جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@22:57:15 GMT

مثل شعبي وواقع معاصِر

تاريخ النشر: 7th, December 2025 GMT

مثل شعبي وواقع معاصِر

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

الأمثال الشعبية مرآة تعكس عقول الناس وتجاربهم وتختصر في كلمات قليلة معاني عميقة وحقائق إنسانية اكتسبتها الشعوب عبر المواقف والأحداث، ومن بين هذه الأمثال التي تحمل دلالات بعيدة المدى المثل العربي القائل "ما كل من ركب حصانًا خيَّالٌ"، هذا المثل يُستخدم للدلالة على أن المظاهر لا تكفي وحدها لإثبات الكفاءة، وأن امتلاك الوسائل أو الأدوات لا يعني بالضرورة امتلاك المهارة أو القدرة الحقيقية.

وفي المعنى اللغوي والمجازي للمثل نجد أن الخيال في الثقافة العربية هو الفارس الذي يركب الحصان ويتقن فنون الفروسية وكان ينظر إليه؛ باعتباره رمزًا للشجاعة والمهارة والقيادة، أما ركوب الحصان في حد ذاته فلا يكفي ليجعل الإنسان فارسًا متمرسًا فالكثيرون قد يجلسون على ظهر الخيل لكن القليل منهم من يُتقن السيطرة عليه، ويستطيع خوض المعارك أو قطع المسافات في أصعب الظروف.

وعليه فإن المثل يُراد به أن الهيئة الظاهرة لا تكشف دائمًا عن الجوهر الحقيقي فليس كل من بدا في صورة الفارس أو لبس زي الفرسان يمتلك روح الفروسية وقدراتها. ولو نظرنا في أبعاد المثل الاجتماعية والثقافية فإنه ينطبق هذا المثل على كثير من جوانب الحياة اليومية، ففي المجتمع قد نرى أشخاصًا يتولون مناصب قيادية أو يحملون ألقابًا رنانة لكن أداؤهم العملي لا يرقى إلى مستوى تلك المناصب، كما نرى آخرين يتزينون بمظاهر الوجاهة والثراء غير أن جوهرهم يخلو من القيم والأخلاق التي تعكس أصالة الشخصية، ومن يحملون شهادات واقعهم وأفكارهم مختلف عن ثقافة ودرجة تلك الشهادة، وهذا المثل يوجّه رسالة إلى الناس بضرورة التفريق بين الظاهر والباطن وعدم الاغترار بالمظاهر الخادعة؛ سواء كانت مالًا أو منصبًا أو مظهرًا اجتماعيًا أو ثقافيًا وأدبيًا أو شهادة علمية أو مكانة مرموقة، فالجوهر يختلف عن المظهر.

يتجلى معنى المثل في مجالات العمل والمؤسسات أيضًا، فليس كل من حصل على شهادة علمية أو تقلّد منصبًا يستطيع أن يبدع أو يقود الآخرين نحو النجاح؛ فالشهادة مثل "الحصان" تمنح صاحبها وسيلة لكن "الخيَّال" الحقيقي هو من يُتقن توظيف معرفته ومهاراته ويترجمها إلى إنجاز ملموس وواقع في حياته يشهد عليه الآخرون.

وكذا الحال في المجال الفني مثلًا ليس كل من امتلك آلة موسيقية صار موسيقيًا بارعًا، وليس كل من حمل ريشة وألوانًا صار رسامًا، فالفن مثل الفروسية يحتاج إلى موهبة وممارسة وصبرٌ طويل ليصير الإنسان أهلًا لحمل اللقب.

وللمثل ذاته حكمة أخلاقية؛ فهو يُرشدنا إلى التحلي بالتواضع وإدراك أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في أفعاله لا في مظهره، فالخيال لا يُعرف بفرسه الجميل فحسب، وإنما بمهارته في ترويضه وخوض المعارك به، وكذلك الإنسان لا يُقاس بملابسه ولا بألقابه؛ بل بما يقدمه من أعمال نافعة وما يظهره من أخلاق رفيعة.

في عصرنا الحديث نجد تطبيقات في حياتنا المعاصرة نجد هذا المثل صالحًا أكثر من أي وقت مضى، فقد أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة "المظاهر الافتراضية"؛ حيث يَعرض كثير من الناس حياةً مترفةً مزيفةً وصورًا مُنمقةً توحي بالنجاح والتألق، بينما واقعهم مختلف تمامًا، وهنا يبرز المثل ليذكرنا بأن "ليس كل من ركب حصانًا خيَّال" أي ليس كل من بدا ناجحًا أو سعيدًا في صورته الافتراضية هو كذلك فعلًا. كما ينطبق المثل على ميدان الخطابة والثقافة والأدب أو غيرها؛ حيث يُمكن أن يتصدر المشهد من يملك الخطابة أو الحضور لكنه يفتقر إلى الحكمة والقدرة الحقيقية على خدمة وطنه ومجتمعه فالمسؤولية تحتاج إلى "خيَّال" متمرس يعرف كيف يقود لا إلى مجرد راكب حصان يُثير الغبار، المثل ينتقل بنا بين التراث والحاضر، فإن العرب قديمًا أدركوا أن الفروسية ليست مجرد ركوب خيل؛ بل منظومة قيم تشمل الشجاعة، والكرامة، والشهامة، والإقدام. واليوم نحن بحاجة إلى استلهام هذه الحكمة في ميادين الحياة الحديثة لندرك أن الموهبة والجد والاجتهاد هي ما يصنع التفوق الحقيقي لا مجرد امتلاك الأدوات أو إظهار المظاهر.

