دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- على مدار أكثر من قرنين من الزمن، كان مقهى "Antico Caffè Greco" جزءاً من المشهد الثقافي لمدينة روما. إذ قصده روائيون، وفنانون، ونجوم هوليوود، وأميرات، وحتى رعاة البقر، في شارع "Via dei Condotti"، عند سفح السلالم الإسبانية، ليستمتعوا بالأجواء العريقة لأقدم مقهى في العاصمة الإيطالية.

لكن كل ذلك تغيّر الشهر الماضي، إذ أُغلق المقهى الذي كان محبوباً لدى الرومان والسياح على حد سواء. ونُزعت صور زبائنه السابقين من على الجدران وأزيلت المقاعد المخملية الحمراء، وكبائن الجلوس، ومقاعد الحانة، وحُملت أدوات المائدة الخزفية المذهّبة بعيداً.

وقد أصبح المكان، الذي كان يحظى بشعبية كبيرة بين الطبقة البرجوازية في روما خلال القرن التاسع عشر كما كان بين حشود "La Dolce Vita" (الحياة الحلوة) في الستينيات، مجرد واجهة فارغة.

وكانت النهاية المفاجئة لمقهى "Antico Caffè Greco" نتيجة نزاع طويل الأمد على الإيجار بين مشغليه، كارلو بيلغريني وفلابيا يوزي، وبين مالك الأرض، مستشفى روما الإسرائيلي، وهي مؤسسة خاصة توفّر أيضاً خدمات الرعاية الصحية للمرضى من خلال نظام الصحة الوطني الإيطالي.

بدأ الأمر في سبتمبر/أيلول من عام 2017، حين انتهى عقد إيجار مدته 80 عاماً، ورفعت المستشفى قيمة الإيجار الشهري من 17 ألف يورو إلى 120 ألف يورو، أي من نحو 20 ألف دولار إلى 140 ألف دولار. 

وذكر مستشفى روما الإسرائيلي أن هذه الخطوة تتماشى مع العقارات الأخرى في الشارع، الذي يضم متاجر شهيرة مثل "غوتشي"، و"فيرساتشي"، و"ديور".

وقد أدت الإيجارات التجارية المرتفعة إلى دفع العديد من الأعمال الصغيرة خارج مركز روما خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ جائحة كورونا، حين أدت إجراءات الإغلاق إلى ازدهار خدمات التوصيل إلى المنازل والتسوّق عبر الإنترنت.

وأوضح بيلغريني أنه عندما انتهى عقد إيجار "Antico" قبل ثماني سنوات، كان مستعدا هو ويوزي لدفع إيجار أعلى للإبقاء على المقهى مفتوحاً، ولكن ليس ستة أضعاف المبلغ الذي ندفعه الآن.

وأضاف: "أشعر بغضب شديد، لكننا سنخوض هذه المعركة".

مع ذلك، تعرضت تلك المعركة لضربة حاسمة في عام 2024، عندما فاز المستشفى أخيراً في معركة قضائية لإخراج مستأجري المقهى. ويهدف المستشفى إلى إعادة فتح المكان مع مستأجر جديد.

حتى الشهر الماضي، كانت الصور المعلّقة على الجدران تعكس تاريخ المقهى، بما في ذلك اليوم الذي تناول فيه بوفالو بيل، القنّاص الأسطوري من حقبة الغرب المتوحش، قهوته الصباحية هناك عام 1890 مع بعض رفقائه رعاة البقر. 

وكان المقهى من الأماكن المفضلة لأشهر الروائيين مثل تشارلز ديكنز وهنري جيمس في القرن التاسع عشر. وفيما بعد، قضى هناك كل من أودري هيبورن، وصوفيا لورين، وأورسون ويلز أوقاتهم.

تغطي جدران المقهى أعمال فنية وصور لبعض زبائنه المشهورين.Credit: Raimund Kutter/imageBROKER/Shutterstock

وحتى مُغوي النساء الشهير جياكومو كازانوفا، الذي عاش في القرن الثامن عشر، دوّن في مذكراته "موعداً غرامياً" في المقهى. وأصبحت الأريكة الخلفية، التي يُقال إنها كانت مكان اللقاء، مشهورة بين العشاق على مر القرون.

ورغم الأسعار التي تفوق المتوسط، بدا أن الزبائن يعتقدون أن احتساء الكابتشينو أو الشوكولاتة الساخنة من نفس الأكواب التي استخدمها بابلو بيكاسو أو الأميرة ديانا يستحق دفع مبلغ إضافي.

Credit: Barbie Latza Nadeau/CNN

وتم إخلاء المشغلين بيلغريني ويوزي رسميًا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد خسارتهما خمس دعاوى استئناف وإعادة محاكمات.

وجرى إغلاق المقهى بمساعدة الشرطة العسكرية. وتم تغيير الأقفال وأُغلقت الأبواب الخشبية الثقيلة للمرة الأخيرة. كما أزال محامو المستشفى لافتة مؤقتة مكتوب عليها "مغلق للعطلة" كانت ملصقة على الأبواب منذ سبتمبر/ أيلول الماضي.

وأوضحت المحكمة أن المستشفى يجب أن يحافظ على الطابع التاريخي للمكان، لكن الموظفين المغادرين أخبروا CNN عبر محاميهم أنهم أزالوا أعمال الفن الخاصة بالمقهى في سبتمبر/ أيلول، والتي شملت صوراً ومنحوتات وتذكارات قُدّر قيمتها بنحو 8 ملايين يورو، خشية أن تتضرر من تسرب أنبوب مياه.

ومن جانبه، أوضح أنطونيو ماريا ليوزابا، المفوض الخاص للمستشفى، لـCNN، أن الأعمال والأثاث المزالين صادرتها السلطات منذ ذلك الحين، وتقوم حالياً وزارة الثقافة الإيطالية بحمايتها حتى يتم العثور على مستأجرين جدد. 

ومن غير الواضح ما إذا كان المستشفى سيطالب بملحق الإيجار المتأخر لبيلغريني عن 100 ألف يورو سنوياً منذ بداية المعركة القانونية قبل ثماني سنوات.

وجاء في بيان المستشفى عام 2023، بعد فوزه في واحدة من العديد من المعارك القضائية: "يعد مستشفى إسرائيل أحد أصول الصحة العامة، ولطالما استخدم مستشفى إسرائيل، وهو مؤسسة تابعة للنظام الصحي الوطني، إيراداته، وسيظل يستخدمها دائمًا، لغرض وحيد هو تحسين الرعاية الصحية". 

وأضاف البيان أن زيادة الإيجار كانت محاولة لتحسين الرعاية الصحية "لصالح جميع المواطنين".

ولفت ليوزابا إلى أن المقهى سيُعاد فتحه بمجرد الانتهاء من أعمال التجديد في المبنى. وأضاف لـ CNN: "إنه مقهى تاريخي، وهو من الأوائل في إيطاليا، ويعود تاريخه إلى أواخر القرن الثامن عشر".

وأضاف ليوزابا أن المقهى، تحت إشراف مالك جديد "سيستمر في التمتع بتاريخ طويل، مع احترام التقاليد واللوائح المعمول بها، وسيتم الحفاظ على الطابع التاريخي للمكان. وستستمر المدينة والسكان المحليون والسياح في الاستمتاع بقهوة أنتيكو كافيه غريكو لقرون قادمة".

أما بالنسبة لبيلغريني، فهو ليس مستعداً للاستسلام بعد، إذ قال محاميه، أليساندرو تشيتشاريلي، عند تغيير الأقفال: "لا يمكن إغلاق القضية بهذه الطريقة".

بغض النظر عما سيحدث لاحقاً، فإن تلك المساحة التي كانت فاخرة في يوم من الأيام أصبحت الآن منظرًا قبيحا في أحد أكثر الشوارع شهرة في وسط المدينة، وهي واحدة من العديد من المحلات التجارية الفارغة، التي ظهرت نتيجة ارتفاع أسعار الإيجارات التجارية والسكنية بشكل كبير.

المصدر

المصدر: CNN Arabic

كلمات دلالية: روما

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • وزارة التربية توضح بخصوص الحريق الذي اندلع بمقرها
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من قلب روما.. إنجي المقدم تشارك جمهورها لحظات من عطلتها الصيفية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • إيطاليا تحتفل بمرور 80 عاما على قيام الجمهورية بعرض عسكري في روما.. فيديو
  • يمني في أمريكا يقتل زوجته وأطفاله وشخص رابع في جريمة صادمة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