القراءة في جلسة واحدة.. أثرها في فهم النص والتماهي معه في زمن السرعة وتشتت الانتباه
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
استطلاع - بشاير السليمية
تختلف وجهات نظر القراء حول القراءة في جلسة واحدة/دفعة واحدة، مقابل القراءة المتقطعة، وبين أثر كل منهما في فهم النص والتماهي معه، من القراء من يرى أن وحدة الجلسة تمنح الكتاب قوة إضافية في البناء والتأثير، كما يشبه قصي النبهاني هذا الاندماج بمشاهدة فيلم لا يمكن مغادرته قبل نهايته، وبين من يعتبر أن نوعية النص وأسلوب كاتبه هما العاملان الحاسمان كما تقول مزنة السيابية، تتعدد التجارب وتتشعب الرؤى.
*******************************************************************
دفعة واحدة
قد يختلف تأثير النص حين يقرأ دفعة واحدة عن تأثيره عند قراءته مجزّأ، وصف قصي النبهاني هذه الحالة -التّماهي مع وحدة النص، وعدم الانقطاع عنه - تُشبه من يشاهد الأفلام، وقال: "غالبا المشاهد حين يبدأ متابعة الأفلام لا يقوم من مقعده إلا بعد انتهائه، وربما كان هذا مشروطا بالمتعة والحماسة والتشويق والإثارة التي استطاع الفلم أن يصطاد بها متابعه بِخلاف لو كان خاليا من أي منها. كما أنّ العناصر التي ذكرتها سلفا، هي التي بإمكانها أن تجعل قراءة كتاب في جلسة واحدة مُمكنا، وأضيف إليها رشاقة الأسلوب واللغة المُناسبة".
أما مزنة السيابية، فعزت قراءة النص دفعة أو على دفعات إلى نوعية النص، وميل القارئ، وقالت: "شخصيا بنية النص هي العامل الأول لاندماجي وتناولي للنّص في جلسة واحدة أحيانا، أي أسلوب الكاتب ومعجمه، هل يختلف الأثر؟ لن يختلف الأثر الوشيجة التي تبنى والجسر الذي يرصف بين القارئ وكتابه أقوى من ظرفيّ الزّمان والمكان، لذا الأثر يأخذ عمقه بأي حال من الأحوال".
وقال صلاح الراشدي: "هناك معيار عميق أستطيع فيه قياس مدى اختلاف أثر النص حين يقرأ دفعة واحدة أو قراءته مجزّأ وهي اكتمال الفكرة المطروحة أو تشعب الفكرة، بحيث من الممكن تجزئت الفكرة بدون فقد جودة الفهم، قد تجد نصا طويلا ولكنه يضم أفكارا متعددة من خلالها أستطيع تجزئت النص بحسب قوة الفكرة ومدى استيعابي كقارئ للنص".
فيما وجدت مديحة الكليبية أن ذلك أمر نسبي، وقالت: "بعض النصوص وإن قرئت بالتجزئة، بسبب انشغالات الحياة، إلا أنها تستولي على الفكر والجوارح، بحيث نكون مسكونين بها طوال فترة قراءتها. ففي غمرة انشغالاتنا يطلُ علينا بطل الرواية خلسة، وفجأة نستذكروا تفاصيل فكرة طرحها المؤلف في كتابه. نؤخذ بما نقرأ وتملأنا الدهشة طوال فترة قراءتنا".
وأضافت أشجان البكرية: "أعتقد أن الأمر منوط بشكل الكتاب وسياقه وسلاسته وسرعة الانتقالات فيه ومدى قوة جذبه للقارئ وحجم تبسيط المعلومة وجودة استيعابها. أما ما يخص هل قراءته مجزّأ أعمق أم متصلا بجلسة واحدة، فالأمر مرهون أيضا بسير الكتاب وتقسيماته وهل هو يضم معنى واحدا أم معاني عديدة".
عوامل مساعدة
وفي سؤال العوامل التي تجعل قراءة كتاب في جلسة واحدة ممكنة، أشارت مزنة السيابية قائلة: "العامل الأول في نظري وكما أُحِب معجم الكاتب وأسلوبه ولغته وأدواتها، ثم يأتي دور الحبكة وقوتها وارتباطها بالقارئ بطريقة أو أخرى؛ أي علاقته المباشرة بقصة الكتاب قد تجعل الكتاب أكثر قربا، وأغزر أثرا".
واختصرها صلاح الراشدي بـ" الفضول المعرفي، الدافع الشعوري، التجربة السابقة في قضاء وقت طويل في القراءة".
ورأت أشجان البكرية أن الكتب السردية والروائية هي الأكثر إمكانية لقراءتها متصلة بجلسة واحدة من الكتب الفلسفية أو العلمية أو الاقتصادية وغيرها من المجالات التي تتطلب انتباها مختلفا عن الانتباه والتركيز الذي تحتاجه الكتب السردية والروائية. بل واحيانا تحتاج تدقيقا وورقة وقلما للتذكر والإضاءة.
امتلاء أم فراغ؟
كيف يصف القراء الشعور بعد الانتهاء من قراءة كتاب في جلسة واحدة ؟ أهو امتلاء أم فراغ؟ أجاب قصي النبهاني قائلا: "أمّا عن امتلائي بكتابٍ أو فراغي منه، فهذا مرهونٌ بمدى نجاحِه في فرضِ فكرتِه وإيصالِها بطريقةٍ مُبتكرة، فلطالما علِقَت بأذهانِنا كُتُبٌ أنهينا قراءتَها في جلسةٍ واحدةٍ أو جلساتٍ قليلة، وذلك لأنّها كانت تعرفُ ما تُريدُ إيصالَه، بعكسِ الكُتُبِ الّتي سُرعانَ ما تُحلِّقُ بعيدًا عنّا بجُمَلِها وكَلِماتِها وعناوينِها، وكأنّها قَطاةٌ مُرَوَّعة؛ خلَتْ مِن كُلِّ إبداعٍ، فكانَ حقًّا عليها ألّا تمكثَ في ذهنِ مَن يَبحثُ عَنِ الإبداع!".
وقالت مزنة السيابية: "غالبًا ما أُفضل الكتب الكبيرة؛ ويقلقني قرب النهاية رغم شوقي للحدث التالي، ومعرفة ما سيحدث تاليا، لذا لحظة النهاية هي وداع محيّر كمن يودّع طيرًا قرر إطلاقه، هناك جرمٌ يتفجر ويظهر من العدم، وآخر يهوي ليصبح ثقبا أسود، أنت مُثقل بالمشاعر الطاغية، والمعارف الجديدة، لكنك خاوٍ وأنت تقنع نفسك أنها رحلةٌ آذنت بالانتهاء وستصبح خبر كان، لذا هو شعور قوي ولا أدري كيف أصفه بغير ذلك".
وعن تجربته يقول صلاح الراشدي: "لدي تجربة واحدة فقط بعد الانتهاء من قراءة كتاب في جلسة واحدة، تشعر بالفراغ بسبب انقطاع اللهفة التي ترجوها لو استمرت حتى تستقي أكثر من لذة القراءة، ولكن هذا يعتمد على أسلوب طرح الكتاب والشغف الذي يدفعك لقراءة الكتاب في جلسة واحدة، الأثر الأعمق بالنسبة لي هو قراءة النص دفعة واحدة وذلك لكسب قوة ربط أدوات الفكرة ذهنيا، وهذا يخلق شعور انتماء وحسا عميقا يعبر عن قراءة حقيقة للنص، كثرة التجربة القرائية تخلق ارتباطا شعوريا وفضولا معرفيا، يزيد من الدافعية والطموح لشق مسار معرفي أكثر وأعمق، من خلالها يعتاد القارئ على قضاء فترة طويلة في البحث أو الاندماج الذي يجعله لا يشعر بالزمن الذي يقضيه في القراءة، فيرتفع مسوى جودة القراءة ليصل إلى درجة قراءة كتاب في جلسة واحدة خاصة إذا كان يصاحب القارئ فضول ودافع شعوري لمعرفة محتوى الكتاب".
أما مديحة الكليبية فقالت: "شخصيا لا استطيع قراءة كتاب في جلسة واحدة؛ فالقراءة عندي الاستمتاع والشعور بكل حرف وكلمة، خاصة الكتب العلمية أو الكتب الفلسفية وكتب تطوير الذات. قد اضطر أحيانا إلى تكرار القراءة حتى استوعب وافهم الفكرة. عندما انتهي من كتاب أخذ بتلابيب عقلي وقلبي اشعرُ بالامتلاء، مما يدفعني إلى البحث عن كتاب بذات الزخم حتى يملأ فيني ما ملأه سابقه".
وقالت أشجان البكرية: "الشعور الذي أعيشه حين انهي كتابا بجلسة واحدة هو إغراق في الفضول والتساؤل واستمرارية لعرض أحداث الكتاب واسترجاعها في عقلي لبضع ساعات بعد الانتهاء وكأن الكتاب يطلب المزيد من الوقت لذاته".
الكتب القصيرة
في الحديث عن زمن السرعة وتشتت الانتباه، وخيار الكتب القصيرة، قال قصي النبهاني: "على القارئ، ألّا يستغني عن الكُتُب الثّقيلة والطّويلة، بحجّة ألّا وقتَ لديه، أو أنّه لا يَستطيعُ التّركيز، فتنظيمُ الوقتُ واختيارُ الكتابِ المُناسبِ لكُلِّ ظرف، وسيلةٌ فعّالة لإدارةِ المَعرفة، وترتيبِ الأفكار. الكُتُبُ القصيرة مُفيدةٌ بلا شكّ -إذا اختيرتْ بعناية- ولكنّها لنَ توفّرَ دائما التفصيلَ المُفيدَ الّذي توفّره الكتبُ الكبيرة الطّويلة".
ورأت مزنة السيابية أن: "الكتب الصغيرة تنمي الميل إلى الاختصار؛ كمن يشاهد مقطعًا قصيرًا يختصر وثائقيًا طويلًا، كمن يجري بين المقاطع القصيرة ويقلبها، ميلٌ يختصر حتى الشعور، والفكر، فيتضاءل الارتباط بين الإنسان وأي شيء حقيقي، وتصبح الحياة مجرد اختصارات، في زمن السرعة على من يستطيع أن يجد مساحة خاصة، عالمًا مشتقًا، أقل سرعة، أكثر تمهل، يتهادى مُنكرًا وضع الزمان وانجرافاته، أن يلجأ إلى هذه المساحة! سواء أكانت كتابًا، أم معزوفة قديمة متروّية، أم فيلمًا يُبنى على أقل من المهل، مشهدًا فمشهد، أم لوحة ينقشها بصبره، ينحتها بتأن، حتى تكتمل ملامحها، وفي حالتي الكتب الكبيرة علاج لهذا الاضطراب المحموم!."
وأضاف صلاح الراشدي: "من المميزات التي ينعم بها قارئ الكتاب في زمن السرعة وتشتت الانتباه هو الألفة التي يعيشها ما بينه وبين الورق لمسات شعورية حسية يعرفها من ذاق التجربة، وبالإضافة إلى نوعية الكتب وحجمها هنا المعيار يحكم من هو القارئ ربما يمتلك عقلية فذة تجعله يقرأ كتابا فلسفيا عميقا في جلسة واحدة ويدرك أفكاره أو ربما الخلفية السابقة لها دور في اختبار الكتاب المناسب للقراءة".
فيما وجدت مديحة الكليبية أن المهووسين بفعل القراءة فلن تكفيهم الصفحات القليلة، فهم في نهم مستمر للمزيد والمزيد. وقالت: "بينما يمتعض ممن لا يحب القراءة من منظر الكتب كبيرة الحجم، يُسر القارئ النهم بهذه الكتب ومجرد النظر إليها ولمسها يرفع مستوى الدوبامين إلى أعلى مستوياته".
وقالت أشجان البكرية: "حجم الكتاب ليس ما يهم بل مدى غناه ومواءمته لميولي وتوجهاتي القرائية. وإن جودة الكتاب لا تقاس بحجمه بل بمحتواه. وان كتابا صغيرا دسما لن يحل أزمة التشتت ولا بأي شكل إن كان الشخص يستصعب التركيز. فالحكم بالنسبة لي بالمضمون ومدى اتساق المعنى وجودة التسلسل وخفة اللفظ مع حفظ جزالته ودقة معلوماته".
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: زمن السرعة دفعة واحدة
إقرأ أيضاً:
لماذا الغدير؟ قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
في كل عام، ومع حلول الثامن عشر من ذي الحجة، يتجدد حضور مناسبة الغدير في الوجدان الشعبي والإيماني لقطاع واسع من أبناء اليمن، بوصفها مناسبة ذات امتدادات دينية وتاريخية وثقافية عميقة. ومع كل موسم احتفاء، يبرز سؤال يتكرر على ألسنة البعض: لماذا الاحتفال بالغدير بعد مرور قرون طويلة على وقوعه؟ وما الذي يجعل هذه المناسبة حاضرة بقوة في الواقع المعاصر؟
هذا السؤال لا يقتصر على كونه استفساراً تاريخياً، بل يتجاوز ذلك إلى مناقشة طبيعة العلاقة بين الأمة وذاكرتها الدينية، وبين الحاضر والجذور الفكرية التي تشكل هويتها الحضارية والإيمانية.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الغدير.. استحضار للهوية وليس استدعاءً للماضي
تنطلق الرؤية المطروحة من اعتبار أن الاحتفاء بالغدير ليس حدثاً طارئاً أو ممارسة مستحدثة، وإنما يمثل امتداداً لتراث اجتماعي وثقافي متجذر في اليمن منذ أجيال طويلة، حيث عرف اليمنيون هذه المناسبة وأحيوا ذكراها تحت مسميات شعبية مختلفة، من أبرزها “يوم النشور”، في دلالة على عمق حضورها في الوعي الجمعي، ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالغدير لا يُنظر إليه باعتباره استدعاءً لحدث تاريخي منقطع الصلة بالواقع، بل باعتباره استحضاراً لمعانٍ وقيم ومبادئ ما تزال حاضرة ومؤثرة في حياة الأمة، تماماً كما تستحضر الشعوب محطات تاريخها الكبرى وأحداثها المؤسسة لهويتها.
إشكالية الانتقائية في قراءة التاريخ
تثير الرؤية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التعاطي مع التاريخ الإسلامي، إذ تشير إلى وجود حالة من الانتقائية في قبول بعض الأحداث ورفض أخرى، فإذا كان الحديث عن الغزوات الإسلامية الكبرى، أو عن مراحل الدول الأموية والعباسية والعثمانية، أمراً طبيعياً ومقبولاً في المجال الثقافي والفكري، فلماذا يصبح الحديث عن واقعة الغدير أو فضائل أهل البيت محل اعتراض أو تشكيك؟، هذا التساؤل يكشف عن جدل أعمق يتعلق بمعايير قراءة التاريخ الإسلامي، وما إذا كانت تخضع لموازين علمية موضوعية أم لتأثيرات مذهبية وسياسية تراكمت عبر القرون.
الغدير امتداد طبيعي لسيرة حجة الوداع
من أبرز الأفكار التي تطرحها هذه الرؤية أن حادثة الغدير لا يمكن فصلها عن سياق حجة الوداع نفسها، فالمسلمون يتحدثون باستفاضة عن مناسك الحج وخطبة عرفات وأحداث الرحلة النبوية الأخيرة، باعتبارها جزءاً من السيرة النبوية الشريفة، وبالتالي فإن تناول ما جرى في غدير خم يُعد امتداداً طبيعياً لذلك التسلسل التاريخي، وليس حدثاً منفصلاً أو طارئاً على السردية الإسلامية، وبحسب هذا المنظور، فإن واقعة الغدير تمثل محطة من محطات الرسالة المحمدية التي تستحق الدراسة والبحث والفهم شأنها شأن بقية الأحداث الكبرى المرتبطة بالسيرة النبوية.
البعد القرآني لمفهوم الولاية
تؤكد الرؤية أن أهمية الغدير لا تنبع من الحدث التاريخي فحسب، بل من ارتباطه بجملة من الآيات القرآنية التي تستدعي التأمل في مفاهيم الإمامة والولاية والطاعة والاقتداء، وتطرح تساؤلات فكرية حول دلالات عدد من الآيات التي تتناول مفهوم الولاية وأولي الأمر والإمامة والقيادة الإيمانية، معتبرة أن فهم هذه النصوص يشكل جزءاً من مسؤولية المسلم في تدبر القرآن الكريم واستيعاب معانيه، وفي هذا السياق، يُقدَّم الغدير بوصفه مناسبة لإعادة قراءة تلك المفاهيم القرآنية واستحضار مضامينها في الواقع العملي للأمة.
الولاية كمنظومة قيم لا كشعار عاطفي
من أهم الدلالات التي يبرزها الخطاب المرتبط بالغدير أن الولاية ليست مجرد شعار يُرفع أو مناسبة تُحتفل بها، بل منظومة أخلاقية وسلوكية متكاملة، فالاقتداء بالإمام علي عليه السلام، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على إعلان المحبة أو إحياء الذكرى، وإنما يتمثل في استلهام قيم العدالة والزهد والعلم والشجاعة والنزاهة والتضحية التي جسدها في حياته،
ومن هنا تتحول المناسبة من حدث احتفالي إلى محطة تربوية وأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان المؤمن الواعي والقادر على حمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية.
الغدير وتصحيح مفاهيم الولاء والانتماء
في ظل واقع تتداخل فيه الانتماءات الحزبية والمذهبية والمصالح الضيقة، تطرح مناسبة الغدير رؤية مختلفة لمفهوم الولاء، فالموالاة، بحسب هذا الفهم، لا ينبغي أن تقوم على العصبيات أو الانتماءات الضيقة، وإنما على معيار الحق والعدل والقيم الإيمانية، وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن تتسع فيه الانقسامات وتتصاعد فيه النزاعات الفكرية والسياسية، حيث يُقدَّم نموذج الإمام علي عليه السلام باعتباره نموذجاً للقيادة المرتبطة بالمبادئ لا بالمصالح.
البعد الثقافي والاجتماعي للغدير في اليمن
لا يمكن فصل الاحتفاء بالغدير عن خصوصيته اليمنية، إذ تمثل المناسبة جزءاً من الموروث الثقافي والديني لشرائح واسعة من المجتمع اليمني، وتتحول فعاليات الغدير في كثير من المناطق إلى مساحة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وإحياء قيم التكافل والتراحم وصلة الأرحام، إلى جانب دورها في ترسيخ الوعي الديني والثقافي، كما تعكس المشاركة الشعبية الواسعة في هذه المناسبة حالة من الارتباط الوجداني بالرموز الإسلامية الجامعة التي تمثل جزءاً من الهوية التاريخية للمجتمع اليمني.
بين الذاكرة والواقع
تكشف الرؤية المطروحة أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نحتفل بالغدير؟، بل ربما يكون السؤال الأعمق: كيف يمكن للأمة أن تحافظ على ذاكرتها الدينية والتاريخية وأن تستفيد من دروسها في بناء حاضرها ومستقبلها؟، فالأمم لا تعيش بلا ذاكرة، والمجتمعات التي تفقد صلتها برموزها وقيمها المؤسسة تصبح أكثر عرضة للتيه الفكري والتشظي الثقافي، ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الغدير باعتباره مناسبة لاستحضار معاني القيادة الصالحة والارتباط بالقرآن الكريم والاقتداء بالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام، بما يسهم في تعزيز الوعي والبصيرة وترسيخ الهوية الإيمانية للأمة.
ختاما ..
يبقى الغدير أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ فهو محطة لاستحضار معاني الولاء للحق والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأصيل، وفرصة لتجديد الصلة بالقيم القرآنية والنبوية التي شكلت أساس الرسالة الإسلامية، وبغض النظر عن اختلاف القراءات والاجتهادات حول بعض تفاصيله التاريخية أو العقدية، فإن المناسبة تظل حاضرة في الوعي الشعبي والثقافي بوصفها جزءاً من التراث الإسلامي الذي يستدعي الدراسة والفهم والحوار الهادئ، بعيداً عن التعصب والانغلاق، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة المعرفة والبصيرة والوعي.