لجريدة عمان:
2026-07-23@21:46:43 GMT

تدخل ترامب في السودان سلاحٌ ذو حدّين

تاريخ النشر: 1st, December 2025 GMT

ترجمة: بدر بن خميس الظفري

أعادت الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن تسليط الضوء على أحد أبرز الملفات التي يواجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو الحرب في السودان.

ورغم أن البيت الأبيض أعلن منذ فترة طويلة اهتمامه بالتعقيدات السودانية ـ وخاصة الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ـ إلا أن هذا الاهتمام يبدو أنه ازداد بعد زيارة الأمير محمد بن سلمان.

يمثّل الأمن القومي في البحر الأحمر أولوية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة، إذ تستمر سياساتها في التشكل وفقًا لمقاربات مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار الإقليمي. سبق لواشنطن أن حذّرت من أن الحرب في السودان تشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.

من جهتها، سعت وزارة الخارجية الأمريكية إلى تمهيد الطريق لعملية السلام، بما في ذلك عدة جولات تفاوضية تكللت مؤخرًا بدفع دبلوماسي من المجموعة الرباعية - الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات - بهدف إنهاء الحرب.

أما تصريح ترامب الذي قال فيه: إن «الحرب في السودان لم تكن ضمن أولوياتي» قبل طلب ولي العهد السعودي تدخله، فيبدو أنه تغيير استراتيجي بسيط وتعبير عن تقدير لولي العهد. ويمكن أن يسعى ترامب أيضًا إلى تقديم الأمير محمد بن سلمان زعيمًا إقليميّا قادرا على الوساطة، وشريكا يمكن لواشنطن الاعتماد عليه.

هذا الموقف يعكس دعم ترامب لدور سعودي أوسع في الدبلوماسية الإقليمية، وينسجم مع اهتمامه الأعم بجهود بناء السلام حول العالم.

وتصاعد الانخراط الأمريكي منذ ذلك التصريح؛ فقد تحدث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هاتفيًا مع وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، في إشارة إلى تعمّق الانخراط الأمريكي وتنسيقه المستمر مع شركاء الرباعية.

لكن هذا الانتباه المتأخر يأتي في مرحلة حرجة للغاية، إذ وصفت الأمم المتحدة مرارًا السودان بأنه يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ربما كان التدخل المبكر قادرًا على إنقاذ الأرواح - خصوصًا خلال سقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع - وتجنّب الفظائع ضد المدنيين، والتخفيف من حدة الكارثة الإنسانية الحالية بما فيها نقص مياه الشرب والغذاء، وانهيار البنية الأساسية، والنزوح الواسع.

غالبًا ما يُشار دوليًا إلى السودان على أنه «الحرب المنسية»، إذ ظلت أولويات القوى الكبرى تتجاهله. وقد يرفع دخول ترامب على خط الوساطة مستوى الاهتمام الدولي مؤقتًا، قبل أن يتراجع مجددًا.

رحّب مجلس السيادة السوداني، برئاسة عبد الفتاح البرهان، سريعًا بجهود السعودية وتصريحات ترامب بعد أسابيع من رفض ضمني لمبادرة وقف إطلاق النار الإنسانية المقترحة من الرباعية.

ربما يعود هذا التغيير إلى الارتقاء بمستوى العملية السياسية تحت إشراف ترامب المباشر، أو ربما لضمانات قُدمت للبرهان خشية ردود فعل داخلية.

بعد منشور البرهان على منصة «إكس»، الذي شكر فيه السعودية والولايات المتحدة، بدا أن حالة الاستقطاب بدأت بالانحسار قليلًا، إذ أعرب أنصار الجيش - ومنهم علي كرتي الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية - عن أمل جديد في الاستقرار والسلام.

أما قوات الدعم السريع، فرحبت بالتدخل الأمريكي، لكنها اتهمت «الجهات التي تتحكم في قرار الجيش» بعرقلة السلام، مؤكدة رغبتها في معالجة جذور الأزمة وبناء «سودان جديد».

لكن المشهد تغيّر مرة أخرى، عندما أعلن البرهان أن السودان لا يمكنه قبول مبادرة الرباعية، واصفا إياها بأنها «الأسوأ حتى الآن». وبعدها بيوم، أعلن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) موافقته على وقف فوري لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، وقال: «نأمل أن تقوم دول الرباعية بدورها في دفع الطرف الآخر للتجاوب مع هذه الخطوة».

ما الذي سيحدث لاحقًا؟

لا يزال المشهد ضبابيًا. من غير الدقيق افتراض أن التفاهم السعودي - الأمريكي سيغيّر أساس خارطة الطريق التي وضعتها الرباعية بدعم من البيت الأبيض. ومع ذلك، قد يسرّع تدخل ترامب في تنفيذ الاتفاق دون أن ينحاز لطرف محدد أو يخدم حسابات سياسية داخلية. ومهما يحدث على المدى القريب، فالتحديات المقبلة في طريق السلام في السودان كبيرة للغاية.

قد تتمكن القوى المستفيدة من الحرب من الصمود في وجه كل مبادرات السلام. صحيح أن شكر البرهان يشكّل لحظة دبلوماسية نادرة، لكنه لا يلغي المصالح الراسخة أو دعم أطراف خارجية موّلت الصراع لسنوات في سياق صراع إقليمي على النفوذ. كما أن فرض السلام سيكون معقدًا؛ فقد ينهار وقف إطلاق النار دون مراقبة مستقلة، وقد تؤدي الخروقات إلى تآكل الثقة الهشة بسرعة. أما إمكانية تشكيل حكومة مدنية فتبقى محل صراع شديد، وإذا اعتُبرت مفروضة من الخارج، فقد تُرفض شعبيًا.

حتى إنْ أيّد الجمهور عملية السلام، يمكن للمقاومة المستترة - من تدفقات السلاح إلى التحالفات الخفية - أن تُفشل المسار برمته. وإذا صمد وقف إطلاق النار، فقد يفتح نافذة إنسانية ضرورية، تتيح إيصال المساعدات وإنقاذ الأرواح وتعزيز الثقة تدريجيًا. ويمكن أن يمهّد انتقال موثوق نحو الحكم المدني لتغيير حقيقي في سردية مستقبل السودان.

كما يمكن للرباعية ممارسة ضغط جماعي لاستخلاص تنازلات جوهرية من أطراف النزاع.

مع ذلك، قد تبقى الهياكل الأساسية للقوة على حالها، بما فيها شبكات السيطرة العسكرية والتمويل والتسليح، واستمرار تهميش المجتمع المدني. وقد لا يكون وقف إطلاق النار سوى محطة مؤقتة سرعان ما تتلاشى عند بدء المفاوضات السياسية.

في نهاية المطاف، يظل تدخل ترامب سلاحًا ذا حدّين: يمنح وزنًا سياسيًا وزخمًا دبلوماسيًا، لكنه يعرّض مستقبل السودان لخطر الارتهان لحسابات جيوسياسية تبادلية. يمثل موقف البرهان العلني فرصة مهمة، لكن النجاح يتطلب آليات صارمة للرقابة والتنفيذ، وانتقالًا شاملًا يستند إلى الإرادة السودانية، وضمانات موثوقة.

وإذا جرى استثمار هذه اللحظة، فقد يلمح السودان أخيرًا مستقبلًا مدنيًا. وإن ضاعت، فقد تنقلب مرة أخرى إلى مأساة جديدة.

أسامة أبوزيد باحث مختص في قضايا التنمية والحوكمة

الترجمة عن موقع ميدِل إيست آي.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: وقف إطلاق النار الدعم السریع فی السودان

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • ترامب يهدد بتوسيع العملية العسكرية ضد إيران
  • المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: إسرائيل تعطل تنفيذ خطة ترامب للسلام
  • ترامب : لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي .. وترسانتها الصاروخية تراجعت 91%
  • في خطوة رمزية.. مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف حرب إيران
  • النواب الأمريكي يوافق على تقييد صلاحيات ترامب في الحرب.. والشيوخ يرفض
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
  • عاجل | مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف أي عمل عسكري ضد إيران
  • مجلس النواب الأمريكي يصوت على وقف الحرب مع إيران
  • عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