يستعرض تقرير كاسبرسكي الأمني لعام 2025 أبرز اتجاهات الأمن السيبراني للعام الماضي، ويسلط الضوء على مستقبل الأمن السيبراني، ويركز في جزئه الأول على القطاع المالي، فقد واجه هذا القطاع وفقاً للتقرير بيئة سيبرانية سريعة التطور؛ إذ انتشرت البرمجيات الخبيثة عبر تطبيقات المراسلة، والهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، واختراقات سلاسل التوريد، وعمليات الاحتيال عبر تقنية الاتصال قريب المدى (NFC).

وفقاً لإحصائيات شبكة كاسبرسكي الأمنية لعام كامل (من نوفمبر 2024 حتى أكتوبر 2025)، تعرض 8.15% من المستخدمين في القطاع المالي إلى تهديدات سيبرانية، في حين واجه 15.81% تهديدات محلية (على الأجهزة).

وقد اكتشفت حلول كاسبرسكي الأمنية 1,338,357 هجوماً من نوع برمجية طروادة لسرقة البيانات المصرفية، وواجهت 12.8% من مؤسسات القطاع المالي الموجهة للشركات (B2B) هجمات برمجيات فدية خلال العام، وبذلك يشهد عام 2025 زيادة بنسبة 35.7% في عدد المستخدمين المتأثرين مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

يسلط خبراء كاسبرسكي الضوء على اتجاهات وقضايا الأمن السيبراني التالية التي شكلت ملامح القطاع المالي في عام 2025:

هجمات سلاسل التوريد: واجه القطاع المالي سلسلة غير مسبوقة من هجمات سلاسل التوريد تستغل ثغرات أمنية عند الشركات الخارجية المزودة للخدمات لتحقيق أهدافها الرئيسية، وأوضحت هذه الاختراقات كيف أنّ الثغرات الأمنية لدى الجهات الخارجية قد تؤدي إلى تداعيات تنتشر تباعاً عبر شبكات الدفع الوطنية، وتؤثر أيضاً على الأنظمة المركزية.

تعاون شبكات الجريمة المنظمة مع الجريمة السيبرانية: باتت جماعات الجريمة المنظمة تعتمد أكثر على الجمع بين الأساليب المادية التقليدية والرقمية في عملياتها، مما يؤدي إلى هجمات أكثر تعقيداً وتنظيماً. فقد عانت المؤسسات المالية من تهديدات تجمع بين عناصر عديدة منها: الهندسة الاجتماعية، والتلاعب الداخلي، والاستغلال التقني.

برمجيات خبيثة قديمة وقنوات جديدة: ازداد اعتماد المجرمين السيبرانيين على تطبيقات المراسلة الشائعة لنشر البرمجيات الخبيثة، فانتقلوا من التصيد الاحتيالي عبر البريد الإلكتروني إلى القنوات الاجتماعية. وقد عمل المجرمون على تعديل برمجيات طروادة بحيث يستخدمون منصات وتطبيقات المراسلة كقناة توزيع جديدة لها، مما يؤدي إلى انتشار تلك البرمجيات على نطاق واسع.

الذكاء الاصطناعي يضاعف خطورة البرمجيات الخبيثة: ازداد اعتماد البرمجيات الخبيثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تقنيات الانتشار والتخفي الآلية، فانتشرت الهجمات بشكل أسرع، ووصلت إلى عدد أكبر من الأهداف. فباتت هذه الأتمتة تقلص الوقت بين إنشاء البرمجيات الخبيثة وإطلاقها.

هجمات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول والاحتيال عبر تقنية NFC: تستخدم البرمجيات الخبيثة في نظام أندرويد نظام التحويل الآلي، فتعمل على أتمتة العمليات المالية، فتغير مبالغ التحويل وجهات الاستلام دون علم المستخدم. كذلك برزت الهجمات الاحتيالية عبر تقنية الاتصال قريب المدى NFC، مما يتيح تنفيذ عمليات الاحتيال المادي في الأماكن المزدحمة، وعمليات الاحتيال عن بعد عبر أساليب الهندسة الاجتماعية والتطبيقات الزائفة التي تتظاهر بأنها تطبيقات لمصارف موثوقة.

زيادة ملحوظة في بنية التحكم والقيادة (C2) المعتمدة على تقنية سلسلة الكتل: يعمل المجرمون الذين يستخدمون البرمجيات الإجرامية على تضمين أوامر برمجية خبيثة في عقود سلسلة الكتل الذكية، فيستهدفون بذلك بيئة Web3 لسرقة العملات المشفرة. وتضمن هذه الطريقة الاستمرارية، وتصعب عملية التخلص من البنية التحتية. فعندما يستخدم المجرمون سلسلة الكتل في عملياتهم التي تستهدف بنية C2، فإنّهم يواصلون التحكم والسيطرة حتى لو توقفت الخوادم التقليدية، مما يشير إلى مستوى جديد من المرونة في الهجمات السيبرانية.

الحضور الدائم لبرمجيات الفدية: تظل هذه الهجمات تهديداً دائماً للقطاع المالي؛ إذ تأثرت بها 12.8% من المؤسسات المالية الموجهة للأعمال (B2B) بين نوفمبر 2024 وأكتوبر 2025.

اختفاء بعض مجموعات البرمجيات الخبيثة: من المرجح أن تختفي بعض مجموعات البرمجيات الخبيثة لأن نشاطها مرهون بعمليات جماعات إجرامية محددة.

قال فابيو أسوليني، رئيس وحدتي الأمريكيتين وأوروبا في فريق البحث والتحليل العالمي لدى كاسبرسكي: «تطورت التهديدات السيبرانية المالية خلال عام 2025 إلى مشهد بالغ التعقيد، فقد استهدفت الهجمات الشركات والمستخدمين النهائيين على حد سواء. وباتت المجموعات الإجرامية تعتمد على مزيج من الأدوات الرقمية، والوصول الداخلي، والذكاء الاصطناعي، وتقنية سلسلة الكتل لتوسيع نطاق عملياتها، الأمر الذي دفع المؤسسات إلى تعزيز أمن أنظمتها وحماية كوادرها البشرية العاملة لديها. ».

تتضمن توقعات كاسبرسكي لمشهد الأمن السيبراني المالي لعام 2026 ما يلي:

تعديل برمجيات أحصنة طروادة المصرفية لنشرها عبر واتساب: ستعمل المجموعات الإجرامية على تعديل برامج أحصنة طروادة المصرفية وتوسيع نطاق انتشارها، وستستغل تطبيقات المراسلة مثل واتساب لاستهداف الشركات والمؤسسات الحكومية التي تواصل اعتمادها على الخدمات المصرفية الإلكترونية عبر الحواسيب المكتبية. ففي هذه البيئات تنتشر برامج أحصنة طروادة المصرفية التي تستهدف الأجهزة العاملة بنظام ويندوز.

تنامي خدمات التزييف العميق/الذكاء الاصطناعي في الهندسة الاجتماعية: تبدو تجارة خدمات التزييف العميق الواقعي والحملات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مرشحة للتوسع والازدياد، مما يعزز عمليات الاحتيال المرتبطة بمقابلات العمل وعروض الوظائف، ويزيد الطلب السري على الأدوات التي تتخطى كلياً آليات التحقق من العملاء (KYC).

ظهور مجموعات إجرامية إقليمية لسرقة المعلومات: يتواصل النشاط الإجرامي لمجموعات سرقة المعلومات مثل Lumma وRedline وغيرهما، ونتوقع ظهوراً لمجموعات أخرى إقليمية تستهدف دولاً أو مناطق محددة بعينها، مما يؤدي إلى تزايد الاعتماد على نموذج «البرمجيات الخبيثة كخدمة».

هجمات أكثر على عمليات الدفع بتقنية NFC: تعد تقنية الاتصال قريب المدى تقنية رئيسية مستخدمة في المدفوعات، لهذا نتوقع استخدام مزيد من الأدوات والبرمجيات الخبيثة لشن الهجمات التي تستهدف عمليات الدفع بتقنية NFC، بجميع أشكالها.

ظهور برمجيات خبيثة معتمدة على الذكاء الاصطناعي الوكيل: تتميز البرمجيات الخبيثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي الوكيل بقدرتها على تغيير سلوكها في أثناء تنفيذ الهجمات. فبخلاف البرمجيات الخبيثة التقليدية التي تعتمد على أوامر محددة مسبقاً، فإنّ هذه النسخ الوكيلة مصممة لتقييم بيئتها، وتحليل تأثيرها، وتكييف أساليبها بما يلائمها فورياً. وقد تُبدي برمجية خبيثة واحدة مجموعة متنوعة من السلوكيات مثل التسلل الأولي، واستخراج البيانات، وتعطيل النظام، ويحصل ذلك وفقاً للدفاعات والثغرات الأمنية التي تواجهها.

أساليب جديدة لتنفيذ عمليات الاحتيال التقليدية: تظل عمليات الاحتيال تهديداً كبيراً للمستخدمين النهائيين، غير أنّ أساليب تنفيذ الاحتيال ستواصل تطورها. فحينما تظهر خدمات ومنصات مراسلة جديدة، سيكيّف المهاجمون أساليبهم لتناسب القنوات التي ينشط فيها أهدافهم المحتملون.

استمرار انتشار الأجهزة الجديدة المصابة مسبقاً: سيتواصل خطر الأجهزة الذكية الزائفة التي تباع وهي مصابة مسبقاً ببرمجيات أحصنة طروادة الخبيثة (مثل برمجية تريادا). تتميز هذه البرمجيات بقدراتها الواسعة مثل سرقة بيانات الحسابات المصرفية، ولا يقتصر خطرها على هواتف أندرويد الذكية المباعة عبر قنوات غير رسمية (السوق الرمادية)، بل تطال أجهزة ذكية أخرى مثل أجهزة التلفزيون.

 

يوصي خبراء كاسبرسكي باتباع الخطوات التالية لتعزيز الأمن:

راقب بانتظام الحسابات والمعاملات بحثاً عن أي نشاط مشبوه.

حمّل التطبيقات من المتاجر الرسمية حصراً، وتحقق من صحة بيانات المطور.

عطّل تقنية NFC عندما لا تحتاج إليها، واستخدم محافظ إلكترونية تمنع الاتصالات غير المصرح بها.

ويمكن للمؤسسات المالية اعتماد استراتيجية أمن سيبراني معتمدة على منظومة متكاملة تجمع بين الأفراد، والعمليات، والتقنيات:

تقييم البنية التحتية بالكامل، وإصلاح الثغرات الأمنية، والاستعانة بخبراء مختصين من خارج المؤسسة للحصول على رؤى جديدة تكشف عن المخاطر السيبرانية الخفية.

اعتماد منصات متكاملة لتمنحك القدرة على مراقبة جميع نواقل الهجمات والتحكم بها، وتضمن سرعة الاكتشاف والاستجابة في عموم المؤسسة.

مواكبة أحدث التطورات في مشهد التهديدات السيبرانية بالاعتماد على منصة استخبارات التهديدات السيبرانية والتحليلات من كاسبرسكي، وإجراء تدريبات توعوية منتظمة لتأهيل كادر بشري يكتشف التهديدات ويطبق سياسات الأمن.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: البرمجیات الخبیثة الذکاء الاصطناعی تطبیقات المراسلة الأمن السیبرانی عملیات الاحتیال القطاع المالی أحصنة طروادة عام 2025

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • الرعاية الصحية: أكثر من 15.5 مليون خدمة طبية وعلاجية للمواطنين منذ انطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل
  • أسعار النفط ترتفع بأكثر من واحد بالمائة
  • طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
  • الفقر في ألمانيا يسجل مستوى قياسياً جديداً ويطال أكثر من 13 مليون شخص
  • أكثر من نصف مليون بين متضرر ومهجّر.. ماذا كشفت دراسة عن نزع الملكية في مصر؟
  • جراحتان روبوتيتان في يوم واحد.. مدينة الملك عبدالله الطبية تنقذ حاجين من انسدادات قلبية معقدة
  • قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال يدفع نحو هجوم جديد على غزة
  • محافظ الوادي الجديد: توريد أكثر من نصف مليون طن قمح حتى الآن
  • جثث على الأسفلت.. أرقام صادمة عن حوادث الطرق | تراجع الوفيات وارتفاع الإصابات
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش