مخزن التاريخ.. وإنصاف المؤرخ
تاريخ النشر: 6th, December 2025 GMT
حمد الصبحي
لا أحد يروي تاريخ عُمان بروح العاشق كما يفعل حاكم الشارقة سُّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي؛ فكلّما تحدّث، كانت عُمان تسكن طرف الحديث، وتتدلّى من حواف عباراته كحكاية قديمة تنتظر من يُوقظها.
لا يكاد يظهر في محفل علمي أو لقاء ثقافي أو إعلامي، إلّا وكان لعُمان نصيبٌ من كلامه؛ نصيب يشبه الاعتراف والوفاء، أو الدين الجميل الذي يسدّده بصمت نبيل، وكأنَّ بينه وبين هذه البلاد عهدًا لا يُقال لكنه حاضر في كل حرف.
في كل مرة يفتح كتابًا أو يعرض وثيقة، نشعر كأنَّ يده تتحرك على خزائن النسيان، وكأنه يعيد ترتيب الذاكرة التي بعثرها الاستعمار وخطفتها الروايات الأجنبية. وفي حضوره يعود البحر ليضيء، وتنهض الصحراء لتروي، وكأن كل ما أُغلق من زمن يُفتح من جديد بعين منصفة تعرف قيمة الحقيقة وتُدرك أثرها.
سُئل مرة سؤالًا مباشرًا: لماذا عُمان؟ لماذا كل هذا الشغف؟ لماذا السفر خلف الوثائق ومن مخازن الغبار إلى قاعات الضوء؟ وكانت إجابته، رغم بساطتها، تحمل روح رجل يعرف ما يفعل: «عُمان بلد أصيل، وبه مواقف وطنية مشرّفة في طرد المُحتل، تستحق أن يُنفض عنها الغبار وتُروى كما ينبغي». لم يكن يجيب فقط؛ بل كان يشرح بطريقة غير مباشرة الدافع الذي جعله يغوص في تاريخ هذه البلاد كما يغوص الغواص بحثًا عن لؤلؤ نادر.
ليس القاسمي مؤرخًا أو باحثًا يتقصى الماضي. إنه رجل حمل الوثيقة كما يحمل المرء رسالة مقدسة. ذهب إلى الأرشيفات التي تهابها المؤسسات، فاوض على وثائق نادرة، أنفق من ماله ووقته ليعيد للمنطقة تاريخًا ضاع في زحمة القوى الكبرى. بعض ما يحتفظ به من وثائق عُمانية لا تملكه المؤسسات الرسمية نفسها، وهو أمر يبعث على الفخر من جهة، وعلى الألم من جهة أخرى. فكيف لرجل جاء من خارج الحدود أن يكون أحرص على ذاكرتنا منا؟
هنا يتجدد السؤال الذي يعلقه التاريخ في الهواء: ماذا قدّمنا نحن له؟ نحن أبناء هذا الإرث الذي أعاد ترتيبه، وأصحاب هذا التاريخ الذي حمله بين يديه كأمانة؟ هل شكرناه كما ينبغي؟ هل احتفينا بجهده ومعرفته وصبره؟ أم أننا اكتفينا بالمشاهدة بينما يقوم هو بما كان ينبغي أن نقوم به نحن منذ زمن طويل؟
إن ما فعله القاسمي لم يكن مجرد كتابة. لقد أعاد لتاريخ عُمان صوته ومهابته، أنصف الوقائع، وواجه الروايات الاستعمارية بجرأة الباحث وثبات العادل. كتب تاريخًا جديدًا عبر وثائق قديمة، وأعاد للعالم صورة حقيقية عن الدور العُماني في البحر والتجارة والمقاومة. لم يتعصّب، ولم يزوّر، بل جعل الحقيقة ميزانه الوحيد، ولذلك أصبح مرجعًا أول لكل باحث يريد أن يفهم تاريخ المنطقة كما هو، لا كما قيل له أن يراه.
ووسط هذا كله، يبقى الامتنان أقل ما يمكن قوله: شكرًا لهذا المؤرخ النبيل، لهذا الإنسان الذي كان وفيًّا للذاكرة أكثر من كثير من أبنائها. شكرًا لعمق معرفته ولنزاهة بحثه، ولأنه حمل اسم عُمان في كتبه كما يحمل العاشق اسم حبيبته في قلبه. لقد أعاد فتح النوافذ التي أوصدها الزمن، وأضاء الطرق التي حاولت بعض القوى طمسها، وترك لنا تاريخًا يعاد اكتشافه كل يوم.
ويبقى السؤال معلّقًا، يرافق كل خطوة نخطوها نحو المستقبل: هل سنردّ يومًا هذا الجميل؟ هل سنعيد بناء ذاكرتنا بأيدينا، ونستعيد وثائقنا كما استعادها هو؟ أم سيظل التاريخ يذكر أن رجلًا من الشارقة حمل عُمان بين دفّتي كتبه قبل أن تحملها خزائن أبنائها؟
إلى أن نمتلك الإجابة، سيظل سلطان القاسمي شاهدًا على أن بعض الأصوات- حتى لو جاءت من خارج الدار- تستطيع أن ترى جمالها أكثر من أهلها، وتعيد إحياء ذاكرةٍ لم تكن تستحق أن تُترك للنسيان.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.