سالم مبارك الخويطر **
salem.mubark1966@gmail.com
لا يتوقف سيْل الحروب والكوارث على كوكب الأرض، فما إن تنتهي حربٌ حتى تندلع شرارة حرب جديدة، وما إن تحلّ كارثة إلا وتبعتها أخرى، في مشاهد مأساوية تزاحمت في آلامها وندباتها على الأرواح قبل الأجساد.
ويتكرر المشهد وتكتظ تفاصيله بكل مآلات الأسى وبكل إرهاصات الحزن المهلهلة بشتات العقول التي ما عادت تعرف فك شفرة تلك الصراعات والكوارث، وتكاد تفقد بوصلة اتجاهاتها، هنا وهناك وفي كل بقعة من العالم تطلُ المآسي برأسها، أرواح أنهكها الجوع والعرى تتشبث بالحياة تحت خيامٌ بالية مهلهلة تتطاير مع أيّ هبّة ريح تكشف أكثر ممّا تستر، وتعرّي أكثر مما تغطي، ما بين حرارة صيف تشوي الآمال قبل الأجساد وبين برودة الشتاء التي تكاد تشهق منها الأرواح، وتتجمد معها الأمنيات، وأمطار جعلت منها بندقية الفقراء، وكشفت الوجه القبيح للإنسانية ومرّغت كل حقوق الإنسان بوحْل العوز والجوع والعطش، وأطاحت بزيف العدالة ومحكمتها الدولية، وتحوّلت مخيمات اللاجئين والنازحين إلى أشبه ما تكون صناديق للفقر يُسْمع صدى نحيبه بنظرات الأرواح الشاردة والعيون الباحثة عن بصيص أمل يعيد لها الشعور بإنسانيتها، هنا وهناك ملايين الأرواح المعذبة بعذابات الفقر والعوز، فمنها من قضى نحبه في الحروب ومنها من قضى نحبه من الفقر ومنها من ابتلعته البحار والمحيطات أو تقطعت به الطرق في الصحاري الحارقة في لهيب الصيف، ومنها من ينتظر على قارعة الفقر والعوز.
آخر السَطر.. يا لهوْل الفقر إن صال وجال وحلّ في الأرواح، يكاد يُسمع أنينه ونحيبه تحاول أن تلفظه الأرواح لكن دون جدوى فمنها من صافح الفقر استسلاما ورضاً ومنها من صافح الفقر احتيالا ومتحيّنا الفرصة للفكاك والهروب من ذلك الغول، آهات تعزف لحن الفقر لعلّها تُسمع وتفك صمم الإنسانية، ولعلّها تصل به إلى عنان السماء فزعاً وطلباً لعون الله، الفقر ذلك الابتلاء المقدّر والمكتوب زاد وتفشى ليس نقصاً في الموارد والأموال ولكن من سوء وتهوّر ورعونة بعض الأنظمة القمعية والدكتاتورية التي خرجت عن مسار الإنسانية وتقتات على عذابات الناس وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية وتمتعهم بالحياة الكريمة، للفقر ملايين القصص بعدد ملايين الأرواح التي تتوارث الفقر، ولكن يكفيها فخراً أنّ أحمالها وأوزارها خفيفة يوم الحساب على عكس بعض المتخمين بالغنى الحرام فأحمالهم وأوزارهم أثقل من الجبال الراسيات، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر والجوع وضلع الدّين وقهر الرجال وأن نردّد إلى أرذل العمر.
يمشي الفقيرُ وكلُّ شيءٍ ضِدَّهُ
والناسُ تغلقُ دونهُ أبوابَها
وتراهُ مبغوضاً وليسَ بِمُذنبٍ
ويرى العداوةَ لا يرى أسبابَها
حتى الكلابَ إذا رأتْ ذا ثروةٍ
خضعتْ لديهِ وحرَّكَتْ أذنابَها
وإذا رأتْ يوماً فقيراً عابراً
نَبَحَتْ عليهِ وكَشَّرَتْ أنيابَها
** كاتب كويتي
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
وزيرة الثقافة في احتفال دخول العائلة المقدسة: مصر وطن التعايش وملاذ الإنسانية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
شاركت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، مساء أمس الاثنين، في الاحتفال بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر، الذي نظمه دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام (المُحرق)، بمسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بحضور قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وشهد الاحتفال عرض الفيلم الوثائقي «القدس الثانية»، وذلك بحضور المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة الدستورية العليا، والدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، ومحافظي القاهرة والدقهلية وأسيوط وبني سويف، وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وسفراء عدد من الدول، وبعض الوزراء السابقين، والإعلاميين والصحفيين والفنانين والشخصيات العامة.
وأكدت وزيرة الثقافة أن هذه المناسبة تمثل محطة استثنائية في الوجدان المصري، تتجلى فيها الهوية الوطنية بأسمى معانيها الإنسانية، مشيرة إلى أن مشاركتها تنطلق من إيمان راسخ بأهمية صون التراث الوطني والحفاظ على الهوية المصرية.
وأضافت أن أهداف هذا الحدث تتقاطع مع استراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى حماية الذاكرة الوطنية، وترسيخ الهوية عبر الفنون والثقافة، وتحصين وعي الشباب ضد محاولات طمس الهوية أو تشويهها، إلى جانب إبراز عبقرية المكان المصري وتقديم تراثه الحضاري باعتباره رسالة سلام ومحبة وإرثًا إنسانيًا عالميًا تفخر به مصر. وأوضحت أن هذا الحدث تجاوز كونه مجرد واقعة تاريخية، ليصبح شاهدًا على الدور الحضاري والإنساني لمصر، التي فتحت أبوابها عبر العصور لتكون ملاذًا للأمان وموطنًا للتعايش والسلام.
وفي حديثها عن فيلم «القدس الثانية»، الذي عُرض خلال الاحتفال، أكدت وزيرة الثقافة أن العمل يوثق محطة فارقة من تاريخ الإنسانية على أرض مصر، مشيرة إلى أن دير السيدة العذراء بجبل المُحرق ليس مجرد موقع أثري أو ديني، بل يمثل حارسًا للذاكرة الحية لرحلة العائلة المقدسة. وأضافت أن الفيلم يُعد وثيقة بصرية تؤكد أن مصر لم تكن يومًا مجرد أرض تعبرها الأحداث، بل كانت دائمًا حاضنة للحضارة، وحافظة للرسالات، وصاحبة دور ممتد في صون ذاكرة الإنسانية.
وفي ختام كلمتها، وجهت الدكتورة جيهان زكي الشكر لقداسة البابا تواضروس الثاني وللكاتدرائية المرقسية على الدعوة الكريمة وحسن التنظيم، كما حيّت جميع القائمين على إنتاج الفيلم الوثائقي، الذي يوثق تاريخ دير المُحرق باعتباره أحد أهم صفحات التاريخ المصري، داعية الله أن يديم على مصر نعمة الأمن والاستقرار والترابط والمحبة.
وفي ختام الاحتفالية، كرّم قداسة البابا تواضروس الثاني الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، التي أعربت لقداسته عن فخرها واعتزازها بهذا التكريم.