ذكرى رحيل «قديس المسرح المصري».. كرم مطاوع صاحب الموهبة الاستثنائية
تاريخ النشر: 9th, December 2025 GMT
تحل اليوم الثلاثاء، التاسع من ديسمبر، ذكرى رحيل المخرج والممثل الكبير كرم مطاوع، الملقب بـ«قديس المسرح المصري»، أحد أبرز رواد التجديد في المسرح المصري والعربي، الذي ملك موهبة استثنائية وصوتا مختلفا، وترك بصمة واضحة لا تخطئها العين عبر أعمال خالدة جمعت بين العمق الفني والرؤية الفكرية والإبداع المتجدد.
ولد كرم مطاوع في 7 ديسمبر عام 1933 بمدينة دسوق محافظة كفر الشيخ، وحصل على ليسانس الحقوق بجامعة عين شمس، لكنه لم يتخل عن شغفه بالمسرح، فأدرك مبكرا أن الموهبة وحدها لا تكفي، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية أثناء دراسته الجامعية، وتخرج منهما في نفس العام، متصدرا دفعته.
نال بعثة دراسية إلى إيطاليا لمدة خمس سنوات، درس خلالها الإخراج في الأكاديمية الوطنية للفنون الدرامية بروما، وقام برحلة فنية في بعض الدول الأوروبية مثل إنجلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا للإطلاع على أحدث الاتجاهات المسرحية، وعقب عودته إلى مصر مطلع عام 1964، عين أستاذا بمعهد الفنون المسرحية، قبل أن يبدأ رحلته الإخراجية بمسرحية «الفرافير» ليوسف إدريس، التي حققت نجاحا نقديا وجماهيريا لافتا.
توالت بعد ذلك أعماله المسرحية التي أصبحت علامات فارقة في تاريخ المسرح المصري، ومنها: "يس وبهية"، "الفتى مهران"، "شهرزاد"، "محاكمة رأس السنة"، "جواز على ورق طلاق"، "دنيا البيانولا"، "اليهودي التائه"، "مصرع جيفارا"، "يا بهية وخبريني"، "الإسكندر الأكبر"، و"إيزيس".
وفي مطلع السبعينيات، سافر مطاوع إلى الجزائر حيث درس في المعهد الوطني للفنون الدرامية ببرج الكيفان حتى عام 1975، وتخرج على يديه جيل من رواد المسرح الجزائري في التسعينيات.
إلى جانب المسرح، قدم أعمالا مميزة في السينما والتلفزيون، من أبرزها: في السينما "سيد درويش" عام (1966)، "إضراب الشحاتين" (1967)، "خطة الشيطان" (1988)، "احتيال" (1990)، والمنسي (1993).
وفي التلفزيون: "لا تطفئ الشمس" عام (1965)، "وسط الزحام" (1972)، "زهراء الأندلس" (1983)، "حالة خاصة" (1985)، "الأنسة كاف" (1993)، و"الحفار" (1996).
تولى مطاوع عدة مناصب مهمة، منها: مدير مسرح الجيب، مدير المسرح القومي، مدير المسرح الغنائي، رئيس المركز القومي للسينما، ورئيس البيت الفني للمسرح، كما حصل على وسام الفنون من الطبقة الأولى من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وعلى المستوى الشخصي، تزوج الراحل ثلاث مرات: الأولى من الدكتورة الإيطالية مارجريتا وأنجب منها عادل وكريم، ثم الفنانة سهير المرشدي والدة الفنانة حنان مطاوع واستمر زواجهما 20 عاما، والإعلامية الراحلة ماجدة عاصم قبل وفاته بعام واحد.
وفي هذا السياق، أوضحت الفنانة حنان مطاوع - في أحد اللقاءات عن والدها - أنه كان نموذجا متفردا، قليل الكلام، ولديه القدرة على التعبير عن رأيه بقوة، قائلة: "كان ممكن يمشي عكس التيار لو مؤمن بشىء.. كان شخص مختلف أوي في قراراته، وأفكاره، واتجاهاته بشكل عام سواء السياسية، الحياتية والاجتماعية".
أصيب مطاوع بسرطان الكبد، وسافر للعلاج في الولايات المتحدة دون تحسن ملحوظ، ليعود إلى مصر حين اشتد عليه المرض، حتى رحل عن عالمنا في 9 ديسمبر 1996 عن عمر ناهز 63 عاما.
