عربي21:
2026-06-03@02:30:10 GMT

برقة المركَّعة: كيف تحولت القضية إلى عصا في يد حفتر؟

تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT

برقة، تلك الأرض التي تقف بين تخوم المشرق والمغرب الكبير، حيث تتلاقى الكثبان الصفراء بالجبال الخضراء محتضنة التربة الحمراء. هناك، في تلك البقعة التي ولدت منها كل التحولات الكبرى في تاريخ ليبيا الحديث: حرب التحرير من المحتل، استقلال برقة، استقلال ليبيا، الاتحاد، الفاتح، فبراير، وأخيرا الكرامة.

كانت إمارة، ثم إقليم برقة، التي صارت أخيرا تسمى تقزيما "المنطقة الشرقية"، ظلت دائما القلب النابض في كل ما يجري على أرض الليبو.

برقة، أو باركي، أو بارشي بمختلف مسمياتها التاريخية، مسقط رأسي، المكان الذي وُلدت فيه بالصدفة، لأجد نفسي على الهامش، ضحية بين آلاف مؤلفة من الضحايا الآخرين، ضحية الإهمال والتهميش والظلم والطغيان.

منذ الأشهر الأولى بعد الثورة، انخرطتُ في الحراك المطالب بحقوق برقة. كنت شابا متحمسا مندفعا (ولا زلت)، أؤمن بهذه القضية إيمانا مطلقا. كانت بالنسبة لي قضية أهلي وحيي ومدينتي ومنطقتي وكل شيء، وامتدادا لذاك الوازع الداخلي الذي يجبرني دوما على الانحياز للمظلومين، أيا كان موقعه الجغرافي أو هويته أو حتى دينه. كنت أرى في برقة فلسطين أخرى وصحراء غربية أخرى، بل وكيبك وإيرلندا شمالية أخرى. وجدت في هذا الحراك نفسي المراهقة العاشقة للتمرد، المناهضة للظلم، والمكافحة من أجل الحرية والمساواة والكرامة. ورغم صغر سني حينها، كنت فاعلا ومسموع الكلمة حتى بين من يكبر أبي سنا. كانت التجربة أكبر من عمري، لكنها كانت تشبهني.

كانت البداية عشوائية، وتوالت بعد ذلك محاولات عدة لانتزاع حقوق شعب برقة، فكما تعلمون الحقوق تُنتزع ولا تُمنح. شارك في تلك المحاولات طيف واسع من سكانها، ابتداء من أولى المحاولات المبكرة بعد ثورة فبراير مباشرة وتشكّل التكتل الفيدرالي بقيادة المرحوم خليل المسماري، إلى مجلس إقليم برقة برئاسة السيد أحمد الزبير السنوسي، ثم المجلس السياسي لإقليم برقة بزعامة إبراهيم جضران. كلها انتهت إلى الفشل، رغم اختلاف مساراتها وتوجهاتها بين السياسي والسلمي والحركات المسلحة. نعم، تخللتها أخطاء كثيرة: قبلية، وعنصرية، واختراقات من قبل تيارات أخرى، وتوظيف سياسي، وسوء إدارة، وجهل بالواقع، لكني ما زلت مقتنعا أن نواياها كانت صادقة، وأنها في جوهرها كانت نواة مشاريع تحررية حقيقية.

ولكن كما يقولون "لكل زمن رجاله"، وقد جاء زمن خليفة حفتر في 2014، فتبدل كل شيء. سيطرت عائلته تدريجيا على الإقليم بحجة محاربة الإرهاب والإرهابيين، وشيئا فشيئا تحولت برقة إلى مجرد ظاهرة فيسبوكية؛ لا مشروع، لا حراك منظم، لا صوت معارض. خلت الساحات التي كانت مكتظة بالمحتجين الغاضبين كل جمعة. صارت القضية ترسا في ماكينة مشروع عسكرة ليبيا، تراجعت الفكرة إلى مجرد منشورات على وسائل التواصل، امتلأت بالعصبية والشتائم وبخطاب الكراهية لكل مختلف، حتى لأولئك الذين سبقوا في نصرة القضية نفسها. تحول الحراك الشعبي النقي إلى مجموعة من المتوهمين يعيشون في عالم مواز، غير معترفين بالواقع المرير، ويقتاتون على أحلام يقظة تجاوزها الزمن.

