الوعود الجوفاء لقمة المناخ كوب 30
تاريخ النشر: 1st, December 2025 GMT
نوفمبر. الأمطار تنهمر على هضاب نغوزي. عمي، الذي كان في ما مضى مزارعَ بن، يعمل اليوم في أرض ميتة. في المكان الذي كان ينبت فيه الأمل، لم يبقَ سوى الغبار. عندها يداهمني سؤال يحرق قلبي: ماذا تعني فعلا «التحركات المناخية العالمية» لبلد مثل بلدنا.. بروندي؟
نحن لسنا الملوِّثين. بصمتنا الكربونية؟ لا تكاد تُذكَر مقارنة بضجيج الحقول النفطية أو أنابيب الغاز.
اختُتمت قمة كوب 30 للتو في بيليم بالبرازيل. كانت يُفترَض أن تكون هي نقطة التحول؛ القمة التي تعترف فيها دول الشمال أخيرًا بمسؤولياتها. ماذا حدث بدل ذلك؟ درس بليغ في الدبلوماسية الفارغة: لا ذِكر على الإطلاق للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، هذا الوقود نفسه الذي يسخّن كوكبنا ويلوث هواءنا. في المقابل، طُرحت «خرائط طريق طوعية» مبهمة؛ ملزِمة بقدر قرارات رأس السنة.
أسبوعان من المفاوضات. نقاشات تمتد حتى الساعات الأولى من الصباح. ثم يأتي اتفاق كوب 30 - الذي حُمِّل اسمًا متكلَّفًا: «قرار موتيران» - متجنبا الموضوع الوحيد الذي يثير الغضب: الوقود الأحفوري.
أكثر من 80 دولة طالبت رغم ذلك بوضع نهاية واضحة وعادلة للفحم والنفط والغاز. كثير من الدول الإفريقية كانت في الصفوف الأولى، وجيراننا من بينها. لكن مطالبها غُمرت تحت موجة الرفض التي قادتها الأسماء المعهودة: السعودية، وحلفاؤها في أوبك، وروسيا. ضغوط هائلة، ومشاريع خُفِّفت حتى تحولت إلى لا شيء تقريبًا.
الرئيس البرازيلي لولا، والإنصاف يقتضي قول ذلك، عمل بلا كلل من أجل إدماج الجميع حتى اللحظة الأخيرة. لكنه لم يستطع، حتى هو، ردم الهوة السحيقة بين أرباح الملوِّثين وبقائنا نحن. النتيجة؟ إعلان فاتِر عن «خريطة طريق» من أجل انتقال طاقي «عادل ومنظّم ومنصف». منخرِط فيها مَن؟ الجميع: من كبار أباطرة الصناعة إلى منظمات المجتمع المدني المهمَّشة.
إرادة طوعية، لا تخطئوا الفهم! بلا إلزام. بلا جدول زمني. بلا أي التزام بالمحاسبة.
أما خريطة الطريق الموازية لوقف إزالة الغابات فليست سوى ضمادة على جرح غائر. في بوروندي، غاباتنا - سواء المصنفة محمية أو المزروعة اصطناعيًا - تختفي أسرع من اختفاء مواسم أمطارنا.
ما الدروس الرئيسة المستخلَصة من بيليم؟
أول ملاحظة: أن الوقود الأحفوري كان في قلب النقاشات أكثر من أيّ من مؤتمرات الأطراف التسعة والعشرين السابقة. تقدمٌ على مستوى الحوار، نعم، لكن القناعات لا تزال في حاجة إلى إثبات. «إعلان بيليم من أجل انتقال عادل»، الذي وقّعته 24 دولة من بينها الوفد الكيني، جدّد بقوة التزامه بحصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية والتخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري. العدالة في صلب هذا الإعلان، خصوصًا حيال الدول الجزرية الصغيرة مثل فيجي وتوفالو، وبالقياس ذاته حيال بوروندي التي دمّرتها الفيضانات. لم توقّع البرازيل على هذا الإعلان، مفضِّلة التركيز على المفاوضات الرسمية. لكنها، مع ذلك، تزرع بذرة ما: مؤتمر دولي سيُعقد في كولومبيا في أبريل المقبل لوضع خطط حقيقية للخروج من نفق الاختلال المناخي.
الملاحظة الثانية: التعهّد المالي لا يختلف كثيرًا عن الـ300 مليار دولار الزهيدة التي خرجت بها قمة كوب 29. مبلغ هزيل إذا ما قورن بـ1,300 مليار طالبت بها دول الجنوب. إفريقيا تدفع فاتورة تكيّف مناخي لم تتسبب فيه.
الملاحظة الثالثة: الشباب والمجتمع المدني اقتحموا حرفيًا فضاءات النقاش المناخي في بيليم. شعاراتهم تذكّرنا بأن المسألة ليست مجرد قضية سياسية. إنها مسألة وجود. لكن يا لها من معارك ضارية!
كانت المعركة حول الوقود الأحفوري الأعنف على الإطلاق. الدول الأكثر هشاشة - نحن، شعوب شرق إفريقيا - اصطدمنا مباشرة بدول النفط، تلك التي تتعامل مع الغلاف الجوي كأنه ملعبها الخاص. لماذا يُفترض بأطفال بوروندي أن يرثوا أرضًا محروقة، بينما تُشيِّد دولا أخرى مدنًا أشباحًا فوق ذهبها الأسود؟
ثم تأتي «خدعة العدالة». الحديث عن «انتقالات عادلة» يبدو جميلًا في البيانات الختامية. لكنه، من دون التزامات مُلزِمة، لا يعني في الحقيقة سوى شيء واحد: «يا دول الجنوب، دبِّروا أموركم بأنفسكم».
والتمويل؟ مهزلة. الوعود بألف مليار وألفي مليار تتردّد كالصدى، لكن ما يُحوَّل فعليًا لا يتجاوز بضعة مليارات. صناديق التعويض تصل بالتقسيط البطيء، كجداول النيل، لا يُدرى متى تجفّ ومتى تفيض.
أما الأولويات الإفريقية، فنحن نرفع الصوت بها بلا كلل: نطالب بتخفيف أعباء الديون مقابل استثمارات خضراء، وبنقلٍ حقيقي للتكنولوجيا يعود بالنفع على صغار المزارعين، وبمقعدٍ فعلي على طاولة المفاوضات؛ حيث لا تُملَى القرارات من واشنطن أو بروكسل.
وبوصفي بورونديًا، فهذه قضية شخصية. إن بحيرة تنجانيقا، التي نتقاسمها مع تنزانيا وزامبيا والكونغو الديموقراطية، تسخن بوتيرة أسرع من متوسط الكوكب، فتقضي على مخزون الأسماك الذي يطعم ملايين الناس. حقول الفاصولياء والذرة عندنا تذبل تحت أمطار خارج مواسمها، فتدفع بـ70٪ منا - وهم أصلًا من بين أشد شعوب العالم جوعًا - إلى جوع أعمق.
منظمات العدالة المناخية الإفريقية، الوطنية منها والإقليمية، لا تنخدع بوعود كوب 30. أولوياتنا واضحة وضوح الشمس: المطالبة بالتخلّي التدريجي الإجباري عن الوقود الأحفوري، مقرونًا بتعويضات من الدول ذات الانبعاثات التاريخية الكبرى. رفع التمويل إلى 1,5٪ من الناتج المحلي الإجمالي للدول الغنية، بلا شروط. وإسماع صوت الشعوب الأصلية والشباب في كل مسار تفاوضي.
بوروندي، رغم صِغَر حجمها، قادرة على أن تضرب المثل. مبادرات إعادة التشجير التي تقودها المجتمعات المحلية، وشبكات الطاقة الشمسية الصغيرة لدينا، تُثبت ما يمكن إنجازه حين تكون العدالة - لا الصدقة - هي محرّك التغيير.
لم تكن كوب 30 فشلًا كاملًا. كانت صفعة إيقاظ. دليلًا على أن قبضة الحرس القديم تضعف كلما اشتدّت مطالبنا. لكن «خرائط الطريق الطوعية» لن تطفئ الحرائق التي تلتهم غابات روفوبو، ولن تملأ طبقات المياه الجوفية التي جفّفها الجفاف.
آن أوان النهوض. لنهجر أنصاف الحلول. لنَبْنِ بأنفسنا مستقبلَنا الطاقي العادل. لنفرض على العالم أن يتفاوض وفق شروطنا نحن. بالنسبة إلى مزارعي بوروندي، ورعاة كينيا، ولكل نفسٍ في شرق إفريقيا تتطلع إلى هواء نقي، ليست العدالة المناخية تفصيلا ثانويا؛ إنها جوهر المعركة.
لاندري نينترتسه مستشار مستقل، وناشط بيئي، وصانع سلام، وبان إفريقي. شغل منصب المدير الإقليمي لإفريقيا في منظمة 350.org بين عامي 2016 و2025.
عن صحيفة «إواكو» البوروندية الناطقة بالفرنسية
تمت الترجمة عن اللغة الفرنسية باستخدام الذكاء الاصطناعي
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الوقود الأحفوری
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود