6 دجنبر، 2025

بغداد/المسلة: في أعماق محافظة ذي قار جنوبي العراق، حيث تندفع الرمال تحت أقدام الرعاة والمزارعين، تظل المخلفات الحربية تنتشر كشبح من الماضي، جاهزة للانفجار في أي لحظة.

الذخائر العنقودية غير المنفجرة، مدفونة بين الكثبان، تشكل تهديداً يومياً لآلاف السكان، فهي ليست مجرد بقايا حروب، بل قنابل موقوتة تهدد الحياة اليومية في هذه الأراضي الخصبة سابقاً.

وبالفعل، يروي شهود عيان قصصاً مرعبة عن لحظات الرعب، حيث يهشم وجه ضحية وتتمزق أطرافه تحت قوة العصف المتأخر.

في إحدى الحوادث الأخيرة بجنوب المحافظة، أدى انفجار ذخيرة عنقودية مدفونة إلى إصابة ثلاثة أطفال، مما يعكس كيف تتحول الرمال إلى مقبرة حية، وتترك الضحايا يئنون تحت ألم الفقدان والإعاقة الدائمة، في غياب أي إجراءات وقائية فورية.

مع ذلك، يتردد صدى سؤال يلازم السكان المحليين: إذا لم نعالجها نحن، فمن سيفعل ذلك؟ الجهات المسؤولة، رغم الوعود المتكررة، لم توفر الحد الأدنى من شروط الحماية، مما يفاقم الوضع في ظل برامج إزالة محدودة تعاني من نقص التمويل. الإحصاءات الرسمية بين 2017 و2022 تكشف عن مقتل 10546 شخصاً وإصابة 24458 آخرين نتيجة هذه المخلفات في عموم البلاد، بينما سجل برنامج تسجيل ضحايا الألغام في ذي قار منذ إطلاقه عام 2015 مقتل وإصابة 4658 شخصاً، وفي السنوات الأخيرة بلغت الضحايا 102 في 2023 وحدها، مع ارتفاع إلى 78 بين 2023 و2024، وثلاثة طلاب قتلوا في 2025.

ومع تزايد الضغوط، تظل الأراضي الصالحة للزراعة ملوثة، حيث يتركز التلوث في جنوب المحافظة، مما يحول حقولاً خصبة إلى مناطق محظورة. يعيش المواطنون، خصوصاً رعاة الأغنام، على وقع الخطر اليومي، فالقطعان تتجول في مناطق غير آمنة، وتؤدي الحوادث إلى خسائر اقتصادية هائلة، مع انخفاض إنتاجية الأراضي بنسبة تصل إلى 50 في المئة في بعض المناطق الجنوبية بسبب الجفاف المركب مع التلوث.

أما الخرائط التي حددت مواقع الألغام فقد ضاعت مع سقوط النظام السابق، مما يعيق جهود التنظيف ويجعل المناطق أكثر غموضاً وخطورة. حجم التلوث في الأراضي العراقية هائل، يغطي آلاف الكيلومترات المربعة، ولا يتناسب مع الإمكانيات المتاحة، حيث أدى انخفاض التمويل الأمريكي في 2025 إلى إغلاق برامج في العراق، مما يؤخر إزالة ملايين الذخائر غير المنفجرة.

وتحدد هذه المعاناة حدوداً طويلة وأوقاتاً عصيبة، كما يؤكد الناجون، لتظل شاهداً على خطر باقٍ منذ خمسين عاماً بلا حلول جذرية، مهدداً حياة المدنيين وعناصر الأمن على حد سواء. يتطلب الأمر تدخلاً دولياً عاجلاً لتحويل هذه الأراضي من مناطق موت إلى حقول حياة.

 

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author moh moh

See author's posts

المصدر

المصدر: المسلة

إقرأ أيضاً:

ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي

دعا عضو مجلس الدولة الاستشاري سعيد ونيس إلى بناء مشروع وطني جديد في ليبيا قائم على المؤسسات والمواطنة والمشاركة السياسية، محذراً من الرهان على إعادة إنتاج تجارب سياسية سابقة تقوم على الاحتكار والإقصاء.

وقال ونيس، في تدوينة نشرها على حسابه بموقع فيسبوك، إن المشكلة لا تكمن في انتهاء مشروع سياسي بعينه، فكل المشاريع السياسية قابلة للنجاح والفشل، وإنما في تحول مشروع الدولة إلى ما يشبه الملكية الخاصة، وإدارة الوطن بمنطق الولاء بدلاً من منطق المؤسسات.

وأضاف أن التجارب السابقة قامت على احتكار المجال العام وإلغاء التعددية السياسية والفكرية، ما أدى إلى تضييق مساحة الاختلاف والنقد والمراجعة، وتحويل المجتمع إلى مجموعة من الأتباع بدلاً من مواطنين شركاء في صناعة القرار.

وأشار إلى أن تلك المرحلة أضعفت مفهوم التداول والتجديد السياسي ورسخت ثقافة التوريث السياسي والفكري، بحيث بدا المستقبل امتداداً لأشخاص أو دوائر ضيقة بدلاً من أن يكون استحقاقاً وطنياً مفتوحاً أمام جميع المواطنين.

ولفت إلى أن التناقض بين الشعارات والممارسات أسهم في إضعاف المؤسسات، موضحاً أن شعارات المشاركة الشعبية والسيادة والاستقلال لم تنعكس، بحسب رأيه، على وجود آليات فعالة للمساءلة والمحاسبة أو على توزيع حقيقي للسلطة.

وأكد ونيس أن الأزمة لم تكن مرتبطة بسقوط نظام سياسي فقط، بل بالنموذج الذي سبقه، معتبراً أنه قام على شخصنة السياسة وتغليب الولاء على الكفاءة واحتكار المجال العام على حساب المنافسة الوطنية.

وشدد على أن بناء المستقبل يتطلب الاستفادة من دروس الماضي لا العودة إليه، داعياً إلى إقامة نظام سياسي قادر على استيعاب الاختلاف وإدارة التنوع وتداول السلطة وصون الحقوق، ومؤكداً أن ليبيا تحتاج اليوم إلى مشروع وطني جديد يقوم على المؤسسات لا الأفراد، وعلى المواطنة والمشاركة بدلاً من التبعية والاحتكار.

مقالات مشابهة

  • ميدو عادل: النقاش مع الجيل الجديد أكثر صعوبة من الماضي
  • الصحة اللبنانية: 3468 شهيدا و10577 جريحا حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ 2 مارس الماضي
  • أحمد موسى: القوات المسلحة طهرت العلمين من 25 مليون لغم
  • صحة غزة: شهر مايو الماضي سجل أعلى عدد من الشهداء منذ بداية العام 2026
  • رسالة أميركية إلى بغداد: مطالبون بوقف التهديدات المنطلقة من الأراضي العراقية
  • غوغل تطلق ميزة جديدة تحوّل هاتف أندرويد إلى مساعد ذكي
  • الأغذية العالمي بلبنان: مليون و240 ألف شخص يواجهون انعداما بالأمن الغذائي
  • الصليب الأحمر اللبناني: لبنان يئن تحت وطأة "كارثة إنسانية" والنزوح المتكرر أقسى من الحرب
  • ونيس: نحتاج مشروعاً سياسياً يرفض إعادة إنتاج تجارب الماضي
  • حرائق الغابات تعود لكندا وتهدد منشآت الرمال النفطية في ألبرتا