بعدما خاضت أمريكا في نهاية ولاية الرئيس جو بايدن وبداية ولاية الرئيس دونالد ترامب، أم الحروب الي تهرّبت منها طويلاً، وهي حرب تغيير الشرق الأوسط، فنقلت التهديد المزمن بالحرب على إيران إلى ساحات الحرب، واستجابت للفرضية التي وضعها أمامها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وفق معادلة إذا هزمنا هزمتم وإذا انتصرنا انتصرتم، فخرجت أمريكا للحرب بكل ما لديها لمنع هزيمة “إسرائيل” التي بدأت تقترب مع الفشل الإسرائيلي في القضاء على المقاومة في غزة وتحرير الأسرى بالقوة، بينما جبهة إسناد لبنان تجعل مدن الشمال مدن أشباح وتضخ المزيد من النازحين إلى الوسط، واليمن يقفل ميناء إيلات ويسيطر على البحر الأحمر، الذي كان في حربي عام 1967 و1973 محور الخطط الحربية الإسرائيلية، وعبر ذلك كله تزداد الأزمة الوجودية في الكيان التي فجرها طوفان الأقصى عندما قال إن جيش الاحتلال لا يشكل ضمانة كافية لشعور المستوطنين بالأمن.

– خرحت أمريكا للحرب بكل ما لديها من تكنولوجيا وأسلحة وذخائر وخطط جاهزة ومخزون استخباري، وبدأ الهجوم المعاكس بعد اجتماعات تموز 2024 في واشنطن، خلال زيارة نتنياهو وقبيل وضع الحزمة الأمريكية القاتلة التي تم تجييرها لـ”إسرائيل”، بعمليات اغتيال بدأت برئيس حركة حماس إسماعيل هنية وبلغت سقفها مع اغتيال قائد ومؤسس مقاومة الأهم في لبنان السيد حسن نصرالله، وتضمّنت تفجير البايجر واللاسلكي، ورغم نسبتها لـ”إسرائيل” بقي السؤال لماذا لم تقم بـ”إسرائيل” بتفعيلها قبل ذلك وهي في ذروة أزمتها على كل الجبهات، ولم يفرج عنها إلا بعد زيارة نتنياهو لواشنطن في تموز 2024، لكن عندما جاء دور “إسرائيل” للقطاف بخوض حرب برية على جبهة لبنان كانت الحصيلة الفشل الذريع، وحاولت أمريكا بايدن قيادة مسار الخروج من الحرب وتحديد الخسائر، لكن “إسرائيل” نجحت بالمناورة حتى دخل الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، وتبنى خيار الحرب على اليمن وغزة وإيران، وقيادة الحصار على المقاومة في لبنان بتسريع إسقاط النظام السابق في سورية، وإعادة إنتاج مؤسسات السلطة في لبنان بما يضمن خوض معركة إنهاء سلاح المقاومة.

– صمدت المقاومة في لبنان وأحسنت إدارة العلاقة بمؤسسات السلطة الجديدة في لبنان، ونجحت المقاومة في غزة بتحمل تبعات حرب الإبادة والتجويع بكل ما فيها من وحشية وأهوال، ووقف شعبها معها، وفشل الرهان على استسلام المقاومة أو استسلام شعبها، لكن اليمن ربح الحرب، وإيران أقامت توازن قوة انتهى بعجز أمريكا و”إسرائيل” عن مجاراتها بالاستعداد لمواصلة القتال، بعدما ظهر أن حرب الاستنزاف قاتلة لكل من واشنطن وتل أبيب، وبدأت مساعي وقف النار في غزة بعد وقف النار في اليمن بشروط يمينة، وفي إيران بشروط ايرانية، وبدأت بالتزامن معها مناقشات رسم استراتيجية الأمن القومي لإدارة الرئيس ترامب، بينما كانت حرب أوكرانيا ترسم معادلات فشل مشابه يصيب حلفاء واشنطن، والحل نفسه في محاولات ترويض الصين سواء بحرب جمركية أو محاولة الحد من مستوى النمو الصيني ورفع مستوى النمو الأمريكي، لأن الأسواق كانت تقول باستحالة استرداد زمام المبادرة في المنافسة الاقتصادية مع الصين.

– جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة قبل يومين تقول إن روسيا ليست تهديداً بل تحدٍّ لكيفية صناعة التسويات، والصين ليست عدواً بل منافس يمكن التوصل معه إلى قواعد اشتباك، والشرق الأوسط لا يجوز أن يكون ساحة حروب مفتوحة، وإن الأمريكيتين الشمالية والجنوبية هما المدى الحيوي للأمن القومي الأمريكي، وإن إعادة صياغة الداخل الأمريكي أولوية الأمن القومي، وإن أوروبا وسائر الحلفاء يجب أن يتعلموا الاعتماد على أنفسهم، وليس من شك في أن هذه الاستراتيجية هي أهم ثمرات الحرب التي دارت بلحمنا ودمنا، وأن هذه الاستراتيجية بعد التغييرات التي لحقت بالرأي العام العالمي لصالح فلسطين هي أهم ثمرات التضحيات الجسام التي قدّمتها شعوب المنطقة وفي طليعتها الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني.

– وفقاً لهذه الاستراتيجية معطوفة على ما شهده الرأي العام الغربي والأمريكي خصوصاً من تحوّلات، تخسر “إسرائيل” أهم ركنين لصناعة السياسة والحرب، رغم كل الضعف العربي والإسلامي الذي يُغري قادة “إسرائيل” بمواصلة لحروب أملاً بالنصر المطلق الذي تحدّث عنه نتنياهو، لكن دون هذا النصر شروط وأثمان لا تستطيع “إسرائيل” توفيرها دون استعادة أمريكا إلى ميادين الحروب ودون استرداد الرأي العام العالمي إلى ضفة التأييد، وبغياب فرص واقعية لتحقيق أي من هذين الشرطين، على “إسرائيل” التواضع والتخلّي عن الحلم بنزع سلاح المقاومة، والتوسّع وفقاً لخرائط المياه والنفط بتغيير الحدود، والبحث عن مخارج من نوع اعتبار النصر محققاً بأبعاد التهديد الراهن وليس التهديد الاستراتيجي المتمثل ببقاء المقاومة ومحور المقاومة وإيران بقدرات متزايدة، والقبول بإغماض العين عن تهديد استراتيجي يتمثل ببقاء المقاومة ومحور المقاومة وإيران على عقيدة قتال “إسرائيل” وبقوة قابلة للنمو تحضيراً لجولة جديدة لا تكون أمريكا طرفاً فيها.

– كلام توماس برّاك المكثف خلال يومين بعدة إطلالات مبرمجة، يقول لا فرصة للرهان على قيام الجيش اللبناني بالدخول في مواجهة عسكرية مع المقاومة، ولا قدرة لـ”إسرائيل” على سحق المقاومة ونزع سلاحها، وكأنه مكلف بمهمة تسويقية للاستراتيجية الجديدة، فيقول لقد حاولنا مرتين إسقاط النظام في إيران وكانت محاولات فاشلة، وجرّبنا دفع الجيش اللبناني لقتال شريحة لبنانية عامي 82 و83 وفشلنا، وكما تحتمي أمريكا خلف الأطلسي، على “إسرائيل” أن تختبئ خلف الجدران.

* رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟

 

 

 

د. علي موسى الكناني

في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الأمن السيبراني عاملا ثانويا، أو مكمّلا؛ بل تحوّل إلى أحد المحرّكات الخفيّة التي أثّرت بشكل مباشر على مسار الأحداث؛ سواء في الميدان أو داخل بنية الدولة. ما جرى في هذا المجال لم يكن حدثا واحدا واضحا؛ بل سلسلة من العمليات المتداخلة التي تراكم تأثيرها مع الوقت.

أول ما يمكن ملاحظته هو أن الهجمات السيبرانية أدّت إلى إرباك مستمر في إدارة البنى التحتية الحيوية. لم يكن الهدف دائما التدمير الكامل؛ بل خلق حالة من الضغط المتواصل عبر اختراقات محدودة، أو محاولات تعطيل جزئية؛ شبكات الكهرباء، أنظمة الاتصالات، وبعض المرافق المرتبطة بالطاقة، تعرّضت لمحاولات اختراق أو تشويش، ما فرض على المؤسسات المعنية العمل في حالة استنفار دائم. هذا الاستنزاف الفني والتقني انعكس على كفاءة الأداء العام، وأجبر الدول على تخصيص موارد إضافية للحماية بدلا من توجيهها بالكامل إلى الجهد العسكري التقليدي.

كما لعبت الهجمات السيبرانية دورًا واضحًا في تعزيز القدرة الاستخبارية للأطراف المتصارعة. عمليات الاختراق لم تكن تهدف فقط إلى التعطيل؛ بل إلى جمع معلومات دقيقة حول التحركات، والاتصالات، والبنية التنظيمية. هذا النوع من المعلومات وفر أفضلية نسبية في اتخاذ القرار، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. في بعض الحالات، أدى تسريب أو الوصول إلى بيانات حساسة إلى تغيير تكتيكات ميدانية أو إعادة ترتيب أولويات.

وكان هناك تأثير ملحوظ في القطاع الاقتصادي والمالي؛ فالهجمات التي استهدفت أنظمة مصرفية أو خدمات إلكترونية لم تؤدّ بالضرورة إلى انهيار شامل، لكنها خلقت حالة من القلق وعدم اليقين. المستخدمون واجهوا صعوبات مؤقتة في الوصول إلى خدماتهم، والشركات اضطرّت إلى تعليق بعض العمليات أو تعزيز إجراءاتها الأمنية بشكل مكلف. هذه الأجواء أثّرت على ثقة السوق، خاصة في ظل تزامنها مع توترات عسكرية، ما جعل الاقتصاد جزءا من دائرة الضغط.

ومن أبرز ما حدث أيضًا هو تصاعد الحرب الإعلامية الرقمية. الفضاء السيبراني تحوّل إلى ساحة لنشر الروايات المتضاربة، سواء عبر منصّات التواصل أو من خلال اختراق حسابات أو مواقع. هذا الأمر أدّى إلى تشويش في تدفّق المعلومات، وصعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي، وما هو مضلل. نتيجة لذلك، أصبح الرأي العام هدفا مباشرا، حيث تسعى كل جهة إلى التأثير عليه أو توجيهه بما يخدم مصالحها.

إضافة إلى ذلك، شهدت الحرب استهدافًا للأنظمة اللوجستية وسلاسل الإمداد. بعض العمليات ركّزت على تعطيل منصات إدارة النقل أو الشحن، أو إرباك الأنظمة المرتبطة بتوزيع الموارد. ورغم أن هذه الهجمات غالبا ما تكون محدودة زمنيا، إلّا أن تأثيرها التراكمي يؤدي إلى بطء في الحركة الاقتصادية وخلل في توفر بعض الخدمات أو المواد.

ومن الجوانب المهمة أيضا التأثير النفسي والاجتماعي؛ فمجرد الإعلان عن هجوم سيبراني أو حتى احتمال حدوثه كان كفيلًا بإثارة القلق داخل المجتمع. الخوف من فقدان خدمات أساسية مثل الكهرباء أو الاتصالات أو الأنظمة الصحية الرقمية خلق حالة من التوتر، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا. هذا الضغط النفسي يشكل بحد ذاته أحد أهداف الهجمات، لأنه يؤثّر على الاستقرار الداخلي.

في الوقت نفسه، أجبرت هذه التطورات الدول على إعادة توزيع أولوياتها ومواردها. لم يعد التركيز منصبّا فقط على الجبهات العسكرية؛ بل أصبح من الضروري تعزيز الدفاعات الرقمية، وتأمين الشبكات، وتدريب الكوادر. هذا التحول يعني أن جزءًا من الجهد والميزانية يتم توجيهه نحو مواجهة تهديد غير مرئي، لكنه مؤثر.

كما برزت مسألة صعوبة تحديد المسؤولية كعامل معقد في هذه الحرب. في كثير من الحالات، لا يمكن الجزم بشكل قاطع بمن يقف وراء الهجوم، بسبب استخدام تقنيات إخفاء المصدر، أو الاعتماد على أطراف وسيطة. هذا الغموض يقلل من فرص الرد المباشر، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، لأن كل طرف قد يفسر الهجمات بطريقته.

ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو امتداد لتجارب سابقة، مثل هجوم "ستوكسنت"، الذي أظهر مبكرًا كيف يمكن للهجمات الرقمية أن تنتقل من مجرد تعطيل أنظمة إلى التأثير على منشآت مادية حساسة. هذا النموذج أصبح مرجعا ضمنيا لما يجري حاليًا، لكن بأدوات أكثر تطورًا وانتشارًا.

في المحصلة.. ما حدث بسبب الأمن السيبراني في هذه الحرب لم يكن حدثًا حاسمًا واحدًا؛ بل تراكم تأثيرات متعدّدة غير مباشرة. هذه التأثيرات شملت إرباك البنى التحتية، وتعزيز القدرات الاستخبارية، الضغط على الاقتصاد، التأثير على الرأي العام، واستنزاف الموارد. وبذلك، أصبح الأمن السيبراني عاملًا يحدّد إيقاع الصراع ويضيف إليه بُعدًا مُعقدًا، يجعل من الحرب أكثر تشابكا وأقل قابلية للتنبؤ بنتائجها.

مقالات مشابهة

  • «تنفيذى الشارقة» يعتمد استراتيجية الأمن السيبراني للإمارة
  • إسرائيل تخصص 20 مليار شيكل للشمال ونتنياهو يعد بالأمن
  • السفير الأمريكي بلبنان : وقف إطلاق النار لا يزال سارياً .. والمفاوضات مع إسرائيل إيجابية
  • الطفولة الملغومة.. قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط
  • التيار: نأسف لأنّ السلطة اللبنانية لم تنجح حتى اليوم في صياغة استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع
  • توقف رسائل التفاهم بين أمريكا وإيران
  • القتال الصامت.. كيف أعاد الأمن السيبراني تشكيل مسار الحرب؟
  • جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
  • قاد تطوير الصاروخ «آرو 3».. نتنياهو يعلن اسم رئيس مجلس الأمن القومي القادم
  • مهاجمة دول الخليج.. أمريكا تكشف عن خطأ فادح ارتكبه الإيرانيون خلال الحرب