ما الفرق بين الخطأ والخطيئة في الشرع وسبل تجاوزهما؟.. علي جمعة يوضح
تاريخ النشر: 8th, December 2025 GMT
كشف الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف عبر صفحته الرسمية على فيس بوك عن الفرق بين الخطأ الخطيئة فى الشرع.
الفرق بين الخطأ والخطيئة
وقال فرَّق الشرعُ الشريف بين الخطأ والخطيئة بتوفُّر القصدِ وعدمه؛ فإذا لم يتوفَّر القصدُ فهو خطأ، وإذا توافر القصدُ فهي خطيئة. والخطأُ معفوٌّ عنه غالبًا، ولا يترتّب عليه إثمٌ في الجملة، أمّا الخطيئة فيترتّب عليها إثم، وتحتاج إلى طلب الغفران.
وأشار إلى ان الشرعُ الشريف رتب برنامجًا مُحكَمًا لمحاصرة تداعيات الخطأ والخطيئة، من أجل تجاوزهما والبدء من جديد، ونذكر ذلك في حقائق تُبيِّن المقصود:
الحقيقة الأولى:
أنّ تأصيل الفرق بين الخطأ والخطيئة يظهر في الحديث الذي وضعه البخاري أوّل حديثٍ في «صحيحه» باعتباره مفتاحًا من مفاتيح فهم الشرع الشريف؛ قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى…».
والنيّة في اللغة: القصدُ المؤكَّد. وهذا الحديثُ يجعلُ الإنسان يراعي ربَّه الذي يعلم ظاهرَه وباطنَه، وعملَه ونيّتَه. ويؤكِّد هذا الفرقَ قولُ النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».
ومن هنا قد يكون هناك أجرٌ عند بذل الجهد مع الوقوع في الخطأ، كقوله ﷺ: «مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»، لأنّه لم يَقْصِد الإساءة أو الأذيّة، بل أراد الصلاحَ ولو لم يَصِل إليه.
وفي المقابل فإنَّ هناك ذنبًا وإثمًا على المتعمِّد للأذيّة، كإخوةِ يوسفَ بعد ما ارتكبوه من جريمة؛ حكى اللهُ عنهم فقال: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: ٩٧].
فاعترفوا بذلك بجريمتهم وذنبهم، وكلمة «خَاطِئِينَ» هنا تشمل فعلَ الذنب، سواء كان من قبيل الخطأ أو من قبيل الخطيئة.
الحقيقة الثانية:
قولُه ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
وكلمة «خَطَّاء» صيغةُ مبالغةٍ من اسمِ الفاعل «خاطئ»، المشتملِ على الأمرين: الخطأ والخطيئة. ومن هنا علَّمنا رسولُ الله ﷺ الإقلاعَ عن الخطأ والخطيئة معًا؛ فكان – وهو المعصوم ﷺ – يقول: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ».
الحقيقة الثالثة:
أنَّ الوقوعَ في الخطأ قد يترتَّب عليه ضررٌ يستوجب التعويضَ والغرامةَ من ناحية، ويستوجب التربيةَ وضبطَ النفس من ناحيةٍ ثانية، ويستوجب الاعتذارَ وتسليةَ المتضرِّر بعقابِ النفس من ناحيةٍ ثالثة.
وأحسن مثالٍ لذلك هو القتلُ الخطأ الذي يكون على سبيل الحادثة، لا على سبيل العمد ولا شبه العمد؛ إلا أنّ الله سبحانه وتعالى قد رتّب عليه الدِّية، وهي غرامةٌ ماليةٌ لأهل القتيل، ورتّب عليه – في الجملة – كفّارةً من تحرير رقبةٍ مؤمنة، فإن لم يجد فصيامُ شهرين متتابعين، وهذا نوعٌ من أنواع التربية للنفس، وشيوعُ مفهوم عدم الاستهانة بهذا الفعل حتى قبل وقوعه كثقافةٍ عامّةٍ في الناس، وفيه أيضًا معنى الاعتذار لأهل القتيل، وأنَّ حبسَ النفس عن مألوف طعامها وشرابها لمدة شهرين متتابعين يؤكِّد عدمَ العُدوان، ويؤكِّد الحزنَ على النتيجة التي ترتّبت على ذلك الفعل.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: ٩٢–٩٣].
الحقيقة الرابعة:
أنَّ سيدَنا رسولَ الله ﷺ أمرنا ببرنامجٍ متكاملٍ بإزاء الخطأ والخطيئة، يبدأ بالاستغفار والتوبة التي تشتمل على: الإقلاعِ عن الذنب، والندمِ على الفعل، والعزمِ على عدم العَود إليه مرةً أخرى. وقد يحتاج هذا إلى كفّارة، وإلى غرامة، وإلى ردِّ الحقوق إلى أصحابها.
ومع هذا فقد أمرنا بعدمِ تتبُّع العورات واصطيادِ الأخطاء أو الخطايا، وأمرنا بالستر الجميل، وأمرنا بالعفو والتجاوز، وأمرنا بعدم التعيير؛ فقال ﷺ: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وقال ﷺ: «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ». وقال ﷺ: «يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ، وَيَنْسَى الجِذْلَ – أَوِ الجِذْعَ – فِي عَيْنِ نَفْسِهِ».
وقال ﷺ: «لا تُوذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ».
وقال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا».
وقال تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: ١٠٩].
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الخطأ الخطيئة العفو تتبع العورات علی جمعة وقال ﷺ ب علیه
إقرأ أيضاً:
ما حكم البيع بالتقسيط؟.. تعرف على رأي الشرع وشروط جوازه
يتساءل عدد كبير من الناس عن حكم البيع بالتقسيط حيث إنه من أكثر المعاملات المالية انتشارًا في الوقت الحالي، مما يدفع كثيرين إلى البحث عن حكم البيع بالتقسيط في الشرع، وهل الزيادة في السعر عند التقسيط جائزة شرعًا أم تدخل في باب الربا؟ وقد أوضحت الشريعة الإسلامية ضوابط وشروط البيع بالتقسيط لضمان تحقيق العدالة بين البائع والمشتري وحماية الحقوق المالية للطرفين. وفي السطول التالية نعرض حكم البيع بالتقسيط وشروطه وأهم الأحكام المتعلقة به.
حكم البيع بالتقسيطوفي هذا السياق، قالت دار الإفتاء إنه لا مانِع شرعًا من بيع السلع الاستهلاكية بنظام التقسيط مع زيادةٍ معلومةٍ على الثَّمن الأصلي وأجلٍ معلومٍ.
وأضافت دار الإفتاء، في فتوى لها منشورة على موقعها الرسمي، أن التقسيط في البيع بعيدٌ كلَّ البعد عن حقيقة الرِّبا المحرَّم شرعًا باعتبار أنَّ زيادة الثمن في البيع بالتقسيط غير متجرِّدةٍ عن السِّلعة المباعةِ وأنها جزءُ من الثَّمن المعقود عليه، وتوسُّط السِّلعةِ ينفي الشبهة الرِّبوية في عقود المعاوضات المالية.
واستشهدت الإفتاء على حكمها في هذه الحالة بما قاله الإمام ابن حَزم في "مراتب الإجماع"، " واتفقوا أن الابتِيَاعَ بدنانير أو دراهم حالَّة، أو في الذمة غير مقبوضة، أو بهما، إلى أجلٍ محدودٍ بالأيام أو بالأَهِلَّة أو الساعات أو الأعوام القمرية جائزٌ".
وأوضحت دار الإفتاء أن البيع بالتقسيط والربا وإن كانا يتفقان في الزِّيادة عند السَّدَاد عن السِّعر النَّقديّ، إلَّا أنَّ الله تعالى أَحَلَّ الصورةَ الأولى وحَرَّم الثانية.
ونوهت الإفتاء بأن الفرق بين البيع بالتقسيط والربا هو توسُّط السِّلعة في البيع دون الرِّبا، فإذا توسطت السِّلعة فلا ربا؛ لأنَّ توسيط السِّلعة يُخرِجُ المعامَلة مِن نِطاق القرض الرِّبَوِيِّ المُحَرَّم إلى المعاوضة المشروعة كالبيع بثمنٍ مؤجَّلٍ.
شروط البيع بالتقسيطوحددت دار الإفتاء عددا من شروط البيع بالتقسيط ومنها:
1. أن يمتلك البائع السلعة قبل بيعها للمشتري، فلو قامت الشركة بقبض مقدم السلع من المشتري قبل شرائها وقعت الشركة في مخالفة شرعية لما ورد عن حكيم بن حزام، قال: يا رسول اللهِ، يأتيني الرجلُ فيريد مني البيعَ ليس عندي، أفَأَبْتاعُه له مِن السوق؟ فقال: «لا تَبِعْ ما لَيسَ عندَك».
2. أن يتم الاتفاق على ثمن للسلعة، ولا يكون الثمن مجهولًا أو مترددًا بين احتمالات متعددة، فإن كان الاتفاق بين البائع والمشتري مترددًا بين احتمالات متعددة، كأن يقول البائع: هذه السلعة بكذا نقدًا وبكذا مؤجلًا، فهذا منهيٌّ عنه لحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ».
3. أن تراعى جميع شروط البيع من كون المبيع معلومًا، طاهرًا مباحًا مقدورًا على تسليمه، وألا تكون السلعة المراد شراؤها من السلع التي يشترط لصحة بيعها التقابض (الذهب – الفضة).
4. أن يكون الثمن في مقابل السلعة، فلو اقترض المشتري من الشركة مالًا نقدًا على أن يرده بأكثر منه على أقساط فلا يجوز.
5. أن يخلوَ البيع من شرط غرامة التأخير للبائع، ولتجنب مماطل المشتري يمكن اشتراط مبلغ من المال على المشتري عند التأخر في سداد القسط ليتم إنفاقه في أي مجال خيري لا ينتفع منه البائع؛ تجنبًا لمماطلة المشتري.
6. وتفيد اللجنة بأن كون ثمن السلعة بالتقسيط أكثر من ثمنها حالا لا مانع منه في الجملة؛ لأن تقسيط الثمن يرتفق به المشتري والبائع وحيث تراضيَا على الثمن فلا مانع، لكن المحذور الزيادة في ثمن السلعة بعد استقرار الدين في ذمة المشتري، أما وقت الاتفاق فلا بأس بالسعر الذي تراضيَا به إن كان عن طيب نفس وبغير استغلال.