الجزيرة:
2026-06-02@23:44:26 GMT

التحرير وبداية المعركة في سوريا

تاريخ النشر: 8th, December 2025 GMT

التحرير وبداية المعركة في سوريا

تبدو سوريا، في الذكرى الأولى للتحرير، وكأنها تقف على بوابة زمن جديد، زمن لا تُقاس ملامحه بما جرى على خطوط الجبهات فقط، بل بما انكشف بعدها من حقيقة أشد عمقا وأطول أثرا.

فالتحرير على أهميته الرمزية والسياسية، لم يكن نهاية المعركة؛ بل لحظة مواجهة مباشرة مع إرث تجاوز 50 عاما من التدمير البطيء والتهشيم المستمر لبنية الدولة والمجتمع، إرث صنعه نظام البعث في عقود حكم فيها بعقلية أمنية وأدوات قمعية، كانت تراكم عوامل الانهيار المؤجل، بما طوقت به البلاد من شبكات الفساد، فكان الانفجار الثوري أمرا حتميا، وكان استحقاق النصر أمرا موعودا، وكان على سوريا أن تستعد لتغيير كبير يبدأ من ديسمبر/كانون الأول 2024.

كان الخلاص مكلفا والإرث ثقيلا

خلال عام 2025، وجد السوريون أنفسهم أمام مهمة تاريخية تتجاوز حدود "الإصلاح" إلى منطق "إزالة الركام"، ثم التخطيط والبدء بعملية "البناء".

الإصلاح قد يكفي حين تكون المؤسسات قائمة وتحتاج إلى حل المشكلات أو تعزيز الإمكانيات، أما حين تكون البنية نفسها منهارة أو مخترقة أو متآكلة، فإن المهمة تصبح إعادة تأسيس قطاعات بأكملها.

في سوريا كان كل شيء يحتاج إلى الإصلاح، ثم جاءت الثورة عام 2011 على نظام فتح النار على كل شيء، وبدل أن يصلح الخلل دمر كل ما تبقى: الإدارة والقضاء والاقتصاد والأمن والخدمات وحتى علاقة المجتمع مع السلطة، وعلاقة المجتمع مع نفسه.

كان الجميع يراقب تدمير النظام البائد كل شيء في البلاد، لكن بعد زوال نظام الأسد أظهر التحرير حجم الكارثة على حقيقته دون مواربة، الأمر الذي لم يقطع الأمل، بل خلق إيمانا عند السوريين بأن الدولة الجديدة التي يجب أن يبنوها على أنقاض الدولة الموجودة يجب ألا تكون جدارا خارجيا يحمي السلطة.

لقد أعاد العام الأول بعد التحرير تعريف موقع سوريا في العالم، وفتح أمامها مساحات جديدة للتفاعل الدبلوماسي، وسمح بعودة المشهد السوري إلى المحافل الدولية كقضية دولة تريد بناء نفسها، لا كملف يتقاذفه الآخرون

بين ضرورات الداخل والاستحقاقات الخارجية

كان عام البدء بالبناء (2025) متعبا رغم نشوة النصر وفرحة الخلاص؛ بما حمله من متطلبات الداخل الكثيرة، التي يجب أن تنتظر أولويات ضرورات إعادة التموضع الخارجي.

إعلان

فالمسار الداخلي بكل ما يتطلبه من "إزالة الأنقاض" ثم "تنظيف" المؤسسات الحكومية وإعادة بنائها بشكل صحيح وصولا إلى إعادة بناء الحوامل الاجتماعية والسلم الأهلي.. كل ذلك لم يكن أقل أهمية عن المسار الخارجي الذي يفك العزلة عن سوريا ويعيد تعريف علاقاتها.

لم تكن الحكومة السورية قادرة على حل أزمات الداخل دون تحقيق مسار حثيث وكبير على مستوى الانفتاح الدبلوماسي الخارجي المتبادل مع الحلفاء الجدد: الغرب وحلفائه في المنطقة.

وكان الشعب السوري يتفهم ما ذهبت إليه الحكومة من أن الحلول الأسرع لمشكلات الداخل لا بد أن تأتي من حل أزمات الخارج أولا، ولن يتحقق الإنجاز الداخلي ما لم يتحرك مع الإنجاز الداخلي، بذات الأولوية والجدية، مع جدلية أيهما سيكون سببا للآخر، فالداخل يحتاج إلى الاستقرار والدعم والاستثمارات، والخارج يحتاج إلى دولة مستقرة قادرة على صياغة سياستها الخارجية بعيدا عن التبعية والانغلاق والعزلة التي سادت لعقود.

الانتصار بتوقف الانهيار

يمكن القول: إن العام الأول بعد التحرير كشف عن مفارقة لافتة، فالكثير من التحولات الإيجابية في سوريا لم تكن نتيجة مبادرات جديدة؛ بقدر ما كانت ثمرة توقف ممارسات قديمة لطالما أرهقت الدولة والمجتمع.

حتى وإن لم يكن كافيا، لكن سوريا بعد زوال النظام البائد لمست الفرق الكبير، بداية من رفع حواجز الرعب التي كانت تقطع أوصال المدن والبلدات، وإنهاء امتيازات المجموعات الأمنية والعسكرية التي اعتادت تحويل الطرقات والمعابر إلى نقاط جباية وابتزاز.

الفرق الأكبر سيكون مع نتائج التحول العميق الكفيل بعودة الحركة الطبيعية للتجارة، وخفض تكاليف النقل، وفتح المجال أمام دورة اقتصادية كانت مقيدة بالقوة.

بدا المشهد خلال عام من التحرير وكأن البلاد تتنفس للمرة الأولى بعد زوال ما كان يخنقها، وكأن جزءا كبيرا من الإصلاح تحقق، لا بما أضيف بل بما أزيل.

التموضع الصحيح طريق البناء

كان المشهد الخارجي يتحرك بوضوح لافت، فخلال عام واحد فقط استعادت سوريا موقعا كانت قد فقدته منذ السنوات الأولى للاستقلال.

عادت سوريا إلى الخريطة الدولية، ليس بوصفها ملفا أمنيا أو عبئا إقليميا؛ بل لأنها دولة تسعى إلى بناء علاقات إيجابية مع القوى الإقليمية والدولية الساعية للاستثمار باستقرار شرق المتوسط.

التموضع السياسي الجديد لسوريا ليس تفصيلا سياسيا، بل هو جزء من تغيير شكل المنطقة انطلاقا من إعادة تموضع تاريخي نجح في سوريا، وهذا التغيير سيترك أثرا ضروريا وكبيرا على مستوى المنطقة ودورها في التوازنات العالمية، كما سيترك أثره الكبير داخليا في سوريا التي لم تعد محصورة داخل معسكر الدول المنبوذة، ولم تعد محرومة من أي هامش حركة مستقل، ولم تعد مكبلة بتحالفات ضيقة أضعفت موقعها وضيقت خياراتها.

عام على الطريق الصحيح

لقد أعاد العام الأول بعد التحرير تعريف موقع سوريا في العالم، وفتح أمامها مساحات جديدة للتفاعل الدبلوماسي، وسمح بعودة المشهد السوري إلى المحافل الدولية كقضية دولة تريد بناء نفسها، لا كملف يتقاذفه الآخرون.

وفي الداخل، أعاد هذا التحول قدرا من الثقة بأن البلاد قادرة على صياغة دور جديد لا يقوم على رد الفعل، بل على المبادرة واستعادة القرار الوطني.

إعلان

في المحصلة، تبدو سوريا اليوم على عتبة مرحلة لا تشبه ما سبقها، مرحلة يتلاقى فيها إرث نصف قرن من التدمير البنيوي مع فرصة سياسية نادرة أتاحها التحرير، وبينهما تقف البلاد أمام استحقاقات إعادة تعريف الدولة لنفسها ولسلطتها، وإعادة بناء مؤسساتها، وإعادة رسم عقد اجتماعي بينها وبين المجتمع، لتكون دولة طبيعية في عالم مضطرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات حريات فی سوریا

إقرأ أيضاً:

ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟

فسّر رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال تغيير الإدارة الأمريكية منصب السفير الأمريكي لدى تركيا توم برّاك من مبعوث أمريكي إلى سوريا إلى مبعوث رئاسي خاص إلى سوريا والعراق، بالإجراءات القانونية الأمريكية، موضحا في حديث خاص لـ"عربي21" أن استمرارية برّاك في منصبة السابق (المبعوث الأمريكي إلى سوريا) لأكثر من عام تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي.



وقال إن الرئيس الأمريكي فضل عدم الدخول في نقاشات مع الكونغرس الأمريكي، بتغيير اسم منصب برّاك، عبر ممارسة صلاحياته.

وكان ترامب قد أعلن عن تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا خاصاً إلى سوريا والعراق، مع احتفاظه بمنصبه سفيرا للولايات المتحدة في أنقرة، مؤكدا أن الخطوة "تضمن جهود واشنطن لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي البلدين".

وأشاد ترامب بأداء برّاك، مشيرا إلى أن "العلاقات الأمريكية مع سوريا والعراق تنمو بشكل مضطرد".

التغيير في منصب توم برّاك الذي يعد من أبرز المهندسين الأمريكيين للعلاقة بين واشنطن ودمشق، أثار قراءات مختلفة، ففي حين اعتبر البعض أن الخطوة تعكس تراجعا في الاهتمام الأمريكي في الملف السوري، يرى آخرون أن التغيير يفتح المجال أمام تطور أكثر في العلاقة بين دمشق وواشنطن.

ويدل على ذلك، الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم، الأحد، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وذلك بعد يوم من التغييرات في منصب توم برّاك.

علاقات غير مسبوقة

وفي هذا الاتجاه، يشير رئيس المجلس السوري الأمريكي فاروق بلال إلى التطور "غير المسبوق" في العلاقات الأمريكية السورية، ويقول: "لم نشهد هذا التطور في العلاقات منذ 60 عاما، وخلال العام الذي كان فيه توم برّاك مبعوثا أمريكيا، لمسنا مساعٍ من دمشق وواشنطن لربط المؤسسات مع بعضها، بمعنى أن وزارة الخارجية الأمريكية تتواصل نظيرتها السورية، والخزانة الأمريكية تتواصل مع وزارة المالية السورية، ويبدو أن هذا الأمر قد ألغى الحاجة لمنصب المبعوث الأمريكي إلى سوريا، واستدعى تغييرا في عنوان المنصب".

تنفيذ رؤية ترامب

وفي السياق ذاته، يشير مؤسس منظمة "سوريا طريق الحرية" (منظمة سورية أمريكية)، هشام نشواتي، إلى إشادة ترامب بأداء توم برّاك، ويقول لـ"عربي21": "بالتالي يعتبر المنصب الجديد ترفيعا لبرّاك".

أما عن أسباب التغيير في اسم المنصب، يلفت نشواتي إلى إجراءات الكونغرس التي تحدد مدة عمل المبعوث الأمريكي بنصف عام، قابلة للتمديد لفترة ثانية فقط، ويقول: "لم يتم تعيين مسؤول بديل في منصب براك أي المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، بل تم إلغاء المنصب، وجرى ترفيع برّاك".

وبحسب نشواتي، فإن كل ذلك يعني أن توم برّاك سيشرف على تنفيذ الرؤية الأمريكية في سوريا والعراق، ويقول: "باعتقادي فإن ثقة ترامب بتوم برّاك، أهلته لأن يكون الوصي على رؤية ترامب للمنطقة".



وثمة تفسير آخر للتغيير في منصب توم برّاك، على صلة بانتهاء صفة "الأزمة" التي كانت ملازمة أمريكيا للملف السوري.

والإثنين، طالب عضو الكونغرس الأمريكي جو ويلسون بإلغاء تصنيف سوريا "دولة راعية للإرهاب"، وقال: إن "التطورات الأخيرة في العلاقات الأميركية السورية تعكس توجها إيجابيا، ومنها تعيين توم برّاك مبعوثا رئاسيا لسوريا، وأضاف أن "يجب إلغاء التصنيف القديم لسورية دولة راعية للإرهاب بشكل سريع".

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • مستشفى التحرير العام تواصل فعاليات المبادرة الرئاسية "365 يوم صحة"
  • المرجعية العليا للطائفة العلوية في سوريا ترهن استقرار المنطقة بتأمين حقوق العلويين
  • سازان..الجزيرة الخفية لـ إيفانكا ترامب
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • ترامب يعين مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق.. من هو توم باراك؟