعة له شمالًا وجنوبًا، مثل منقباد ودرنكة، بالإضافة إلى مناطق أبو كلام وحى الأزهر، باتت هذه المناطق عنوانًا للفوضى المعمارية والتعدى السافر على قوانين البناء والتنظيم، ما حول مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية الخصبة إلى كتل خرسانية، لا تخضع لأى تخطيط أو رقابة حقيقية.

ويصف أحد الأهالى من منقباد الوضع قائلًا: «نحن لا نعلم من الذى يملك القرار ! من يدفع أكثر يبنى كما يشاء، والقانون لا يُطبق إلا على الضعفاء».

ويوضح آخر من درنكة أن الأمر لم يعد مقتصرًا على المخالفات البسيطة، بل أصبحت هناك مبانٍ شاهقة تُشيّد دون أى تراخيص أو مراعاة لاشتراطات السلامة، مما يهدد حياة السكان، ويثقل كاهل البنية التحتية المتواضعة أصلًا.

ووفقًا لروايات العديد من السكان، باتت «الرشوة» هى كلمة السر لتمرير مخالفات البناء، وتشير شهادات الأهالى إلى أن بعض الفنيين فى إدارات التنظيم يطلبون مبالغ مالية تصل إلى 30 ألف جنيه مقابل كل دور مخالف، فى مقابل التغاضى عن تحرير المحاضر أو اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

«الموضوع واضح للجميع، ولا أحد يحرك ساكنًا»، هكذا تحدث أحد المقاولين فى مركز أسيوط، مشيرًا إلى أن هناك تساهلًا كبيرًا من بعض الموظفين الذين يتعاملون مع المخالفات كمصدر دخل شخصي، بعيدًا عن أى التزام قانونى أو أخلاقي. 

وأكد أن بعض الموظفين يعتبرون الأمر «فرصة ذهبية» لجنى المال، خاصة مع غياب الرقابة الداخلية وضعف المتابعة من الأجهزة الرقابية.

الإدارة الهندسية .. غائبة عن المشهد

وفى ظل هذا الانفلات، تبدو الإدارة الهندسية بمجلس مركز أسيوط فى حالة «غيبوبة تامة»، كما يصفها بعض الأهالي، فرغم الكم الكبير من المخالفات اليومية، لا يتم اتخاذ أى إجراءات رادعة، ولا يتم إرسال لجان متابعة ميدانية بشكل منتظم، ما يشير إلى خلل جسيم فى منظومة العمل الإدارى والتنفيذى.

ويؤكد أحد موظفى المجلس، رفض ذكر اسمه، أن التعليمات تأتى أحيانًا بـ»غض الطرف» عن بعض المخالفات، خاصة تلك التى تخص مقربين أو متنفذين فى المركز، ما يعمق الشعور بالظلم لدى المواطنين، ويشجع الآخرين على تكرار المخالفة.

 

التغيرات المكانية تفضح المستور

التغيرات المكانية، التى تعتمد على صور الأقمار الصناعية والتقنيات الحديثة فى رصد التطورات العمرانية، كشفت عن التوسع الهائل فى البناء المخالف بمركز أسيوط خلال السنوات الثلاث الأخيرة، هذه الأداة، التى تهدف إلى دعم جهود الدولة فى حماية الأراضى الزراعية ومنع التعديات، أصبحت توثق بالصورة والزمان والمكان حجم الانفلات، مما وضع الإدارات المحلية فى حرج بالغ أمام الجهات العليا.

لكن المفارقة أن بعض التقارير الناتجة عن رصد التغيرات المكانية يتم «إخفاؤها» أو التلاعب بها، حسبما أفاد مصدر داخل الوحدة المحلية، الذى أكد أن هناك موظفين يتعمدون التأخير فى تسليم التقارير الرسمية أو تغيير محتواها، إما لطمس المخالفات أو لتقليل حجمها، خدمة لمصالح شخصية.

 

خطر يهدد الرقعة الزراعية ومستقبل الأمن الغذائي

تعد الأراضى الزراعية فى مركز أسيوط من بين الأجود على مستوى الجمهورية، إلا أنها تتعرض لواحدة من أكبر عمليات التعدى فى تاريخها الحديث. ما بين مبانٍ مخالفة، وتشوينات مواد بناء، وتسوير أراضٍ بهدف بيعها كأراضٍ للبناء، يتقلص يوميًا حجم الرقعة الخضراء لصالح كتل خرسانية عشوائية، لا تحقق أى فائدة حقيقية للمجتمع، بل تمثل عبئًا اقتصاديًا وخدميًا.

ويحذر الدكتور علاء عبدالستار، أستاذ التخطيط العمرانى بجامعة أسيوط، من أن استمرار هذا الوضع سيؤدى إلى فقدان آلاف الأفدنة من الأراضى الزراعية خلال أقل من خمس سنوات، ما يعنى مزيدًا من الاعتماد على الاستيراد الغذائي، وتزايد نسب البطالة، وارتفاع الأسعار بشكل يصعب السيطرة عليه.

 

مطالب شعبية بإجراءات عاجلة

فى مواجهة هذا الوضع الكارثي، يطالب أهالى مركز أسيوط بتدخل عاجل من الجهات الرقابية العليا، على رأسها هيئة الرقابة الإدارية وجهاز التفتيش الفنى على أعمال البناء، لفتح ملفات الفساد داخل إدارات التنظيم، ومحاسبة المتورطين فى تسهيل البناء المخالف.

كما يدعون إلى تفعيل دور التغيرات المكانية بشكل يومى وربطه إلكترونيًا بالنيابة العامة، وإطلاق حملات موسعة لإزالة التعديات على الأراضى الزراعية، واستعادة هيبة الدولة. ويؤكد أحد شيوخ قرية درنكة: «نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد تطبيق القانون بعدالة، وإيقاف نزيف الأرض».

أزمة البناء المخالف فى مركز أسيوط ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر خطير على تراجع هيبة القانون، وتفشى الفساد الإداري، وتآكل الثروة الزراعية التى تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، فهل تتحرك الدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ وهل يستفيق المسئولون قبل أن تصبح أراضى أسيوط الزراعية ذكرى من الماضي؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: صعيد مصر الأزمات العمرانية السنوات الأخيرة أسيوط الأراضى الزراعیة البناء المخالف مرکز أسیوط

إقرأ أيضاً:

تعرف على الدوائر الملغاة فى أسيوط

انتهت المحكمة الإدارية العليا فى أحكامها إلى إبطال وإلغاء انتخابات 28  دائرة انتخابية بالمرحلة الأولى بانتخابات مجلس النواب 2025، كما تضمنت عدم قبول 100 طعن لزوال شرط المصلحة ممن أقاموا تلك الطعون.

وجاءت الدوائر التى تم إلغاء نتيجة الانتخابات فيها بمحافظة أسيوط:
- قسم أول أسيوط
- القوصية
- أبو تيج

الطعون مقدّمه على نتيجة المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب، وكانت المحكمة قد حسمت في وقت سابق 14 طعنًا بعدم القبول، كما أحالت 59 طعنًا لمحكمة النقض للاختصاص، ليتبقّى أمامها العدد الأهم والأضخم من الطعون التي سيُحدد الحكم الصادر اليوم شكل الخريطة الانتخابية ومسار المنافسة خلال المرحلة المقبلة.

ونظرت المحكمة الإدارية العليا الطعون المقدمة من المرشحين أو من ينوب عنهم، إلى جانب كل ذى صفة قانونية، حيث تم استقبال المستندات الداعمة والاستماع إلى مرافعات الدفاع لبحث الأسباب التى استند إليها مقدّمو الطعون فى اعتراضهم على النتائج المعلنة.

وتنوعت الطلبات المقدّمة داخل الطعون بين:
* إلغاء العملية الانتخابية فى بعض الدوائر.
* إلغاء جولة الإعادة.
* وقف إعلان النتائج بزعم وجود مخالفات فى عمليات الفرز والتجميع.

كما تضمّنت الطعون طلبًا واحدًا بوقف العملية الانتخابية بالكامل فى المرحلة الأولى، بالإضافة إلى طعن واحد يطالب بإلغاء فوز القائمة التى أُعلن حصولها على المقعد.

توزيع الطعون على المحافظات، قدّم مرشحون وأصحاب صفة قانونية طعونًا من محافظات المرحلة الأولى على النحو التالي: البحيرة: 46 طعنًا، الجيزة: 47 طعنًا، الأقصر: 8 طعون، سوهاج: 14 طعنًا، الفيوم: 16 طعنًا، الإسكندرية: 20 طعنًا، أسيوط: 29 طعنًا، بنى سويف: 12 طعنًا، أسوان: 15 طعنًا، المنيا: 36 طعنًا، البحر الأحمر: 4 طعون، مرسى مطروح: طعنَان
دور الإدارية العليا

تختص المحكمة الإدارية العليا وحدها بالنظر فى جميع المنازعات المتعلقة:
* بسير العملية الانتخابية،
* بصحة إجراءات الفرز والتجميع،
* وبمشروعية النتائج المعلنة من الهيئة الوطنية للانتخابات.
كما تلتزم المحكمة بالفصل فى هذه الطعون خلال 10 أيام فقط من تاريخ تقديمها، وهى المدة القانونية الملزمة.
سيناريوهات الحكم المنتظرة

تتجه الأنظار إلى القرارات التى ستصدرها المحكمة، والتى لن تخرج عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1) تأييد النتيجة المعلنة
إذا تبين للمحكمة أن إجراءات العملية الانتخابية سليمة ولم تُثبت مخالفات تؤثر على النتيجة.
2) إعادة الفرز فى لجان محددة
قد تصدر المحكمة حكمًا بإعادة فرز وتجميع الأصوات فى لجان أو دوائر ثبت وجود أخطاء أو تضارب فى محاضرها.
3) إعادة الانتخابات فى دائرة كاملة
وهو السيناريو الأشد، ولا يحدث إلا إذا أثبتت الطعون وجود مخالفات جوهرية أو وقائع تؤثر على سلامة العملية الانتخابية برمتها.
تنفيذ فورى للأحكام
تلتزم الهيئة الوطنية للانتخابات بتنفيذ أحكام الإدارية العليا فور صدورها، دون طعن عليها، باعتبارها أحكامًا نهائية وباتّة.




مقالات مشابهة

  • الأجهزة التنفيذية بالشرقية تواصل إزالة تعديات البناء على الأراضي الزراعية
  • تعرف على الدوائر الملغاة فى أسيوط
  • مدير أمن أسيوط يقود حملة لإزالة الإشغالات والتعديات في شوارع المدينة| صور
  • محافظ الغربية يعلن إزالة 16 حالة تعدٍ على الأراضي الزراعية
  • لحماية الرقعة الخضراء.. الشرقية تواصل التصدي لتعديات البناء على الأراضي الزراعية
  • إزالة تعديات على الأراضي الزراعية وبناء مخالف بأشمون والباجور وشبين الكوم
  • جهاز تنمية مدينة العبور يتخذ إجراءات حاسمة ضد البناء المخالف
  • محافظ بني سويف: إزالة 1460 حالة تعد على أملاك الدولة والأراضي الزراعية والبناء المخالف
  • أجهزة المدن الجديدة تواصل حملات منع مخالفات البناء والتعديات والظواهر العشوائية