قانون خفي وراء الفوضى: لماذا تتحطم الأشياء بالطريقة نفسها؟
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
عندما يسقط طبق أو ينكسر كأس، تبدو النتيجة فوضى خالصة، حيث تنتشر شظايا كثيرة بأحجام شديدة التفاوت. لكن بعض الفيزيائيين يرون في هذه الفوضى سؤالا عميقا وهو: لماذا يتفتّت الشيء الواحد إلى هذا التنوع الكبير من الأحجام؟
الفيزيائي إيمانويل فيلرمو، من جامعة إيكس مرسيليا الإيطالية، يقترح قانونا بسيطا وأنيقا يصف طريقة التفتّت، لا في الزجاج والسيراميك فقط، بل أيضا في قطرات السوائل والفقاعات التي تنفجر.
الفكرة التي راودت العلماء منذ زمن هي أن في التفتت "شيئا كونيا"، فإذا أحصيت عدد الشظايا داخل كل فئة حجمية ورسمت توزيع الأحجام على شكل منحنى، فقد تجد أن شكل المنحنى نفسه يتكرر تقريبا مهما اختلف الجسم المتفتّت، أي أن التفاصيل تختلف، لكن البصمة الإحصائية العامة قد تبقى ثابتة.
انطلق فيلرمو من ملاحظة أن حدث التكسّر عادة شديد الفوضى وسريع، ورأى أن النتيجة الأكثر احتمالا غالبا هي الأكثر عشوائية وليست انتظاما، وسمى هذا المبدأ "العشوائية القصوى".
وبحسب الدراسة، التي نشرها فيلرمو في دورية "فيزكال ريفيو ليترز"، فإن ذلك يعني أن الطبيعة تميل إلى المسار "الأقل مقاومة" والأكثر تبعثرا.
لكن الفوضى، كما يؤكد الباحث، لا تكون بلا حدود، لذلك أدخل قيدا فيزيائيا سماه "قانون الحفظ"، وكانت مجموعته البحثية قد توصلت إليه من قبل، هذا القيد يعمل كقاعدة خفية تمنع "المقياس العام" للتفتّت (نسبة الكبير إلى الصغير في الصورة الكلية) من أن يتغير اعتباطا أثناء الانكسار.
بدمج العشوائية القصوى مع قيد الحفظ توصّل فيلرمو إلى ما يسميه قانونا كونيا للتفتّت، أي أنه يجري على كل شيء في الكون، من تفتت طبق الحلوى المنزلي إلى النجوم في أعماق الفضاء.
إعلانووفقا لفيلرمو، فإن هذا الدمج يقود تلقائيا إلى أن توزيع أحجام الشظايا يتخذ شكل "قانون قُوّة"، وهو طريقة لوصف ظاهرة يكون فيها عدد الأشياء الصغيرة أكبر بكثير من عدد الأشياء الكبيرة وفق نمطٍ ثابت، وهو إنه كلما صَغُر الحجم زاد العدد، لكن ليس عشوائيا بل بعلاقة رياضية أسيّة.
في سياق تفتت الزجاج مثلا، يعني ذلك أنك ستجد شظايا صغيرة جدا كثيرة، وشظايا كبيرة قليلة، وبينهما تدرّج منتظم، وإذا ضاعفت حجم الشظية لا يقل عددها بمقدار ثابت، بل يقل بنسبة تعتمد على "أس"، لهذا يُقال إن التفتت يتبع "قانون قوّة".
تجارب فعّالةولا يكتفي البحث الجديد بالطرح النظري، إذ يقارن فيلرمو تنبؤات القانون بكم كبير من بيانات التفتت المجمعة عبر عقود، وقد وجد تطابقا ممتازا مع حالات كثيرة تشمل مواد هشة وسوائل.
بعد ذلك، أجرى الباحث اختبارا مباشرا بطريقته، حيث سحق مكعبات سكر منفردة، وتمكن من توقع نمط أحجام الشظايا بدقة اعتمادا على كون المكعب جسما ثلاثي الأبعاد.
مع ذلك، لا يدعي القانون تفسير كل سيناريوهات الانكسار. فهو يعمل بأفضل صورة عندما يكون التفتت عشوائيا حقا، مثل كأس يرتطم فجأة بالأرض.
لكنه رغم ذلك، يفشل القانون أو يضعف إذا كانت المادة لينة جدا (كأنواع من البلاستيك)، أو إذا كان التفكك منظما بطبيعته، مثلما تفعل ظاهرة الشدّ السطحي حين يتجزّأ الماء إلى قطرات متقاربة الحجم، هنا تصبح "هندسة" الانفصال محكومة بآلية خاصة، لا بفوضى عامة، فتغيب الكونية التي يبحث عنها القانون.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..