القضية البرقاوية في أصلها قضية حقوقية، تنادي بالمساواة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة والحق في تقرير المصير، لكنها بعد سيطرة حفتر أصبحت هذه المطالب ترفا. الحقوق الأساسية نفسها تآكلت، والحق في التعبير والحق في التفكير وحتى الحق في الحياة بات مهددا، ومساحة الحريات انكمشت شيئا فشيئا، والاعتقالات والخطف والقتل صارت جزءا من الواقع اليومي. برقة اليوم مناخ من الخوف والرعب، بلا مقاومة تذكر، بلا صوت معارض. لا تكاد تجد من يشق عصا الطاعة أو يفكر في النقد من داخل برقة، ومن يتجرأ على ذلك سيكون مصيره أن يبتلعه ظلام إحدى زنازين سجون حفتر في أفضل الأحوال، أو يرمى جثة هامدة أمام إحدى المستشفيات.

لهذا رتبت أولوياتي منذ سنوات عديدة، فلا معنى للمطالبة بتوزيع عادل للثروة حين يسلب الناس حقهم في الحياة، لا عدالة بلا حرية.

عندما تقول "برقة" اليوم، تشعر بالأسى والأسف، ولا يخطر في بالك إلا مشاهد الذل، تلك الفيديوهات التي يتوسل فيها الناس لصدام حفتر طلبا لسيارة أو منزل أو حفنة من المال. يخطر في بالك فيديو إبراهيم الدرسي وهو مكبل بالسلاسل ويستجدي صدّام لإطلاق سراحه، تخطر في بالك صورة حنان البرعصي وهي جثة هامدة ملقاة على قارعة الطريق، وتخطر في بالك سهام سرقيوة التي اختفت ولا أحد يعلم عنها شيئا حتى الآن، يخطر في بالك مئات المعتقلين والمختفين قسريا وحالات القتل والتعذيب والسجون السرية وحدث ولا حرج. لقد اختفت المعارضة والتمرد الذي عرفت به برقة، برقة اليوم مركعة بالكامل.

تحولت القضية من حلم جماعي إلى عصا في يد حفتر وأبنائه وحاشيته، يلوحون بها حين يريدون إخافة خصومهم في طرابلس، ويدوسون عليها حين يريدون إرضاء نزواتهم السلطوية. يستخدمونها ويوظفونها تارة، ويقمعون أهلها تارة أخرى. ليست العدالة قضيتهم، ولا الكرامة التي رفعوا شعارها همهم، ولا تقرير المصير الذي يتحدثون عنه هدفهم. غايتهم الوحيدة أن يتسلقوا على عظام البرقاويين نحو كرسي في طرابلس.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء برقة ليبيا حفتر عدالة ليبيا برقة قمع حفتر عدالة قضايا وآراء مقالات مقالات سياسة سياسة صحافة مقالات سياسة سياسة مقالات سياسة مقالات سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی بالک

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • برجس الشمري.. كيف تحولت TikTok إلى واحدة من أعلى المنصات قيمة في العالم؟
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • بروتين مصل اللبن في أزمة عالمية.. وتحذيرات من غشه
  • القضية الفلسطينية تتصدر لقاء السيسي ووفد مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية (فيديو)
  • تشييع جنازة الفنانة سهام جلال من مسجد حسن الشربتلي
  • سول وواشنطن تبدآن المحادثات الافتتاحية بشأن المبادرات الأمنية المتعلقة باتفاقات القمة
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش