في إطار فعاليات اليوم الثالث من مهرجان الأقصر للشعر العربي، الذي ينظّمه بيت الشعر بالأقصر تحت إدارة الشاعر حسين القباحي، شهدت الفترة الصباحية انعقاد جلسة نقدية موسّعة بعنوان "الأنساق الثقافية في القصيدة العربية المعاصرة"، شارك فيها نخبة من النقاد والأكاديميين المصريين وهم:  الدكتور محمد عبدالباسط عيد، و الدكتور محمود النوبي، و الدكتور هيثم الحاج علي، بينما أدار الجلسة  الدكتور محمد أبو الفضل بدران والذي توجه بالشكر للدكتور سلطان القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.

 كما أوضح أهمية كتاب "شعراء في ذاكرة بيت الشعر" وعده الطالع السعيد الجديد الذي يشكل عونا للنقاد. وقد شكّلت الجلسة واحدة من أكثر فعاليات المهرجان ثراءً على مستوى الرؤية الفكرية والطرح النقدي، إذ فتحت الباب واسعاً أمام إعادة التفكير في موقع القصيدة الحديثة داخل سياقاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

استهلّ الدكتور محمد أبو الفضل بدران الجلسة بتقديم موجز لمفهوم النسق الثقافي، بوصفه منظومة من القيم والرموز والمرجعيات التي تتخفى خلف البناء اللغوي والجمالي للنص الشعري، مؤكداً أن فهم هذه الأنساق هو المدخل الأكثر عمقاً لقراءة الشعر العربي المعاصر بعيداً عن الاكتفاء بالمستوى اللغوي أو العاطفي. وأشار إلى أنّ القصيدة العربية، منذ منتصف القرن العشرين، أصبحت فضاءً لصراع الأنساق بين التراث والحداثة، وبين المحلي والعالمي، وبعد الثورة المعرفية والرقمية أيضاً.

جاءت مداخلة  الدكتور هيثم الحاج علي ضمن الجلسة وقد قال فيها:"إن نشاط الأقصر امتدادٌ لأرضية تاريخية، وبالتالي فالحديث عن أمل دنقل ضروري في الكلام عن النسق، ويجب أن يكون النسق انعكاساا لأنساق سابقة وأرضيات سابقة،

لأمل دنقل نسقان هما:

١. النسق التراثي، فقد انطلق من هوية عربية وأحداث تاريخية وشخصيات بارزة في التاريخ العربي، هذا النسق التراثي يعكس الحاضر.

٢. النسق السردي كنسق فني يعكس هذه التجربة باستخدام تقنيات سردية.

هذان النسقان يقدمان تجربة دنقل بوصفها هوية شعرية متنامية، في "مقتل القمر" مثلا هوية سيالة باحثة، ثم تتحول "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" إلى هوية متسائلة. ثم في" تعليق على ما حدث" تصبح الهوية هوية رافضة، لذلك اتهم أمل بالخطابية التي كانت تمثيلا للهوية الرافضة. ثم في "أقوال جديدة عن حرب البسوس: تبدأ مرحلة المقاومة ارتكازا على السيرة التي استمرت ٤٠ عاما وأنتجت عددا من الأساطير والقصائد، هذا النسق الرافض لكل ما يحدث على الأرض.

ثم بدأت مداخلة الدكتور محمود النوبي الذي تناول فيها العلامات النسقية داخل العمق الدلالي لنص "في اتجاه البحر يركض حافيا" للشاعر حسين القباحي، حيث عبرت القصيدة عن انهيار فاعلية الطبيعة أم قسوة الواقع.. في القصيدة حضور للاغتراب الحركي عن ذات قلقة تركض دائمًا.

وأوضح أن القراءة الإشكالية تقودنا إلى نسق فني تغلب عليه الجمل الفعلية وغلبة الأفعال المضارعة التي تصنع نسق الرفض والهروب.

أما الأستاذ الدكتور محمد عبدالباسط عيد فقد رأى أن مفهوم النسق هو من المفهومات القلقة، لكننا يمكننا اعتباره "الأصول" التي تشكل نظاما "مضمرا" تجعل جماعة من الناس تتفق على نسق ما. كما أن الحديث عن النسق الفني يحيلنا إلى مفهوم المحتوى والشكل، وبالتالي تجعل هذه الملحوظة ما يكتب في النقد الثقافي ضربا من الكتابة المواضيعية أو المضمونية وهو أمر خطير. والقصيدة التي تُكتب الآن تميل إلى هجرة التقاليد، وكأن الشعر استفصى لنفسه تجارب خالصة من التقاليد، بل إن المؤاخذات التي تؤخذ على الشاعر، هو أن يعيد تقديم تجربته ذاتها من ديوان لآخر، صحيح أن النسق الثقافي والنسق المضمر ليسا هما الشكل في ذاته، لكننا يجب أن ننتبه لوجهين للنصوص الحالية؛ فهي تجارب صافية جماليا تتخلص من الأطر والمحددات التقليدية للشعر وهو ملمح للسيولة، فوق أننا لا نستطيع أن نحدد إيجابية ذلك أو سلبيته. كذلك على مستوى تداخل الأجناس.

وأضاف الشاعر حسين القباحي، مدير بيت الشعر بالأقصر، أن موضوع “الأنساق الثقافية في القصيدة العربية المعاصرة” هو محور التنافس في جائزة الشارقة لنقد الشعر في دورتها الحالية. ودعا القباحي الأساتذة النقاد والباحثين والمبدعين المهتمين إلى المشاركة بأبحاثهم، مؤكداً أن الجائزة تعتمد على مبدأ التنافس القائم على تطوير المنهج النقدي ورفع جودة الإنتاج البحثي بشكل مستمر.

واختُتمت الجلسة بمداخلات من الحضور، أكدت أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات التي تعمّق الفهم النقدي للشعر وتفتح آفاقاً جديدة في قراءة النصوص. وقد بدت الجلسة، بكل ما شهدته من طروحات معمقة، انعكاساً لروح مهرجان الأقصر للشعر العربي، الذي يسعى سنوياً إلى الجمع بين الإبداع والمعرفة، وبين الشعر بوصفه فنّاً حيّاً والنقد بوصفه أداة إضاءة لا غنى عنها في مسيرة التطور الأدبي.

يذكر أن مهرجان الأقصر للشعر العربي يقام في مدينة الأقصر التاريخية في نهاية شهر نوفمبر من كل عام، وينظمه بيت الشعر بالأقصر، بحضور عدد كبير من الشعراء والنقاد من مختلف محافظات مصر ويمثلون أجيالا نقدية وشعرية مختلفة واتجاهات متنوعة، وعدد من قيادات وزارة الثقافة وقيادات دائرة الثقافة بالشارقة برئاسة  عبدالله العويس رئيس الدائرة، والأستاذ محمد القصير مدير إدارة الشئون الثقافية بالدائرة، وحضور نوعي للمثقفين ومحبي الإبداع من جمهور مدينة الأقصر.

طباعة شارك مهرجان الأقصر للشعر العربي بيت الشعر بالأقصر الشاعر حسين القباحي الدكتور محمد أبو الفضل بدران شعراء في ذاكرة بيت الشع الدكتور هيثم الحاج علي عبدالله العويس

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: مهرجان الأقصر للشعر العربي بيت الشعر بالأقصر الدكتور محمد أبو الفضل بدران الدكتور هيثم الحاج علي عبدالله العويس مهرجان الأقصر للشعر العربی بیت الشعر بالأقصر القصیدة العربیة الدکتور محمد فی القصیدة

إقرأ أيضاً:

ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية

صراحة نيوز – نظّمت إدارة مهرجان جرش للثقافة والفنون، بالتعاون مع اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين، ندوة ثقافية بعنوان “السردية الثقافية الرسمية”، في قاعة المؤتمرات بالمركز الثقافي الملكي، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري.

وشارك في الندوة الأمين العام لوزارة الثقافة نضال العياصرة، وعاقل الخوالدة، فيما أدارها وقدّمها عايد أبو فردة، الذي استعرض أهمية موضوع السردية الثقافية وعلاقته بتعزيز الوعي الوطني، وحماية الذاكرة الأردنية، وإبراز المنجز الثقافي والحضاري للمملكة.

وناقشت الندوة عددا من المحاور المرتبطة بمفهوم السردية الثقافية الرسمية، ودورها في توثيق الذاكرة الوطنية، وإبراز التنوع الثقافي الأردني، وتعزيز حضور الثقافة في الحياة العامة، إضافة إلى مسؤولية المؤسسات الرسمية والأهلية في إنتاج خطاب ثقافي متوازن ومنفتح وقادر على مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية.

كما تناول المشاركون، أهمية توثيق الروايات والتجارب المحلية، والمحافظة على التراث المادي وغير المادي، والاستفادة من الأدب والفنون والمسرح والسينما والإعلام الرقمي في تقديم الحكاية الأردنية إلى الجمهور بأساليب معاصرة، تعزز حضورها واستمرارها بين الأجيال وقال العياصرة، إن السردية الثقافية الرسمية تمثل أحد المرتكزات الأساسية في التعبير عن هوية الدولة الأردنية وتاريخها وقيمها، مشيرا إلى أن بناء سردية ثقافية وطنية متماسكة يسهم في تقديم صورة واضحة عن الأردن، تستند إلى إرثه الحضاري وتنوعه الثقافي والاجتماعي، وتعكس مسيرته ومواقفه ومنجزاته.

وأضاف أن الثقافة ليست نشاطًا منفصلًا عن مسيرة الدولة والمجتمع، بل تعد أداة رئيسة في بناء الوعي وتعزيز الانتماء، وترسيخ القيم الوطنية لدى الأجيال، مؤكدًا أهمية توثيق المنجز الثقافي الأردني وإتاحته للجمهور بأساليب حديثة تتناسب مع التطورات المتسارعة في وسائل الاتصال والمنصات الرقمية.

وبيّن العياصرة أن المؤسسات الثقافية تتحمل مسؤولية كبيرة في صون الذاكرة الوطنية، ودعم المبدعين والكتّاب والفنانين، وإبراز الإنتاج الثقافي الذي يعبر عن خصوصية المجتمع الأردني، إلى جانب فتح مساحات أوسع أمام الشباب للمشاركة في صياغة المشهد الثقافي والمساهمة في نقل الرواية الوطنية إلى المستقبل.

وأشار إلى ضرورة أن تقوم السردية الثقافية على المعرفة والتوثيق والدقة، وأن تقدم التاريخ والهوية والمنجز الوطني بلغة قادرة على مخاطبة مختلف فئات المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، بما يعزز قدرتهم على فهم تاريخ وطنهم والاعتزاز به والتفاعل الإيجابي مع قضاياه.

وأضاف العياصرة، أن السردية الثقافية الأردنية تستند إلى تراكم حضاري وتاريخي عميق، وتستمد قوتها من تنوع الموروث الثقافي في مختلف محافظات المملكة، مشيرا إلى أهمية إبراز الحكايات المحلية والتجارب الإبداعية التي تعبّر عن خصوصية المكان والإنسان الأردني، ودمجها ضمن خطاب ثقافي وطني جامع يحفظ التعدد، ويعزز وحدة الهوية والانتماء.

وأكد، أن وزارة الثقافة تعمل على تطوير برامجها ومشروعاتها بما يوسّع مشاركة الشباب في الحياة الثقافية، ويتيح أمامهم المجال لإنتاج مضامين أدبية وفنية ورقمية تعكس رؤيتهم لوطنهم، لافتا النظر إلى أن استدامة السردية الثقافية تتطلب مواكبة لغة العصر، والاستفادة من التقنيات الحديثة والمنصات الرقمية في توثيق المنجز الوطني ونشره، والوصول به إلى الجمهور داخل الأردن وخارجه.

من جانبه، قال الخوالدة، إن بناء السردية الثقافية الوطنية لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، وإنما يتطلب شراكة متكاملة بين وزارة الثقافة والمؤسسات التعليمية والجامعات ووسائل الإعلام والكتّاب والأدباء والفنانين ومؤسسات المجتمع المدني.

وأوضح أن السردية الثقافية الفاعلة هي التي تستوعب تعدد التجارب والرؤى داخل المجتمع، وتقدم صورة شاملة عن الإنسان الأردني وتاريخه وموروثه وقيمه.

وشهدت الندوة نقاشا بين المشاركين والحضور حول آليات تطوير الخطاب الثقافي الوطني، وأهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتوسيع مشاركة المثقفين والشباب في صياغة المبادرات والبرامج التي تخدم الثقافة الأردنية، وتدعم حضورها داخل المملكة وخارجها.

وتأتي الندوة ضمن الفعاليات الثقافية المصاحبة لمهرجان جرش للثقافة والفنون، والهادفة إلى إثراء المشهد الثقافي الأردني، وتوسيع فضاءات الحوار الفكري، وتعزيز دور الأدباء والمثقفين في مناقشة القضايا الوطنية، وترسيخ الثقافة بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الهوية والانتماء الوطني.

مقالات مشابهة

  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • نادي القصة يعلن تفاصيل الدورة الثالثة لـ "مؤتمر الطفل العربي" بدار الأوبرا
  • الراية المصرية تجمل مهرجان الأوبرا الصيفى فى ذكرى ثورة يوليو
  • من ابتسامة رونالدو إلى ذقن فينيسيوس.. حين يتجه نجوم الكرة إلى عيادات التجميل
  • ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
  • ما سبب الصلع عند الرجال .. اكتشف السر
  • خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب
  • ماجدة الرومي تفتتح حفلات المسرح الجنوبي في مهرجان جرش
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء