تشهد محافظة حضرموت شرقي اليمن تطورات ميدانية متسارعة منذ مطلع ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أدت إلى تحوّل جوهري في خريطة السيطرة داخل المحافظة التي تمثل أكثر من 40 بالمئة من مساحة البلاد.

وتسيطر القوات الموالية للحكومة اليمنية في وادي حضرموت، ومركزه مدينة سيئون، مع حضور بارز لحلف قبائل حضرموت بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، المطالب بإدارة ذاتية موسعة للمحافظة.



ويخضع ساحل حضرموت، ومركزه مدينة المكلا، لنفوذ القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، رغم تبعية الإدارة للمجلس الرئاسي.

وتعود شرارة التوتر إلى منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حين اندلعت اشتباكات في منطقة غيل بن يمين جنوب غربي الوادي بين حلف قبائل حضرموت ومسلحين محسوبين على الانتقالي الجنوبي، وتواصلت التطورات بسيطرة مسلحي قبائل حضرموت على موقع شركة المسيلة للنفط، لمنع ما قالوا إنه مخطط للقوات الموالية للانتقالي للتقدم نحو وادي حضرموت.

ورغم توقيع اتفاق تهدئة برعاية سعودية بين السلطات المحلية وحلف القبائل، تحركت قوات الانتقالي بسرعة لبسط سيطرتها على الوادي، بما في ذلك مقر المنطقة العسكرية الأولى، ومطار سيئون، والقصر الجمهوري.

وامتد نفوذ الانتقالي لاحقا إلى مواقع الشركات النفطية عبر قوات "النخبة الحضرمية" الموالية له.

وبعد يوم واحد فقط، أعلن المجلس الانتقالي في محافظة المهرة، شرقي اليمن، سيطرته على مواقع عسكرية وأمنية ومرافق حيوية، بينها مطار الغيضة ومنفذ شحن الحدودي مع سلطنة عمان، رغم تأكيد السلطات المحلية وجود تفاهمات بينها وبين القيادة السياسية، وأن الأوضاع "طبيعية" في عموم المهرة.

حضرموت.. ثقل جغرافي واقتصادي في قلب الصراع
تُظهر الأحداث أن محافظة حضرموت، الواقعة في قلب الصحاري الواسعة شرق اليمن، تمثل واحدة من أخطر عقد الصراع في المنطقة، إذ يختبئ في هذه الجغرافيا الشاسعة ملف يملك القدرة على تغيير مستقبل اليمن وربما إعادة رسم خريطة النفوذ في جنوب شبه الجزيرة العربية بأكملها.



وشكلت حضرموت خلال السنوات الماضية جزيرة هادئة نسبيا وسط عاصفة الحرب اليمنية، قبل أن تتسارع الأحداث وتدفع بالمحافظة إلى حافة الانفجار.

وتعد حضرموت أكبر محافظات اليمن، إذ تشكل نحو ثلث مساحة البلاد، وتضم حقولا غنية بالنفط والغاز تقدر بمليارات الدولارات، إلى جانب موانئ مطلة على بحر العرب وحدود برية واسعة مع السعودية.

وتشير تقارير إلى أن قطاع النفط والغاز هو أهم مصادر دخل الحكومة اليمنية الشرعية، ويساهم بما بين 60 و70 بالمئة من إيرادات الدولة، فيما تأتي حضرموت وشبوة المجاورة في طليعة المحافظات المنتجة للنفط، وبذلك، تمسك الجهة المسيطرة على حضرموت بجزء حيوي من شريان الاقتصاد اليمني.

وظلت حضرموت لفترة طويلة تحت سلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية، غير أن الواقع على الأرض كان أكثر تعقيدا، مع توزع النفوذ بين قوى محلية، أبرزها القبائل.

وبدأ المشهد يتغير بشكل أوضح في الآونة الأخيرة، عندما أصدر "حلف قبائل حضرموت" بيانا في آذار/ مارس الماضي أعلن فيه سيطرة قواته على منشآت نفطية في المحافظة، مبررا ذلك بأنه خطوة للدفاع عن "الثروات الوطنية" وحمايتها من أي تدخل خارجي.