يظل كرم مطاوع أحد أعظم من حملوا راية المسرح المصري، وصاحب بصمة لا تتكرر في الإخراج والتمثيل، ورغم رحيله، تبقى أعماله حاضرة تدرس وتلهم أجيالا جديدة من المبدعين، ليظل اسمه علامة مضيئة في الذاكرة الفنية العربية.
اقرأ أيضاً«آخرها متر في متر».. حنان مطاوع تكشف عن اللحظات الأخيرة في حياة والدها وسر وصيتها | فيديو
في ذكرى وفاته.. محطات مهمة في حياة كرم مطاوع عملاق المسرح
سعاد نصر.. اكتشفها كرم مطاوع وحلم الرشاقة قضى على حياتها
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: مصر حنان مطاوع التمثيل الدراما سهير المرشدي المسرح المصري المسرح القومي سرطان الكبد كرم مطاوع المسرح الغنائي المسرح العربي الإخراج الذاكرة الفنية المسرح المصری کرم مطاوع
إقرأ أيضاً:
دراز صاحب النبأ العظيم والظاهرة القرآنية لمالك بن نبي.. النهوض الراشد (10)
تتجاوز هذه الدراسة لمالك حول "الظاهرة القرآنية" كل الأهداف والغايات لتصل ذلك الناظم الذي يربط بين إثبات "عُلوية المصدر" من جهة وبين "تفعيل السنن" من جهة أخرى في واقعنا المعاصر، بما يخدم السيادة والتمكين للمسارات الحضارية. وقد درس ذلك على مستويات ومحاور عدة؛ أولها منهجية الظاهرة وكيفية نقل دراسة القرآن من الوعظ إلى التحليل الموضوعي المستقل عن الذات البشرية، وثانيها تفكيك مفهوم النبوة بين محمد الإنسان ومحمد الرسول والرسالة؛ وذلك بتحليل الحالة النفسية لمتلقي الوحي ﷺ لإثبات استقلال المصدر وعلوّيته، وثالثها القرآن كمركب حضاري ودور "الفكرة الدينية" في صهر الإنسان والتراب والوقت لإنتاج الفعل الحضاري، ورابعها تحطيم كل معاني التبعية والقابلية للاستعمار والكيفية التي يمنحها اليقين بالظاهرة القرآنية "حصانة نفسية" و"سيادة معرفية" ترفض التبعية، وأخيرا الإعجاز السنني الذي يحرك كل مسالك الانتقال من إعجاز البيان إلى إعجاز "الشهود" والقدرة على قيادة الواقع بـ"التي هي أقوم"؛ وذلك بربط مفاهيم الكتاب بالمختبرات، والمجالات المتنوعة، والميادين تحت شعار "العمران المسدد بالوحي.
لم تكن مقدمة دراز مجرد تقريظ أدبي، بل مثلت إضافة بنيوية وتشغيلية كبرى لكتاب مالك بن نبي من خلال ثلاثة وجوه رئيسة: شرعية أكاديمية أزهرية منحتْ دراسة مالك بن نبي (التي كُتبت بالفرنسية) صك الاعتماد المعرفي من أحد أكبر رموز التجديد الأزهري المتصل بالثقافة الغربية، مما جسّر عميقا لا زينة؛ الفجوة بين الفكر الحديث والعلوم التقليدية. صناعة "النموذج الحي للجدل"، إذ نبهت المقدمة الشباب المثقف إلى أن هذا الكتاب ليس "مخزنا للمعلومات"، بل هو "أداة مشحوذة بالفاعلية ومنهجية" لمحاربة اللامبالاة حول مسألة الحقيقة العلوية، كدافع للقارئ القراءة الحضارية للنصوص لابتكار أدواته الذاتية للإيمان. وأخيرا التنقية التاريخية الاستراتيجية والخروج من رد الفعل ومن مراوحة المكان التي تمثلت فيما أسماه عمر عبيد حسنة؛ التراجع الى مواقع الفكر الدفاعين إذ لم تحم مقدمة دراز أطروحة مالك بن نبي من الثغرات التي كان يمكن للمستشرقين النفاذ منها؛ فبتصحيحه قطع دراز الطريق على دعاوى التطور الداخلي للأفكار في وعي النبي ﷺ، مثبتا وبانيا لفكرة شديدة العمق والأهمية في النظر القرآني و"علوية واستقلال" الظاهرة القرآنية بصورة تاريخية لا تقبل الجدل.
إن التلاقي بين كتاب "النبأ العظيم" للدكتور محمد عبد الله دراز وكتاب "الظاهرة القرآنية" للمفكر مالك بن نبي؛ لا يقف عند حدود المعاصرة الزمنية أو التشابه الموضوعي، بل هو التقاءٌ يحكمه "أصول التعارف الحضاري"، ويُشكّل "رحما حضاريا متقيا" و"سندا معرفيا متصلا" لا انفصام له في عالم الفكر والنهوض. لقد جُمع هذان العلمان حَوْل "عقيدة دافعة كبرى" لإعادة الاعتبار للمصدر التأسيسي للأمة، ومواجهة "عقدة حضارية عظمى" تمثلت في التبعية الجافة والاستلاب المعرفي أمام المركزية الغربية والكيد الاستشراقي. ويمكن الوقوف على هذا الاقتران الحضاري المتكامل بين "النبأ العظيم" و"الظاهرة القرآنية" من خلال ثلاثة مفاصل تبرز عطاء القراءة الحضارية الجامعة، وتنظم بين ثلاثة مستويات من التلاقي الفكري والثقافي والحضاري ضمن رؤية توحيدية استخلافية عمرانية:
1- التلاقي الإبستمولوجي والمعرفي؛ الذي أشار وبعمق إلى موضوعية وعُلوية المصدر، والمرتكز الأول لهذا الرحم المشترك هو نقل البحث في النص القرآني من المساحات التقليدية الوعظية الساكنة إلى فضاء الاستقلال المعرفي المطلق وعلوية المرجعية. تعامل مالك بن نبي مع القرآن بوصفه ظاهرة موضوعية كونية مستقلة، وعبر تفكيكه العلمي والنفساني للحالة النبوية، برهن على أن ذات النبي ﷺ كانت مستقبِلة للنص ومفارقة له تماما، ولم تكن منشئة أو صانعة له. د. دراز (النبأ العظيم) دشن ذات الإطار المنهجي بمقاربة لغوية ونفسية صارمة؛ حيث فكك مصادر النص القرآني ليثبت بالبرهان العقلي والنقدي استحالة صدوره عن ذات محمد ﷺ (سواء من وعيه أو لاهوته الباطن) أو من أي مصدر بيئي أو كتابي معاصر له، مؤصلا لـيقين التلقي وبصيرة التدبر. هذا الالتقاء الرحمي تمثل في لقيا الكتابين في نزع صفة "البشرية" أو "الإنتاج البيئي" عن النص، صانعين بذلك "قوامة معرفية مستقلة" تحطم القابلية للاستعمار النفسي، وتجعل الوحي هو العيار الحاكم والوازن؛ على المناهج البشرية لا المحكوم بها.
2- التلاقي الوظيفي؛ إذ شكلت "الفكرة الدينية" مُحرّكا حركيا سياديا للمعرفة واليقين في هذين الكتابين، وهما ليسا ترفا أكاديميا جافا، بل هما طاقة مشحونة للتحريك والبناء. عند مالك بن نبي (الظاهرة): يعتبر القرآن هو "الطاقة الروحية" و"الفكرة الدينية" التي تعمل كـمُركّب أساسي يصهر عناصر الحضارة الصماء (الإنسان، والتراب، والنفس، والوقت) ليخرج المجتمع من شلله الاجتماعي إلى فاعلية التاريخ. عند د. دراز (النبأ العظيم): "النبأ العظيم" يهدف بالدرجة الأولى إلى "شحذ وإذكاء الطاقة الروحية والعملية" للقراء. فالنص هنا ليس مادة للحفظ والتبويب الشكلي، بل هو نموذج حي من نقاش جدلي مستمر يُوقظ العقول ويدفعها لتحمل أمانة المسؤولية. الالتقاء الرحمي: صهر الكتابان اليقين المصدري بالطاقة الحركية؛ فلم يعد القرآن بموجب هذا الاقتران نصا يُقرأ بركود، بل تحول إلى "محرك حركي سيادي" يُعيد بناء اللبنات الحضارية الإنسانية ويطلق عرق المكابدة والإنجاز في الميدان.
3- التلاقي التحصيني؛ تمثل في حراسة "السيادة اللغوية" وضوابط التدبر؛ اشترك الكتابان في وضع جهاز مناعة صارم لحماية عقل الأمة من التفتيت المنهجي ومقولات التبعية الوافدة. عند مالك بن نبي (الظاهرة): واجه بقراءته السننية الدهاء الاستعماري والميكيافيلية المعرفية للمستشرقين الذين أرادوا ليّ عنق الحقائق لتثبيت التفوق النفسي للغرب. عند د. دراز (النبأ العظيم): تخصص في فرض "الرقابة المعرفية" على العلوم والمناهج الوافدة، ووضع قواعد جليلة في كيفية مواجهة النص بروح فاحصة متيقظة لا منبهرة، مستخدما عبقرية اللسان العربي لإبطال سفسطة الطعن الصامت. الالتقاء الرحمي أثمر صياغة مفهوم "السيادة اللغوية والمعرفية" كجدار حامٍ للأمة؛ حيث يتلقى الكادر معطيات الواقع والمناهج الدولية المعاصرة بلسانٍ مبين وفصل خطاب مستقل، ممتثلا لبروتوكول "اعتبار الواقع لا تحكيمه" لحماية الثغور من الاختراق والتعمية.
هذه هي مصفوفة الاقتران الميثاقي وعمق الصحبة القرآنية (النبأ العظيم × الظاهرة القرآنية)؛ إذ شكّل البُعد المعرفي كتاب الظاهرة القرآنية (مالك بن نبي) وكتاب النبأ العظيم (د. محمد عبد الله دراز)، وقدّم كل منهما مخرجات الفاعلية والنهوض الراشد؛ في سياق الدافعية والتأسيس العقدي والتوحيدي في إثبات واستثمار استقلال المصدر كظاهرة موضوعية خارج الذات؛ وإثبات إطلاقيه النص ويقين مصدره بالبرهان اللغوي والنقدي. إن معاني السيادة المعرفية المطلقة والتحرر من صنم "الأمر الواقع" والتأسيس الاستخلافي والتربوي بتحطيم القابلية للاستعمار وشحن اللبنات الإنسانية بالفاعلية؛ هي التي تصنع عقولا متيقظة تمارس التفكير والتدبر الفردي المستقل، وتعمل على تطهير المسارات والمنصات من لوثة التبعية والمصطلحات المسمومة.
التأسيس العمراني والميداني يصهر عناصر الحضارة (إنسان + تراب + وقت) بالفكرة الدينية، وكذا التأسيس للنظرية المعيارية والأخلاقية الكلية الحاكمة على السلوك والعمل، عمران مسدد بالوحي وممارسات حضارية تدار بمصطلحات سيادية مستقلة. إن العهد المسؤول والالتقاء الحضاري المأمول يعبران بحق عن استقامة المصطلح التي تُعد استقامة للميدان، و"السيادة اللغوية" المنبثقة من هذا "الرحم الحضاري المتقي" و"السند المتصل"؛ بين النبأ العظيم والظاهرة القرآنية، فيشيدان الجدار الحامي الذي يضمن ألا يذوب عرق المكابدة في قوالب التبعية الجافة والالتفافية.
لقد أحكم الكاتبان الميثاق بـيقين الظاهرة، المُسُدّد بـبصيرة التدبر ورصانة البيان؛ كل لبنة تُوضع اليوم في صرح النهوض الراشد، وكل إجراء تمكيني، تربويا كان أو إعلاميا أو سياسيا، يجب أن يكون معبرا عن لغتنا وهويتنا وقوامتنا المعرفية المستقلة؛ وفق أصول القواعد والأنظمة المنهاجية الحاكمة.
هذا الاقتران الحضاري الجامع بين متني النبأ العظيم والظاهرة القرآنية، يشكل بحق سريان هذه السيادة لغة وممارسة وعمرانا في حركة الواقع المعاش. مالك ودراز جمعتهما الصحبة القرآنية؛ أصلا ووصلا؛ والنهوض الحضاري معنى ورشدا.
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.