من هنا نجد أن المثل العربي "ما كل من ركب حصانًا خيَّالٌ" يختصر رؤية إنسانية عميقة في كلمات قليلة؛ فهو يدعونا إلى عدم الانخداع بالمظاهر وإلى البحث عن الجوهر والقيمة الحقيقية للأشخاص والأشياء، كما يذكّرنا بأن الألقاب والأدوات لا تكفي لصناعة المجد؛ بل إن الجد والاجتهاد والإخلاص والمهارة هي التي تضع الإنسان في مكانه الصحيح، وهكذا يبقى هذا المثل صالِحًا لكل زمان ومكان مرشدًا لنا في حياتنا العملية والاجتماعية ليعلمنا أن الخيَّال الحقيقي يُعرف بالفعل لا بالقول أو المظهر.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

حرية النباح!

عندما يوجد انقسام مجتمعي، حول ظاهرة ما، أو قضية بعينها، ثم تتحول إلى ساحة جدلية للمزايدة الأخلاقية، فإن جوهر الحكمة يتجسد في مقولة «أرسطو»: «الفضيلة هي الوسط بين طرفين، من الإفراط والتفريط».
خلال الفترة الأخيرة، جسَّدت قضية تزايد انتشار كلاب الشوارع، نموذجًا صارخًا لهذا الانقسام، كإحدى أكثر الظواهر إثارة للجدل، بين مَن يدعو للتعامل معها بعاطفة مطلقة، ويتجاهل مخاطرها على الإنسان، ومَن يطالب بحلول قاسية لا تُراعي الجوانب الأخلاقية، فيما يغيب صوت العقل الباحث عن التوازن.
لذلك، عندما يشتكي أحد من خطورة الكلاب، مطالبًا بالحد من انتشارها، يجد نفسه متهمًا بالقسوة وانعدام الرحمة وكراهية الحيوانات، أما إذا تحدث آخر عن طفل فَقَدَ حياته، أو سيدة تعرضت لإصابة، أو كبار سنٍ يخشون السير ليلًا بالشوارع، فيتم اعتبار تلك الوقائع هامشية، أمام خطابات عاطفية غير مبرَّرَة!
اللافت أن بعض «النشطاء» يتعاملون مع حقوق الكلاب بحماسة، قد لا نجد مثلها في الدفاع عن حقوق البشر أنفسهم، بينما تتسع صدورهم لنقاشات تتعلق بالحيوانات، ويضيقون بأي رأي مخالف، لتتحول الممارسات إلى محاكم تفتيش، تُصدر أحكامها سريعًا على كل مَن يطالب بحلول، وكأن الرحمة أصبحت حقًا حصريًا للكلاب، أما الإنسان فعليه أن يبرر خوفه أولًا، ثم يثبت استحقاقه للأمان بعد ذلك!
بكل أسف، إن وضع الإنسان في مقارنة مع الحيوان، يمثل معادلة زائفة ومغلوطة، فالمجتمعات «المتحضرة» لم تحل المشكلة عبر القتل العشوائي، ولم تترك الشوارع أيضًا تحت رحمة التكاثر غير المنضبط!
لذلك، نتصور أن المعالجة الحقيقية لا تحتاج مزيدًا من النباح، ولا افتعال معارك افتراضية تُدار بالتخوين أو تبادل الاتهامات، بل قدرًا من العقلانية والمسؤولية، والإقرار بأن الرحمة لا تتجزأ، وحياة الإنسان ليست أقل قيمة من حياة الحيوان.
إذن، يجب إيجاد حلول واقعية، تحمي الإنسان من الخطر، وتحفظ للحيوان حقه، دون أن يتحول أحدهما إلى ضحية للآخر، من خلال برامج واسعة للتعقيم والتطعيم، ومراكز إيواء مؤهَلة، وتشريعات صارمة تمنع التخلي عن الحيوانات المنزلية بالشوارع، والتخلص أولًا بأول من القمامة المنتشرة، ثم التدخل السريع في المناطق التي تشهد خطورة فعلية على السكان.
أخيرًا.. تبقى القضية اختبارًا لقدرتنا على تحقيق التوازن بين العاطفة والعقل، حتى لا تتحول الشوارع إلى مأوى مفتوح للكلاب على حساب أمن الناس، كما لا يكون الحل في القسوة والتخلص غير الإنساني منها، ليبقى المعيار الأهم هو الحكمة في التعامل، فالمجتمعات لا تُقاس بكيفية تعاملها مع الحيوانات فقط، بل بكيفية حمايتها للبشر أيضًا.
فصل الخطاب:
يُحكى أنه في إحدى الدول «البعيدة»، قامت مجموعة من «البشر» بقتل «حيوان»، بطريقة همجية، ليلتفَّ الجميع على قلب رجل واحد، رافضين بشاعة المشهد الذي أدمى القلوب.. وفي الدولة نفسها، قامت مجموعة من «الحيوانات» بقتل «إنسان»، بالطريقة ذاتها، في مشهد يندى له جبين «الإنسانية»، ولم يكن التأثر باديًا على البعض، لأن «المغدور» به لم يكن من فصيلة «الحيوانات»!

[email protected]

مقالات مشابهة

  • الإمارات: السلام الحقيقي لا يتحقق في ظل انتهاك سيادة الدول
  • اجتماع جوهر نبيل مع رئيس اتحاد الفروسية
  • حرية النباح!
  • وزير الرياضة يلتقي بالفارس الدولي سامح الدهان بحضور رئيس اتحاد الفروسية
  • وزير الشباب يجتمع مع الفارس الدولي سامح الدهان بحضور رئيس اتحاد الفروسية
  • ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر
  • إنفوجرافيك | ???? ذكرى الولاية.. بين دلالة الغدير وواقع الأمة المعاصر
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • شاهد.. لكزس ES الكهربائية الجديدة
  • بقوة 850 حصانًا.. ريزفاني فورترس بتصميم لا يصدق| صور