حلف قبائل حضرموت والمجلس الانتقالي.. صراع نفوذ محلي
يمثل "المجلس الانتقالي الجنوبي" الطرف المقابل في المعادلة، وهو كيان سياسي وعسكري يسعى لانفصال جنوب اليمن، بما فيه حضرموت، عن الشمال.

ويحظى المجلس بدعم من دولة الإمارات، وتقاتل القوات الموالية له تحت مسمى "قوات النخبة الحضرمية"، التي أنشأتها أبوظبي عام 2016 بدعوى محاربة تنظيم القاعدة.

وفي المقابل، يشكل "حلف قبائل حضرموت" تحالفا قبليا واسعا يقوده عمرو بن حبريش، الذي يشغل أيضا منصب الوكيل الأول لمحافظة حضرموت.

وتأسس الحلف عام 2013، ويعتبر نفسه الممثل الشرعي لمصالح أبناء حضرموت في مواجهة أي محاولات لفرض مشاريع خارجية عليهم، بما في ذلك مشروع الانفصال الذي يدعمه المجلس الانتقالي.

ويرى الباحث أحمد ناجي، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، أن الحلف يعتبر الحكومة اليمنية الحالية عاجزة عن مواجهة المجلس الانتقالي، بل باتت تعمل داخل نطاق نفوذه، ما دفع القبائل إلى محاولة فرض أمر واقع جديد على الأرض.

ويقف المشهد اليوم بين قوتين رئيسيتين: قبائل حضرموت، التي تمثل هوية حضرمية مستقلة وتعلن ولاءها للحكومة الشرعية المدعومة من السعودية، من جهة؛ و"النخبة الحضرمية" التابعة للمجلس الانتقالي والمدعومة إماراتيا، الساعية لتحقيق انفصال الجنوب، من جهة أخرى، ويشكل الاحتكاك المتزايد بين الطرفين شرارة تهدد بإشعال الوضع في أي لحظة.

تنافس سعودي إماراتي على العمق الاستراتيجي
يوضح د. داوود الأنصاري، الخبير في شؤون الطاقة والخليج ورئيس مركز مجلس مجن الفكري، أن الصراع في حضرموت يجب فهمه في إطار التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات خلال السنوات الأخيرة، وهو نمط مستمر منذ نحو عقد، تجلى بوضوح في سلوك الوكلاء المحليين للطرفين داخل اليمن.



وتستمد السعودية اهتمامها بحضرموت من كونها عمقا استراتيجيا لها، إذ تمتلك المحافظة حدودا برية طويلة مع المملكة من جهة الربع الخالي، إضافة إلى سواحل واسعة على بحر العرب.

وبحسب تقرير سابق لمؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي"، تنظر الرياض إلى حضرموت باعتبارها منفذاً مباشرا لها على بحر العرب، ما يسمح بتنوع طرق التجارة وطرق تصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

وفي حال تمكنت السعودية من ترسيخ نفوذ قوي على ساحل حضرموت، فستحصل عمليا على منفذ ثالث على مسطحات مائية استراتيجية بعد الخليج العربي والبحر الأحمر.

أما الإمارات، فلها مصلحة سياسية وعسكرية في حضرموت، وفق خبراء ومحللين، إذ ستؤدي سيطرة المجلس الانتقالي على المحافظة الغنية بالنفط إلى تعزيز مشروعه الانفصالي ومنحه قوة اقتصادية وسياسية كبيرة.

كما تعمل أبوظبي منذ عام 2016 على بناء وجود عسكري واسع على طول الساحل الجنوبي لليمن المطل على بحر العرب وباب المندب، بما يشمل جزيرة سقطرى وميناء بلحاف، وتشكل حضرموت الحلقة الأهم في هذا النفوذ الساحلي الممتد باتجاه مضيق هرمز.

ويرى خبراء أن النفط اليمني ليس هدفا اقتصاديا مباشرا للرياض أو أبوظبي، إذ إن تكلفة الانخراط العسكري والسياسي في اليمن تفوق بكثير أي عوائد محتملة من النفط اليمني، لكن السيطرة على الحقول والمنشآت النفطية تبقى ورقة ضغط مهمة، تمكن الطرف المسيطر من تمويل قواته وتعزيز موقفه التفاوضي واكتساب شرعية باعتباره الطرف الذي "يدير الثروات".

مخاطر الصدام وانعكاساته الإقليمية
يحذر تقرير لمؤسسة كارنيغي من أن التنافس المتنامي بين السعودية والإمارات، عبر وكلائهما المحليين، يعرض استقرار حضرموت للخطر، وقد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الداخلية.

ويعتبر التقرير أن السيناريو الأسوأ يتمثل في اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين قوات القبائل المدعومة سعوديا و"النخبة الحضرمية" المدعومة إماراتيا، بما سيدفع الحرب في اليمن إلى مرحلة جديدة بالكامل.

ويرجح التقرير أنه في حال اندلاع هذا النوع من المواجهة، قد تُدمَّر آخر مناطق الاستقرار النسبي في البلاد، ويُدفع الاقتصاد اليمني نحو انهيار أعمق، وتُفتح الساحة أمام عودة تنظيم القاعدة بقوة في المناطق التي قد تُترك فراغاً نتيجة انشغال القوى المتصارعة بمواجهة بعضها بعضا.

ويمتد تأثير الصراع في حضرموت إلى خارج اليمن أيضا، إذ يشكل عدم الاستقرار في هذه المحافظة تهديدا مباشرا لأمن البحر الأحمر وباب المندب، المدخل الجنوبي الذي تمر عبره نحو 10 بالمئة من تجارة العالم، وهو شريان حيوي لقناة السويس المصرية.

كما يفرض التنافس الإقليمي في جنوب الجزيرة العربية مواقف دبلوماسية حساسة على دول مثل مصر، بين حلفاء خليجيين تربطهم بها شراكات استراتيجية.

وفي المقابل، يرى محللون أن الحديث عن توتر حاد بين السعودية والإمارات قد يكون مبالغا فيه، مشيرين إلى وجود تنسيق مستمر بين البلدين على أعلى المستويات، وأن الخلافات في اليمن تتعلق بالتكتيكات لا بالاستراتيجيات، غير أن الوقائع على الأرض، ولا سيما استمرار دعم كل طرف لحلفائه المحليين في حضرموت والمهرة، تشير إلى مستوى تنافس أوسع مما تحاول بعض التقارير تقديمه بصورة مخففة.

المعركة الحاسمة تتجه نحو صنعاء
يكشف الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، محمد بن فيصل، في مقابلة صحفية، عن "تفاهم عسكري أمني" جرى ترتيبه لتسليم محافظة حضرموت، ولاحقا تسليم محافظة المهرة، للمجلس الانتقالي الجنوبي.

ويشير في تحليله إلى أن ما يجري لا يقتصر على حضرموت وحدها، بل يرتبط بتحضيرات لمعركة أكبر، مؤكدا أن دول الإقليم والنفوذ في اليمن "لن تسمح" للقوى المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين حزب الإصلاح بدخول العاصمة المحتلة صنعاء أو السيطرة عليها لاحقا.



ويضيف الخبير: "الاتجاه الفعلي للأحداث، والمعركة الحقيقية، يتجهان نحو صنعاء، لقد خدعوكم حين قالوا إنه صراع نفوذ".

ويؤكد أن حضرموت ليست سوى "ورقة" ضمن ملفات يجري ترتيبها، مشددا في الوقت ذاته على أن الوضع من وجهة نظره "ليس خطيرا"، وأن الأحداث ليست محتدمة، ويشير بن فيصل إلى أن الشيخ عمرو بن حبريش، فيما يبدو، أدى دوره ضمن هذا السياق وأسهم في التمهيد لخطوات يُراد لها أن تتحقق، وخلق مبرراً لدخول القوات.

حضرموت.. تحولات الإقليم وكلفة يدفعها اليمنيون
بدوره، يؤكد الباحث أحمد ناجي أن مستقبل حضرموت يبقى مرهونا بحزمة من العوامل، أبرزها مسار الأزمة اليمنية ككل، وإمكان التوصل إلى تسوية سياسية مع جماعة الحوثيين، إضافة إلى طبيعة ومستوى التفاهمات الممكنة بين السعودية والإمارات في المرحلة المقبلة.

وتظهر حضرموت اليوم باعتبارها أكثر من مجرد محافظة يمنية، فهي مرآة تعكس تحولات عميقة في تحالفات المنطقة، وساحة اختبار لنفوذ القوى الإقليمية، ومحطة محورية في سباق جيوسياسي طويل.

وبينما تظل الحرب الباردة بين الحوثيين والحكومة اليمنية جزءا من المشهد، تبقى "الحرب الباردة" الأخطر هي تلك الدائرة بين حلفاء الأمس حول تقاسم النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب، في صراع يدفع اليمنيون ثمنه من دمهم واقتصادهم ومستقبلهم.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية اليمن المجلس الانتقالي السعودية الإمارات السعودية اليمن الإمارات المجلس الانتقالي أخبار المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة بین السعودیة والإمارات الانتقالی الجنوبی المجلس الانتقالی حلف قبائل حضرموت النخبة الحضرمیة محافظة حضرموت على بحر العرب فی حضرموت فی الیمن

إقرأ أيضاً:

ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟

 

حين قررت إدارة ترامب وضع ملفي سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة وتسليمها لتوم باراك، لم تكن مجرد تسمية لمبعوث جديد، بل كانت إعلانًا صريحًا عن تغيير قواعد اللعبة في المشرق العربي. واشنطن اليوم تقلب الطاولة على أساليبها القديمة؛ وبدلاً من سياسة العقوبات والضغط المستمر، يبدو أنها تتجه نحو تفاعل مباشر قد يشمل صفقات وتقاربات غير متوقعة.
​الأهم هنا هو الوعي الأمريكي المستجد بأن دمشق وبغداد ملف واحد لا ينفصل، وأن إدارة هذه المنطقة لا يمكن أن تنجح بالانفراد، بل من خلال نسج شبكة مصالح مشتركة تجمع تركيا وسوريا والعراق معاً.
​هذا التحول يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما نجاح هذه الهندسة السياسية وبالتالي محاصرة النفوذ الإيراني وتقليص الدور الروسي لصالح عودة أمريكية قوية، أو الفشل الذي سيعني ارتداداً عنيفاً يغرق المنطقة في موجة توتر جديدة.
​المحك الحقيقي الآن لا يكمن في ذكاء الخطة، بل في قدرة إدارة ترامب على توفير الدعم والنفَس الطويل لتنفيذها، فهل نحن أمام رؤية استراتيجية متكاملة، أم مجرد مسكّن مؤقت للأزمة؟ الإجابة لن تتأخر كثيراً، وستكتبها التحركات الأولى لتوم باراك على الأرض وردود الفعل القادمة من دمشق وبغداد.

حين تبحث في كواليس واشنطن عن تفسير لجرأة التحركات الأخيرة في المشرق العربي، ستجد أن الإجابة تبدأ من طبيعة الرجل الذي اختاره ترامب لهندسة هذه المرحلة، وهو أن توماس باراك لا ينتمي إلى تلك الطبقة التقليدية من الدبلوماسيين الذين يديرون الأزمات بالورقة والقلم من خلف المكاتب المغلقة، بل هو أقرب لعقلية برجل الصفقات الميداني الذي يمتلك توليفة استثنائية من النفوذ السياسي والخلفية الشخصية، جعلته الأداة الأنسب لقلب الطاولة في المنطقة، و​هذا النفوذ يترجمه باراك اليوم من فوق مقعده كسفير للولايات المتحدة في أنقرة، وهو موقع يمنحه بالتبعية مفاتيح رئيسية للتحكم في خيوط الملف السوري، فبعد أن تسلم ملف سوريا كمبعوث خاص، جاء القرار الأخير بتوسيع صلاحياته ليشمل العراق أيضاً، ليصبح الرجل بمثابة المايسترو الذي يدمج الساحتين لأول مرة تحت رؤية تنسيقية واحدة ونافذة.

​لكن أبعد من المناصب هناك بعد إنساني وثقافي يمنح باراك تفوقاً نوعياً، فالرجل الذي يعود بجذوره إلى أصول لبنانية يفهم جيداً الشفرة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية، ولديه قدرة أعلى على بناء الجسور والتحدث بلغة يفهمها الفاعلون على الأرض، بعيداً عن الجفاء الدبلوماسي الغربي المعتاد، ​ومع ذلك لا ينبغي إغفال العقلية التي تحركه فباراك يتحرك بعقيدة سياسية صارمة تلخصها مدرسة أمريكا أولاً، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية ماركو روبيو بوضوح حين وضعه في خانة الموثوقين القادرين على تطويع هذه الأوراق المعقدة لصالح واشنطن، فنحن إذن أمام شخصية تجمع بين مرونة الجذور وحسم الأجندة، مما يجعله المحرك الفعلي لأي نظام إقليمي جديد يتشكل في دمشق وبغداد.

أما عن الجمع بين سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة ليس مجرد ترتيب إداري لتخفيف زحام المبعوثين، بل هو اعتراف أمريكي بواقع الأرض، فواشنطن أدركت أخيراً أن الفصل بين بغداد ودمشق كان خطأً استراتيجياً، طالما أن الحدود بينهما تكاد تكون ملغاة فعلياً أمام تحركات السلاح والفصائل وشبكات النفوذ، ​من هنا تسعى إدارة ترامب لفرض نفسها كوسيط وحيد لإدارة التنسيق الأمني والعسكري بين الدولتين، وهي خطوة ذكية لسحب هذا الملف من يد أطراف إقليمية أخرى، والأهم أن هذه المظلة الموحدة ستمنح واشنطن ورقة ضغط قوية، فبدلاً من تفاوضها مع كل دولة على حدة، ستصبح حوافز مثل رفع العقوبات أو أموال إعادة الإعمار عبارة عن صفقة إقليمية واحدة وشاملة، تُعرض على دمشق وبغداد معاً مقابل ثمن سياسي وأمني محدد.

واتذكر حين رفع ترامب العقوبات عن سوريا في مايو 2025، فكان يمهد لسياسة جديدة قائمة على الصفقات المباشرة، ومنذ ذلك الوقت بدأ توماس باراك يتحرك لفتح القنوات المغلقة مع دمشق، وجاء قراره الأخير ليوكد أن واشنطن تريد تحويل هذا التقارب إلى مسار دائم، و​الفكرة هنا بسيطة وذكية فبدلاً من ترك دمشق مجبرة على الارتماء في أحضان روسيا وإيران بسبب العزلة، قررت إدارة ترامب أن تجلس مع النظام السوري على طاولة حوار واحدة، لأن أمريكا تدرك أن أفضل طريقة لإبعاد طهران وموسكو هي تقديم بدائل حقيقية لدمشق، واللعب على ورقة الاستقرار ومحاربة التطرف، لتضمن واشنطن في النهاية أنها أصبحت اللاعب الأهم في المنطقة.

وأن جمع باراك بين منصب السفير في أنقرة ومهمته الجديدة في سوريا والعراق ليس مجرد جمع بين وظيفتين، بل هو اعتراف ذكي من واشنطن بأن مفاتيح الحل في المشرق العربي تمر حتماً عبر تركيا، فإدارة ترامب تدرك أنك لا تستطيع تفكيك العقدة السورية دون وجود شريك إقليمي قوي بوزن أنقرة على نفس الطاولة، 
و​الخطة هنا تعتمد على استغلال النفوذ التركي لترتيب الأوراق، بحيث تلعب أنقرة دور الجسر الذي يساعد في إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي، وهذا التنسيق الثلاثي الناشئ بين واشنطن وأنقرة ودمشق يهدف إلى خلق معادلة مصالح جديدة، تضمن لتركيا أمن حدودها، ولأمريكا تقليص خصومها، ولدمشق العودة للمشهد، مما قد يفتح الباب أخيراً لتسوية حقيقية للأزمة السورية بعيداً عن التدخلات الخارجية الأخرى.

وما زلت اتذكر حين صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن باراك هو الرجل الأنسب لتطبيق أجندة أمريكا أولاً في المنطقة، لم يكن يتحدث بشعارات انتخابية، بل كان يلخص الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في كلمتين الا وهي دبلوماسية أقل كلفة ومكاسب أكبر، و​الفكرة هنا قائمة على فلسفة بسيطة وهي واشنطن لم تعد مستعدة لإنفاق تريليونات الدولارات في حروب عسكرية لا تنتهي بالشرق الأوسط، والبديل الذكي هو استخدام الدبلوماسية والصفقات المباشرة لحماية مصالحها الأساسية، وباراك سيتحرك لتركيز الجهود الأمريكية حول ملفات محددة ومباشرة، مثل مكافحة الإرهاب، تأمين خطوط الطاقة، وقطع الطريق أمام النفوذ الصيني والإيراني المتزايد، وهذا التحول المرن يسمح لإدارة ترامب بتحقيق أهدافها الإقليمية بأقل خسائر ممكنة، وفي نفس الوقت إعادة توجيه الموارد والتركيز نحو الداخل الأمريكي.

إذا جمعنا كل هذه الخيوط والمؤشرات معاً، وقارنا هذا التحرك بما كان يحدث في الماضي، يبدو واضحاً أن ما يفعله ترامب اليوم عبر توماس باراك ليس مجرد تبديل وجوه، بل هو انقلاب كامل في طريقة تفكير واشنطن تجاه منطقتنا، واننا أمام قواعد لعبة جديدة تماماً تختلف عن كل ما عشناه مع الإدارات الأمريكية السابقة.
ف​الملفات التي كانت واشنطن تديرها بالقطعة، فتقارب سوريا بمعزل عن العراق، صُهرت اليوم في بوتقة واحدة، والمنصب نفسه لم يعد مجرد لقب لمبعوث تقليدي، بل تحول إلى تفويض رئاسي ثقيل يتحرك به باراك وهو لا يزال ممسكاً بمقعد السفارة في أنقرة، ما يعني أن الدور التركي لم يعد على الهامش بل أصبح في قلب الطاولة.

و​لكن التحول الأبرز يكمن في العقلية نفسها، فالإدارة الأمريكية تجاوزت أخيراً لغة العقوبات والضغط التي أثبتت عقمها، لتفتح الباب لرفع القيود والتقارب المباشر، ولم تعد المعركة مقتصرة على فكرة مواجهة إيران من بعيد، بل تحولت إلى بناء تفاهمات عملية مع دمشق وبغداد على أرض الواقع، و​هذا التغيير يعكس نضجاً سياسياً مختلفاً لإدارة ترامب باتباعه استراتيجية واقعية تبحث عن الصفقات الممكنة بدلاً من الغرق في الشعارات، وتؤكد أن واشنطن قررت أخيراً أن تدير مصالحها في الشرق الأوسط بعيون ترى الواقع كما هو، لا كما تتخيله المكاتب المغلقة.

مقالات مشابهة

  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي
  • لولا وجودي لكنت في السجن .. الإعلام الإسرائيلي : أزمة ترامب ونتنياهو تكشف صراع النفوذ خلف الكواليس
  • «مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • إنفوجرافيك | الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