لجريدة عمان:
2026-06-03@05:18:34 GMT

الرأي العام بين المتاهة الرقمية وهندسة العقول

تاريخ النشر: 7th, December 2025 GMT

في وقت يشهد تسارعًا في تطوّر أدوات التواصل الرقمي وتعدد استخداماتها وقدرتها على اختراق العقل البشري والتأثير على التفكير النقدي، وفي وقت ينظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه معيارٌ لتقدم المجتمعات وتطورها التكنولوجي؛ كونها تجعل الأشخاص أكثر حرية في التعبير من أي وقتٍ مضى، رغم تدفق سيل من العمليات المعلوماتية التي تستوجب تحكيم العقل الواعي في فلترتها وتلقّيها بعناية، لكنها واقعيًا تخفي في مضمونها أمرًا بالغ الأهمية متمثلًا بإعادة تشكيل الوعي الجماهيري دون إدراك لذلك، ما يطرح تساؤلًا عن قدرة الأشخاص على مقاومة هذا التأثير والسيطرة على العقول من خلال دغدغة مشاعرهم وعواطفهم في وسائل التواصل الاجتماعي.

بلا شك أنّ التكنولوجيا أصبحت واجهة عبر أدواتها المؤثرة على التفكير النقدي للعقول رغم عدم اتفاق البعض مع هذا الرأي لكنه حقيقة في مضمونه، بل وضعت الرأي العام أمام شتات مستمر بين المتاهة الرقمية التي زُجّ بها البعض دون أن يشعر كنتيجة حتمية للاندفاع غير المبرر ـ حسب رأيي ـ في وسائل التواصل الاجتماعي للتفاعل مع ما يطرح من آراء وتوجهات لصناعة التأثير على مرتاديها؛ بهدف تحريك الجزء اللاواعي من العقل للسيطرة على الجماهير وتوجيهها وربما خداعها دون إدراك لذلك؛ استنادا على نظريات مؤسس علم التحليل النفسي سيغموند فرويد.

والأخطر من ذلك أن يقع الفرد ضحية المتاهة الرقمية لفترة طويلة، ما يصعّب مهمة الإصلاح المجتمعي، لأن ما يقلق البعض أن المتاهات عموما كلما حاول الفرد فهم اللعبة تغيّرت قواعدها.

حقيقة لا أخفيكم قولًا بأنني رغم تشخيص البعض للمشهد العام في وسائل التواصل الاجتماعي وما سببته من عمليات معلوماتية وهندسة العقول بأساليب مهيمنة على التفكير النقدي والطرح الأدبي في خضم المتاهة الرقمية التي تعمقت بتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، إلا أنني لا أنظر شخصيا إلى جانب ذكاء الآلة وتطورها إلى ما نشهده اليوم بأنه مؤامرة، لكنه نتاجٌ لتطور الإعلام الرقمي بوضعه الحالي.

ورغم عدم إيماني المطلق بقدرة ذكاء الآلة بوسائلها الرقمية وأدواتها المتطورة على تشكيل الرأي العام، لكنها أسهمت في تكوين قاعدة من العمليات المعلوماتية التي أثرت بطبيعة الحال على العقل اللاواعي لبعض الجماهير في تشكيل الرأي العام الرقمي على أقل تقدير في وسائل التواصل الاجتماعي، والمثير للدهشة أنّه لم يعد التزييف والتحريض الذي يتم دحضه باستمرار هو من يقود العقول وهندستها في العالم الافتراضي، بل ما يخفيه الذكاء الاصطناعي من دقة في هندسة التزييف والتحريف والتحريض وتقديمه على أنه واقع حقيقي.

فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بصناعة التأثير على التوجهات والآراء المجتمعية، بل أصبحت شريكا مع الإعلام التقليدي في هندسة الإدراك لتشكيل قناعات الجماهير، والمثير للدهشة أن أدوات التواصل الرقمي أسهمت في تحريك الإدراك المجتمعي وتوجيهه نحو واقع مصطنع بهدف إيهام الجماهير على أنه الواقع الحقيقي ويجب التعايش والتفاعل معه، ما يجعلنا أمام صراع فكري في خضم هندسة العقول التي تحاول تقديمها المتاهة الرقمية بأدواتها وتوجهاتها، فنحن اليوم بحاجة إلى مزيدٍ من الجهود الوطنية لصون الأجيال من المتاهة الرقمية وهندسة العقول بما يجعلها مصانة بهويتها الوطنية بعيدة عن ما يؤثر على تماسكه ووحدته.

تابعت خلال الفترة الماضية في وسائل التواصل الاجتماعي تكوّن حالة من الفوضى المعلوماتية مرتبطة بالأرقام والإحصاءات الإيجابية التي تحققت والمراد تحقيقها في الفترة القادمة، هذه الأطروحات تتركز تحديدا في النقاشات المرتبطة بجوانب التخطيط الاقتصادي والمالي مثل خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة المقبلة (2026-2030)م، والميزانية العامة للدولة 2026م، وهي في حقيقتها معلومات لم يقدمها الإعلام الوطني بل كان صانعا للتأثير الإيجابي على الجمهور، هذه المغالطات هي نتاج سيلٌ من المعلومات المغلوطة وغير الصحيحة تم هندسة العقول عبر متاهات رقمية يراد بها إضعاف التفكير وتشتيت العقول عن الغاية الأساسية من وضع هذه الخطط ومواصلة التخطيط للخطط المالية والاقتصادية المقبلة.

في رأيي، أرى أنّ صناعة الوعي أو صناعة الرأي العام من العلوم التي ينبغي أن ندرسها جيدا ونستعد للتعامل معها، ونتقنها في فلسفة نقاشاتنا وحوارتنا اليومية، وتكون منهجا في توجهاتنا الوطنية بحيث لا نسمح للوسائل الرقمية بهندسة عقولنا ومن حولنا وفقا لتوجهاتها ومنطلقاتها التي لا تخلو من تغييب الحقائق بل وتزييفها وتحريفها أحيانا، وأن نكون درعا حصينا لمنع تسلسل الأفكار غير الصائبة والآراء والتوجهات الواهية التي تدمر المجتمع وتنال من وحدته وتماسكه، فأسلوب التجهيل والتزوير والتضليل من الأساليب التي تهدف إلى تحقيق مغالطات فكرية وثقافية تنال من العقل البشري في التفكير والتحليل النقدي، وهو نتاج لهندسة العقول لصالح أيدولوجية معينة تحاول تضليل الجمهور وجرهم إلى الحقيقة الناقصة المشوهة التي تعتمد على التضليل والتدليس.

إن ما يتعرض إليه الرأي العام من استغلال وهندسة للعقول لمصالح ذاتية ولأهداف معينة تعد حالة جوهرية تستدعي دراسة شاملة متكاملة، خصوصا مع المتاهة الرقمية التي سببها ذكاء الآلة التي تؤثر على العقول وتؤثر على تفكيرها وكانت عاملًا فاعلًا ومدخلًا لتضليل الرأي العام واستغلاله وإغراقه بالنفايات المعلوماتية التي لا يحتاجها الأفراد، والأصعب من ذلك عندما تتطور الأدوات التواصلية الرقمية، ما يدفع مسيئي استخدامها إلى إجراء استطلاعات واستفتاءات رأي مزيّفة وخاطئة تؤدي إلى التلاعب بالنتائج والمعلومات وتنعكس سلبا على اتخاذ القرارات.

راشد بن عبدالله الشيذاني

باحث ومحلل اقتصادي

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی وسائل التواصل الاجتماعی الرأی العام

إقرأ أيضاً:

اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية

يمن مونيتور/ رصد خاص

كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.

ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.

وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.

وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.

ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.

كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.

ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.

وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • فيديو عيد ميلاد سهام جلال يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي
  • ماليزيا تحظر على الأطفال دون سن 16 عاماً امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي
  • ماليزيا تحظر حسابات التواصل لمن هم دون 16 عاماً… غرامات بالملايين للمخالفين.. قرارات حاسمة بتشديد الرقابة الرقمية
  • خطوات التقديم والأماكن المتاحة لحجز شقق الإسكان الاجتماعي 2026
  • خلال أيام.. الإسكان الاجتماعي يحذر من إلغاء تخصيص الوحدات في هذه الحالة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش