موقع النيلين:
2026-06-02@22:24:46 GMT

هل الفيل كفيل؟

تاريخ النشر: 7th, December 2025 GMT

تميزت تعليقات الكثيرين من قادة الشرطة على دفاتر الأحوال بجزالة العبارة التي تجمع بين الحكمة والمهنية والطرافة. ومن بينها ما خطه قلم الراحل السيد المقدم شرطة سيد الحسين عثمان – الفريق أول لاحقًا ونائب مدير عام الشرطة الأسبق – حين كان رئيسًا للقسم الأوسط الخرطوم (الجنوبي سابقًا).

فعند اطلاعه على دفتر الأحوال في الصباح، وجد قيدًا يشير إلى توزيعات قوة الدوريات الراجلة، ومن بينها الشرطي “الفيل” في دورية سوق السجانة، فعلق سعادته قائلًا: “وهل الفيل كفيل؟!”، ويعني هل الشرطي الفيل وحده كفيل بتغطية سوق السجانة على كِبَر مساحته؟!

هذا التعليق الطريف والعميق في آنٍ واحد يحمل روح الدعابة، لكنه يثير تساؤلًا مهنيًا جادًا يمكن إسقاطه على واقعنا اليوم: هل التحول الرقمي كفيل؟

خطوة حكومة الأمل، بتوجيه رئيس مجلس الوزراء د.

كامل إدريس نحو تفعيل منصة “بلدنا”، تُعد خطوة مهمة في طريق الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد. فالعالم اليوم يتجه نحو الرقمنة لترسيخ الشفافية وضمان عدالة الخدمات، وقد أحسن رئيس الوزراء حين ربط التحول الرقمي بالحد من الفساد، فالمعاملات الورقية المعقدة لطالما كانت مدخلًا للمحسوبية وتعطيل مصالح الناس.

غير أن التجربة أثبتت أن التقنية وحدها لا تكفي، فالنزاهة لا تُنتجها الأجهزة ولا تُولدها المنصات. التحول الرقمي يمكن أن يضيّق منافذ الفساد، لكنه لا يغني عن إصلاح إداري وتشريعي يعيد الانضباط للمؤسسات، ويُرسخ قيم العدالة والمساءلة، ويقوِّي الأجهزة الرقابية ويمنحها استقلالها المهني.

ومن واقع التجربة، فإن محاربة الفساد لا تبدأ من الرقابة فقط، بل من تحسين الظروف المعيشية للعاملين، وهو ما انتبهت إليه المواثيق الدولية. فالسودان طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد منذ عام 2014، وهي التي وضعت معايير لتعزيز النزاهة في الخدمة العامة، من بينها ضرورة توفير مرتبات مناسبة ونُظم أجور عادلة تكفل حياة كريمة للعاملين، كما ورد في المادة (7) من الاتفاقية. وهي ذات الفكرة التي أكدها قرار الإنتربول في دورته الحادية والسبعين عام 2002 حول مكافحة الفساد داخل أجهزة الشرطة، حين دعا إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان مستوى رواتب يتيح لضباط الشرطة والموظفين الحفاظ على مستوى معيشي معقول دون الاضطرار إلى ممارسة عمل آخر أو اللجوء إلى الفساد.

وإلى جانب هذه الجوانب المعيارية، فإن توقيع السودان على الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد يتيح له الاستفادة من الدعم الفني والمادي وبناء القدرات المؤسسية، عبر برامج تدريب وتأهيل، وتبادل خبرات، وتطوير نظم استرداد الأموال المنهوبة، وهي فرص يمكن للحكومة توظيفها في دعم التحول الرقمي ومكافحة الفساد بصورة عملية ومستدامة.

إن تطبيق مثل هذه المعايير لا يحتاج سوى إرادة سياسية جادة تدرك أن مكافحة الفساد تبدأ من تحصين الموظف ضد الحاجة والإغراء، لا بمطاردته بعد الوقوع في الخطأ. ومن هنا، فإن على حكومة الأمل أن تُفعّل هذه التدابير الوقائية في الخدمة المدنية وأجهزة إنفاذ القانون، وأن تُراجع سلم الرواتب والحوافز بما يحقق التوازن بين الواجب والمسؤولية.

وعلى المستوى الوطني، فقد نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019م على إنشاء المفوضية القومية لمكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، وصدر قانون ينظم أعمالها وسلطاتها، وهو إنجاز يمكن البناء عليه بتطوير القانون بما يواكب المستجدات، ويضمن أن تكون المفوضية أداة للعدالة لا ساحة لتصفية الخصومات السياسية.

إن التحول الرقمي سيكون خطوة ناقصة إن لم يُرافقه إصلاح مؤسسي ومناخ وظيفي كريم يضمن كرامة العامل العام. فحين يشعر الموظف بأن الدولة تحفظ حقه وتكافئ جهده، يصبح هو نفسه خط الدفاع الأول ضد الفساد، لا طرفًا فيه.

وعودًا على ذي بدء، وعلى نسق عنوان المقال، نعيد طرح السؤال إلى السادة المختصين والمهتمين: هل التحول الرقمي كفيل؟

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2025/12/07 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة تسريبات وافتراضات مقتل دقلو2025/12/07 قوم لا للحرب قوم مجرمون مثلهم مثل كل من قتل أو آذى نفساً بغير وجه حق2025/12/07 أمريكا كانت تعرف، فلماذا سمحت بذبح السودانيين؟2025/12/06 ثالوث الإنكار لتبرئة الغزاة2025/12/06 العاقل من اتعظ بغيره!2025/12/06 مقترحات لبناء سودان جديد2025/12/06شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس…) 2025/12/06

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: التحول الرقمی

إقرأ أيضاً:

لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟

رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.

ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض. 

فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئيةافتراس غامض.. علماء يرصدون نجوما تلتهم كواكب شبيهة بالأرضالفطريات تمهد طريق البشر للمريخ.. هل اقترب حلم استعمار الكوكب الأحمر؟رصد كوكب غريب.. صباحات ملبدة بالسحب على بعد 299 سنة ضوئيةصخور غامضة فوق سطح المريخ.. اكتشاف يفتح بابا جديدا لأسئلة الكوكب الأحمرهلال فضي فوق الكوكب الأحمر.. مشهد نادر للمريخ | ايه الحكايةأكبر شلال على الأرض

رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.

ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء. 

ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.

وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة. 

كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.

ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟

لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.

ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات. 

ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.

ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.

طباعة شارك أكبر شلال على الأرض شلال مضيق الدنمارك أين يقع أكبر شلال في العالم أهمية شلال مضيق الدنمارك قصة أكبر شلال في العالم

مقالات مشابهة

  • القضاء العراقي يضبط 40 عقارا و10 ملايين دولار في قضية مسؤول نفطي سابق
  • من القاهرة.. انطلاق منصة أفريقية لاكتشاف اﻟﻤﺒﺘﻜﺮﻳﻦ
  • مصر عاصمة التعهيد الرقمي
  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • من الأردن إلى أمريكا.. يوم حافل بـ«الحوادث والكوارث» حول العالم
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • وزير الصناعة والتجارة يؤكد على الانضباط الوظيفي ومكافحة الفساد وينفذ نزولا ميدانيًا على المراكز التجارية بعدن
  • معارض الغذاء تقود التحول التكنولوجي بعوائد 176 مليون دولار
  • اقتصادي: مبادرة شمس الصناعة تشجع على التحول للطاقة النظيفة وتوفرالوقود