لم يتسنَّ لنا أن نتربّى ونتكوَّن ونبني معارفنا على السرعة ويُسْر تحصيل المعلومة، حتّى عنوان كتاب كنّا أحيانًا نُقَضّي الأيّام الطّوال للظفر به، نقف أمام رفوف المكتبات أو أمام واجهات محلاّت بيع الكتب، لنعلم بإصدارٍ جديد، أمَّا إذا أردنا أن نُجري بحثًا في موضوع ما فإنَّا نُرابط في المكتبات العامّة لضبْط قائمة من الكتب في اختصاص موضوع البحث، وأخذ عناوينها وأرقامها التصنيفيّة، ثمّ نفرغ من بعد ذلك لقراءتها وأخذ ما أمكن من شواهدها، أمّا مكتبات الكليّات فقد كانت تشهد ازدحامًا من أوّل الصباح طلبًا للكتب التي يُخرجها لنا موظّفو المكتبة إعارةً مشروطةً بالبقاء في المكتبة ثمّ إعادتها عندما تنتهي فترة الدوام، ويحجزون في مقابل ذلك هويّاتنا، في هذه الرحلة التعليميّة كنّا نتعثّر بكتب عديدة ونحن نُقلّب الرفوف ونبحث عن كتابٍ منشودٍ، نتعثّر بكتب نودّ قراءتها وامتلاكها ولكن الوقت لا يتوفّر والإمكانيّة غير متاحة.
اليوم والمعلومات «ملقاة على الطريق» والكتب مبثوثة على الفضاء الافتراضي، وصديقنا القوقل في مرحلة أولى والذكاء الاصطناعي في مرحلة تالية قادران على منحنا آلاف الكتب، بتلاخيصها، وبتحرير محتواها، وبالبحث عن غايتنا منها.
فهل بقي للإنسان عذرٌ من عبارة كانت شبه ثابتة في خواتم بحوثنا الجامعية وهي صعوبة الحصول على مراجع في الموضوع؟ وهل أحسن الإنسان العربيّ التفاعل والتعلّم مع انتشار المعرفة؟ الكتابُ قيمة ثابتةٌ ليس في قراءته فحسب، بل في تعويد الذهن على التركيز والتحصيل وتغذية ملكة التلقّي والنقد، ولا أعتبر وسائط المعرفة الحديثة بما في ذلك الذكاء الاصطناعي بدائل عن الكتاب، وإنّما هي عوامل يُمكن أن تكون نافعة في تيسير تحصيل المعرفة، غير أنّ ما نراه اليوم في عالمنا العربيّ المتعلِّم والمعلِّم، أنّ هاويةً سحيقة تجذب الجميع إليها، هذه الهاوية هي استسهال التحصيل العلمي، فكلّ موضوع يُمكن أن نفكّّكه وأن نطلب من الذكاء الاصطناعي صناعته لنا، وهو قادرٌ على ذلك، فنكون بذلك قد رفعنا من شأن الآلة وقويَّنا من متانتها المعرفيّة وأضعفنا أنفسنا.
الواقع المرير اليوم أنّ لدينا باحثين ومنظّرين يكتبون ما لا يعرفون، ولدينا طلبة يُجيبون بما لا يعلمون، وهذا سبيلٌ لتحقيق اغترابٍ مضاعف للإنسان الذي أصبح عبدًا للذكاء الاصطناعي ولمصادر المعرفة اليسيرة. لقد أصبح الإنسانُ اليوم ميَّالاً إلى التسطيح وإلى الاكتفاء بالملخصات، وإلى العيش في وهْم العلم، دون علْم، ووهم المعرفة دون معرفة، ثقافة الفايس بوك والتويتر ومختلف المنصّات التي يتوهّم فيها الإنسانُ أوهامًا شتّى، فهو واجدٌ الأجوبة، وهو مُحاطٌ بكمٍّ من الصَّحبِ، وهو قارئ وعارفٌ، في عزلته. اليوم والإنسانُ يعيش اغترابًا مُضاعفًا بين حقيقة وجوده ووهم الوجود، صرنا نفكّر مليًّا في تعمّق الاغتراب وسيادة الاكتئاب وأوهام شتَّى، وهم المعرفة، وهم الإشعاع والشُهرة، وهم الصُحبة. لم يعد الإنسان اليوم يكتسب وجوده من حضوره الفعليّ، وإنّما هو مكتسب وجوده وتحقّقه من خوارزميّات تبعثه في فضاءٍ افتراضي، تشكِّل أحيانًا كلّ حياته.
إنّ انقطاع التواصل الاجتماعي اليوم ساعةً واحدة هو حدثٌ جلل، وأزمةٌ فارقة في وجود شقٍّ كبير من البشر، الحياة اليوم لا تُعَاش في ظاهر وخاصٍ، وإنّما هي منشورة مفضوحة على طيّات الصحف. لطالما أثارت الفلسفات الحديثة الآخر، الهُمْ، واعتبرته في أغلب الأحيان جحيمًا، وهو السلطة الجمعيّة التي وجبت مراعاته، الآخر هو المختلف وهو المتجانس، ولطالما انتقدت الفلسفات الحديثة فكرة القطيع الذي يتبع «الهُم»، ويجد نفسه مُجبرًا على الانخراط في وعيِهم وضوابطهم وسُننهم فتذوب الذات في الجمْعِ، وتتحدّد بحدودها، «الهُم» في أيّامنا ليست سلطة جمعيّة ولا نُظُما اجتماعيّة ولا خطابًا قاهرًا، بل هي خوارزميّات تحدّد سلوك الإنسان وتصنع وعيًا جمعيّا جديدًا، تصبح الذاتُ رقمًا، ملفًّا شخصيّا يربط العلاقات ويتأسّف لقلّة الإعجاب ويسعد من كثرة التعاليق والأصابع المرفوعة، تتغيّر مرحليّا مباهج الإنسان، ومصادر سعادته، بل ويتغيَّر الإنسانُ جوهرًا، في الانخراط في عوالم الخوارزميّات الذكيّة التي تتعلّم وتكبر في حين يتجهّل الإنسان ويصغر.
لاحظنا في الآونة الأخيرة ظاهرة أزعجت المثقّفين التقليديين وأربكتهم، وهي ظاهرة تحوُّل كُتّاب مواقع التواصل الاجتماعي من المجال الافتراضي إلى المجال الكُتْبيّ وخروجهم من الظلام، ومن التفاعل الافتراضي، إلى النّور، وإلى التفاعل الحقيقيّ العينيّ المباشر، وكأنّهم بدأوا يُدركون فقر العالم الافتراضي، وكأنّهم في حاجة إلى التفاعل المباشر مع النّاس، والصدمة التي أربكت المثقّفين التقليديين أنّ هذه الكائنات الافتراضيّة حقّقت احتفاءً جماهيريّا ضخْمًا، وتوافد إليهم النّاس من كلّ حدبٍ وصوْبٍ يُلامسون أيديهم، ويشترون كتبهم ويسعدون بلقائهم، احتفاء لم يلقه غابريال غارسيا ماركيز في زمانه! ولذلك فإنّ ما كان المثقّف يُعزّي به نفسه من أنّ هؤلاء المغرّدين يعيشون في وهْم اللّايكات، دون أن يكون لهم وجودٌ حقٌّ وتفاعل مع البشر قد تهاوى، وأثبتت الكائنات الخوارزميّة أنّها قادرة على جمع الحشود، وإن كان نتاجها في منظوري ومنظور جيلي تافها، فهل نحن مقدمون على كتابةٍ جديدة، تظهر أوّلا في مواقع التواصل الاجتماعي ثمّ من بعد ذلك تُدوَّن في الكتب لحفظها؟ وهل هذا الانتشار المبالغ فيه لهذه الكائنات «الكاتبة» له وقْع وأثرٌ في وشم التاريخ؟ لقد تشيَّأ الإنسانُ لكنّه يسعى إلى العودة إلى الكون، إلى الوجود، غير أنّ الغالب على وقْع الحياة هو هذا الاغتراب المضاعف الذي يُمكن أن نجد يومًا إنسانًا آليًا يُحتَفى به في معارض الكتاب ويُكَرَّمُ ويحيطُ به الجمهور من كلّ جانب.
هذه الحياة التي تعمّ فيها ثقافة السطحيّة، وعوالم من العلاقات والصلات لا تنشدّ إلى واقع الحياة، عوالم تُصنَع افتراضيّا، وكتُب تُقرَأ وتُلَخَّصُ دون أن تُقرَأ، وكُتّاب يكتبون دون أن يكون لهم من الكتابة إلاّ حسن معاشرة الخوارزميّات، وعالم يُعمِّق من الزيف والوهمَ وإن خرج إلى الواقع، هذا العالم الذي يُواجه فيه الإنسان التحدّي الوجودي المصيري الأعمق في ظلِّ آلة قد تفوقه معرفةً، بل قد تعي تفوَّقها مثلما هو الأمر مع مختلف صُور الذكاء الاصطناعي، يظهر هذا التفوّق في الألعاب، حيث صرنا نربّي ناشئة تُخاصِم الآلة، تتحاور معها، تشتمها، تمدحها، فَقَد الإنسان الطفل حسّ اللّعب مع الأشياء ملامسةً وحسّ اللّعب مع نُظرائه وأشباهه، يظهر هذا التفوُّق في الطبِّ وفي غيره من المجالات، التي سُيّدت فيها خوارزميّات الذكاء الاصطناعي، ماذا بقي لنا؟ حتّى الحبّ أصبحنا نرى ظواهر في العالم غريبة تُفضّل الإنسان الآلي، بل وتشرّع للزواج منه، فهل ما زلنا نتحدّث عن كينونة ووجود إنسانيّ.
اغتراب الإنسان ليس ظاهرة موصولة بهيمنة الخوارزميّات وأنماط الذكاء الاصطناعي، بل هو حقيقة وجوديّة، تتعمّق كلّما تعصَّر الكون، ولعلّ أمثولة الكهف الأفلاطونيّة ما زالت تصلح لزماننا، والنّاس الذين يعيشون الوهم هم نفس أناس زماننا، فكهف أفلاطون الذي احتوى ناسًا مقيّدين منذ بعثوا، لا يعرفون شيئا عن العالم الخارجي، يرون الظلال حقًّا وواقعًا، ولا يُدركون لها من أصْلٍ، ويبقون على يقين ووهمٍ بأنَّ الظلّ الذي يرونه هو الأصل ولا وجود لغيره، يتحقّق اليوم مع أناسٍ يعيشون وهم الظلال، وهم العلاقات، وهم القراءة، وهم الثقافة، وهم العلم، وهم النبوغ في عالم تتحكّم فيه الآلة في البشر، ويُنظَر إلى الإنسان مجرّد ملف! الحمد للّه ما زالت رائحة الكتب تُثير شهوتي للقراءة، وما زلتُ أرى الجمال في البشر فقط.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی ة التی الذی ی
إقرأ أيضاً:
الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
من أعظم المآسي الفكرية التي ابتُلي بها الإنسان أنه قد يعرف الله خالقًا، ولا يعرفه وليًّا.
يعرف أن الله خلق السماوات والأرض، وأنزل المطر، وأجرى الأنهار، وبسط الأرض، وأحيا وأمات، لكنه لا يدرك أن الذي خلق هو أولى بالطاعة، وأحق بالتسليم وَالاتباع، وأجدر بالحب، وأوجب بالولاء، وهنا تبدأ المشكلة.
فالقرآن الكريم لا يقدم الله للبشر على أنه مُجَـرّد خالق عظيم يدير الكون من بعيد فقط، بل يقدمه بوصفه الولي المطلق الذي لا تنفصل عنه الحياة في أي شأن من شؤونها يقول الله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱستَوَى عَلَى ٱلعَرشِ يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرضِ وَمَا يَخرُجُ مِنهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير} (الحديد:٤)، والذي لا تستقيم إنسانية الإنسان إلا بالانضواء تحت ولايته.
وحين يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}، فإنها ليست جملة خبرية فحسب، بل إعلان إلهي يهز وجدان المؤمن، ويختبر إيمانه ويعيد ترتيب علاقته بكل شيء من حوله.
إنها تعني أن الله هو الأقرب إليك من كُـلّ قريب قال الله تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ ٱلدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُواْ لِي وَليُؤمِنُواْ بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ} (البقرة:١٨٦)، والأحق بك من نفسك، والأولى بك من هواك، والأعلم بمصلحتك منك، والأرحم بك من والديك.
لماذا الله هو الولي؟
لأن الولاية ليست امتيَازا يُمنح، بل حق يثبت لصاحبه، ومن الذي يملك حق الولاية أكثر ممن خلق؟ من الذي يستحق أن يُطاع أكثر ممن أوجدك من العدم؟ من الذي يستحق أن يُتبع أكثر ممن يعلم السر وأخفى؟ من الذي يستحق أن يُسلَّم له الأمر أكثر ممن بيده ملكوت كُـلّ شيء؟ لا أحد، ولكي نفهم أبعاد هذا الحق الإلهي، لا بد أن ندرك أن (الولاية) في لغة العرب تدور حول معاني القرب والتسليم والنصرة والمحبة والتولية.
فحين يتولى اللهُ عبدَه، فإنه يقتربُ منه برحمته، ويحيطه برعايته، وينصره على مخاوفه ونفسه.
وهي ولاية ذات اتّجاهين في حياة المؤمن؛ ولاية من اللهِ لعبده بالهداية والتوفيق والتسديد، وولاية من العبد لربه بالانقياد والحب والتعظيم.
فلا يكونُ العبدُ وليًّا لله إلا إذَا ارتضى الله ربًا، والإسلام دينًا، والمنهج الإلهي دليلًا وقائدًا وبأمره مسلمًا.
إن الله لا يطالب عباده بولايته لأنه يحتاج إليهم؛ بل لأنهم هم المحتاجون إليه.
ولا يدعوهم إلى طاعته لأنه ينتفع بطاعتهم؛ بل لأن سعادتهم ونجاتهم وعزتهم لا تكون إلا في ظل هذه الولاية.
قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فالذي خلق الإنسان هو وحده الذي يعلم حقيقة هذا الإنسان، ويعلم ما يصلحه وما يفسده، وما يرفعه وما يهوي به.
ولاية لا تنقطع لحظة واحدة.
قد يغيب عنك الأب، وقد تفارقك الأم، وقد يخذلك الصديق، وقد يتخلى عنك الناس جميعًا. أما الله فلا يغيب عنك لحظة واحدة، منذ أن كنت نطفة في ظلمات الرحم وهو يتولاك، كان يخلق أعضاءك وأنت لا تشعر، وكان يهيئ رزقك وأنت لا تعلم، وكان يحفظك وأنت لا تملك لنفسك شيئًا، ثم خرجت إلى الدنيا، فوجدت الهواء جاهزًا لتتنفسه، والماء جاهزًا لتشربه، والأرض ممهدة لتعيش عليها، والشمس تشرق عليك دون أن تدفع لها ثمنًا.
أي ولاية أعظم من هذه الولاية؟ وأي رعاية أوسع من هذه الرعاية؟
ومن أسرار هذه الولاية الدائمة أنها تتجلى في أوقات المحن والأزمات أكثر مما تتجلى في أوقات الرخاء.
فحين تضيق بالمرء السبل، وتغلق في وجهه الأبواب، تتدخل الولاية الربانية لتمنح القلب سكينةً لا مبرّر مادي لها، ورضًا يربط على القلوب الوجلة.
إن حرمان الله لعبده في بعض الأحيان ليس تخلّيًا، بل هو عين الولاية؛ لأنه سبحانه يمنع بحكمته ما يضر العبد، ويعطي برحمته ما يصلحه، فالمنع منه سبحانه هو عين العطاء.
كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، وقال تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}، وقال سبحانه:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، إن الإنسان يعيش غارقًا في ولاية الله قبل أن يعرفها، ومحاطًا بعناية الله قبل أن يدركها.
الولاية ليست مُجَـرّد محبة
يختزل البعضُ الولاية في مُجَـرّد مشاعر الحب، والحب جزء منها، لكنه ليس كُـلّ حقيقتها، فالولاية تعني التسليم لله، وتعني الثقة المطلقة بالله، وتعني تقديم أمر الله على كُـلّ أمر، وتعني أن يكون حكم الله فوق كُـلّ حكم، وهدي الله فوق كُـلّ هدى، ورضا الله فوق كُـلّ رغبة، فالذي يتولى الله حقًا لا يجعل هواه قائدًا له، ولا يجعل شهوته حاكمة عليه، ولا يجعل الناس ميزانًا للحق والباطل، بل يجعل الله هو المرجع الأعلى في حياته كلها.
ولهذا قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أنفسهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، فالإيمان الحقيقي هو ثمرة الولاية الحقيقية، وحين تتحول الولاية إلى واقع معاش، فإنها تثمر في النفس التحرّر الكامل من عبودية الخلق، فالذي يتولى الله حقًا لا يذل لغيره، ولا يرجو رزقًا من سواه، ولا يخشى في الحق لومة لائم؛ لأنه يأوي إلى ركن شديد.
الولاية تجعل للمؤمن بوصلة أخلاقية ثابتة لا تتأثر بتقلبات المصالح ولا بضغط المجتمعات، فيصبح معيار الخطأ والصواب عنده مستمدًّا من وحي الولي الخبير، لا من أهواء البشر المتقلبة.
الله ولي المؤمنين، ولم يقل القرآن إن الله ولي المؤمنين بمعنى الحماية فقط، فقد قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ}.
إنها ولاية بناء وصناعة وتغيير، ولاية تنقل الإنسان من الجهل إلى المعرفة، ومن الضعف إلى القوة، ومن التبعية إلى الحرية، ومن الضياع إلى الهداية، ومن الخوف إلى الطمأنينة.
فالإنسان بلا ولاية الله يعيش تائهًا مهما امتلك من أسباب القوة، ويعيش فقيرًا مهما ملك من الأموال، ويعيش مظلمًا مهما أحاط نفسه بالأضواء؛ لأن النور الحقيقي هو نور الله، والهداية الحقيقية هي هداية الله.
لماذا يجب أن نتولى الله؟
لأن كُـلّ شيء منه، وجودك منه، وحياتك منه، ورزقك منه، وقوتك منه، وعلمك منه، وهدايتك منه، ومصيرك إليه.
فأي جحود أعظم من أن ينتفع الإنسان بكل ما أعطاه الله، ثم يجعل ولاءه وطاعته وخضوعه لغير الله؟
وأي ظلم أكبر من أن يأكل من رزق الله، ويتنفس هواء الله، ويعيش في ملك الله، ثم لا يرى لله حق الولاية عليه؟
ولهذا كان أعظم نداء في القرآن هو العودة إلى الله وليًّا وقائدًا وهاديًا ومعبودًا.
خطورة اتِّخاذ أولياء من دون الله
إن المأساة الحقيقية تكمن في أن الإنسان إذَا تخلّى عن ولاية الله، أَو غفل عنها، فلن يعيش في فراغ، بل سيبحث غريزيًّا عن «أولياء» آخرين يتولاهم ويسلّم لهم زمام أمره.
قد يتولى الإنسان ماله، أَو منصبه، أَو رجلًا قويًّا يرجو حمايته، أَو حتى يتولى هواه ونظريات بشرية قاصرة.
وهنا يقع في فخ الخِذلان؛ لأن كُـلّ ولاية غير ولاية الله هي ولاية هشة، واهية كبيت العنكبوت.
قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
فكل مستند إلى غير الله ساقط، وكل معتز بغير الله ذليل، وكل من طلب النصرة والشفاء والهداية من غير وليه الحق، فقد ضل ضلالًا بعيدًا ووضع نفسه في موطن الضياع.
إذن.. حين يفهم الإنسان معنى ولاية الله، يدرك أنه لا يوجد في هذا الوجود من هو أولى به من الله.
لا أحد أعلم به من الله، ولا أحد أرحم به من الله، ولا أحد أصدق منه وعدًا، ولا أحد أكمل منه حكمة، ولا أحد أعظم منه قدرة.
لذلك كانت ولاية الله ليست خيارًا من بين خيارات متعددة، بل هي الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن تُتبع، والطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك.
فالله سبحانه ليس وليَّنا لأنه الأقوى فقط، ولا لأنه الخالق فقط، بل لأنه الكامل المطلق الذي لا يأتي من ولايته إلا الخير، ولا يأتي من هدايته إلا النور، ولا يأتي من القرب منه إلا العزة والكرامة والفلاح.
{فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُـلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.