بخطاب منحاز ومتشنج.. البحسني يهاجم بن حبريش وقوات العسكرية الأولى ويبرر للانتقالي
تاريخ النشر: 2nd, December 2025 GMT
شن عضو مجلس القيادة الرئاسي، اللواء الركن فرج سالمين البحسني، هجوما غير مسبوق على قوات المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت، ورئيس حلف القبائل بالمحافظة الشيخ عمرو بن حبريش، متهما إياه بالتمرد والإنقلاب والإرهاب، في الوقت الذي برر دخول مليشيا الانتقالي إلى محافظة حضرموت بمزاعم مكافحة الإرهاب، في ظل توتر وتصعيد عسكري تشهده المحافظة الغنية بالنفط.
وقال البحسني في مقطع فيديو مسجل، نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، إن ما يحدث اليوم في حضرموت ناتج عن موقف لم يتخذه مجلس القيادة الرئاسي في وقته، تجاه خروج مجموعة من القبائل على رأسهم الشيخ عمرو بن حبريش عن مؤسسات الدولة وقيامهم بإنشاء بتشكيلات عسكرية.
وأدان البحسني، ما سماه بـ "التمرد" معتبرا العمل الذي جرى خلال اليومين الماضيين بهدف الاستيلاء على شركة بترومسيلة "عمل مدان وتخريبي" وسبق وأن حذرنا في السنوات الماضية، من أن تشكيلات خارج إطار الدولة والمؤسسات الرسمية تقود إلى تمردات واليوم نشهد ذلك.
وأوضح أن "التمرد اليوم والخروج عن المؤسسات، والذي قاد إلى هذه الأزمة مدان، ونوجه رسالتنا إلى جميع القبائل وجميع الشخصيات وجميع العلماء، لأن يدينوا هذا العمل التخريبي الإرهابي الذي تم، حد زعمه.
وأضاف: "إن هذا العمل العبثي الهجمجي الإنقلابس التمردي الذي قام بن بن حبريش ومن معه أدى إلى تأثير سلبي على حياة المواطنين، وخروج الكهرباء نتيجة عدم تزويدها بالمحروقات من بترومسيلة، وأظلمت المدن في الساحل والوادي، ونتيجة لذلك تقطعت السبل بنقل المحروقات لمحافظات أخرى كانت تمول من شرطة بترومسيلة".
وأشار البحسني، في خطابه المتشنج، إلى أن تلك الأعمال التي جرت الأيام الماضية، "قادت لإصدار أوامر بالقبض على بن حبريش ومن معه، ويجب أن تنال مجراها ويقف بن حبريش ومن معه أمام العدالة".
ولفت إلى أن العمل على عرقلة الحياة السياسية في الوادي وخروج بعض القوات العسكرية ـ المنطقة العسكرية الأولى ـ وتصديها للمواطنين عمل مدان ويجب أن يوضع له قيادة المجلس الرئاسي والتحالف.
وبرر عضو مجلس الرئاسة لدخول مليشيا الانتقالي لحضرموت بقوله: "يتساءل البعض عن جدوى ومهمة دخول بعض القوات من خارج المحافظة، نؤكد أن هذه القوة مهمتها مكافحة الإرهاب وجاءت بعد ظهور بؤر إرهاب لمجاميع من داعش والحوثي والقاعدة، ولابد من التعامل مع هذه البؤر ولذلك جاءت هذه القوة لمعالجة هذا الوضع".
وأطلق البحسني، ما سماه بـ "نداء خاص" إلى القبائل والشباب وكافة شرائح المجتمع والعلماء للتأكيد أن "هذه الأعمال دخيلة على حضرموت والتي كانت موصوفة بالاعتدال والسلمية والنظام والقانون، وأن ما يجري عمل مدان".
وجدد التأكيد أن ما يقوم به الشيخ عمرو بن حبريش "سيقود لسفك الدماء وخراب مؤسسات الدولة"، داعيا لتحكيم العقل بهذه اللحظات الحرجة وأدانة ما يجري، والعمل على "لم الشمل ووحدة الصف ونبذ العنف".
ووفقا للبحسني، فإن "هذه الاعمال ستعيد حضرموت مئات السنين للوراء ونحن قلقين جدا ولدينا المقدرة والعقول للتفريق بين الحق والباطل"، في الوقت الذي اعتبر قوات النخبة "صمام أمان حضرموت"، حد وصفه.
وكان المجلس الانتقالي قد قام بتحشيد الآلاف من مسلحيه من محافظات عدن وأبين والضالع ولحج وشبوة إلى محافظة حضرموت الغنية بالنفط، بالإضافة إلى التشكيلات العسكرية التابعة له، وأبرزها الحزام الأمني والدعم الأمني والنخبة.
والأحد الماضي هدّد أبو علي الحضرمي، قائد قوات الدعم الأمني التابعة لـ"الانتقالي"، حلف قبائل حضرموت بأنه لن يسمح لبن حريبش (زعيم حلف قبائل حضرموت) بالتمدد في المحافظة، وهو الموقف الذي واجهه الحلف بالدعوة إلى المقاومة بكل الطرق والوسائل للدفاع عن حضرموت وثرواتها، في مواجهة القوى الوافدة من خارج المحافظة، وذلك رداً على التحشيد الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويتبنى حلف قبائل حضرموت، الذي تشكّل عام 2013، خيار الحكم الذاتي للمحافظة الغنية بالنفط (تصدّر حضرموت 80% من صادرات النفط اليمني)، والواقعة جنوب شرقي البلاد، والتي تمثل مساحتها أكثر من ثلث مساحة اليمن. ويُطالب الحلف بحصة من إيرادات النفط والغاز لصالح المحافظة، إذ ينشر مجموعات مسلحة تابعة له في مناطق الهضبة (هضبة حضرموت)، والتي تضم منشآت النفط والغاز.
وكان حلف قبائل حضرموت، قد أعلن أمس الأول، أن وحدات من قوات "حماية حضرموت" قامت بتأمين منشآت حقول نفط المسيلة في محافظة حضرموت شرقي اليمن، مؤكداً في بيان صادر عنه، "أن تأمين حقول النفط جاء لغرض تعزيز الأمن فيها والدفاع عن الثروات الوطنية من أي اعتداء أو تدخل خارجي، باعتبارها ثروة شعب وتحت غطاء الدولة الشرعية الرسمية".
المصدر
المصدر: الموقع بوست
كلمات دلالية: حضرموت الانتقالي البحسني حلف قبائل حضرموت اليمن حلف قبائل حضرموت بن حبریش
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.