تحليل بقلم الزميل، ناثان هودج، بـCNN

(CNN)-- ربما لم يُحرز مبعوثو الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الكرملين تقدماً يُذكر خلال محادثات الأسبوع الماضي في موسكو بشأن اتفاق سلام محتمل مع أوكرانيا، لكن الروس الآن يملكون ميزة جديدة: تفاقم الانقسامات بين واشنطن وأوروبا.

وجدد ترامب انتقادات إدارته لأوروبا، الثلاثاء، قائلاً في مقابلة نُشرت حديثاً مع موقع بوليتيكو إن الدول الأوروبية "ضعيفة" و"متداعية" بسبب سياساتها المتعلقة بالهجرة.

كما زعم أن روسيا "تتمتع بالأفضلية" في حربها على أوكرانيا، وأن الوقت قد حان للرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، "ليبدأ بتقبّل الأمور" فيما يتعلق بجهود إنهاء الصراع، وقال ترامب: "عليه أن يُبادر ويبدأ بتقبّل الأمور، كما تعلمون، عندما تكونون خاسرين".

وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي في أعقاب إصدار الأسبوع الماضي لاستراتيجية جديدة للأمن القومي استهدفت الحكومات الأوروبية لدعمها لأوكرانيا، وألقت باللوم على "المسؤولين الأوروبيين الذين لديهم توقعات غير واقعية للحرب" لوقوفهم في طريق اتفاق السلام.

ويؤكد البيان أن "أغلبية أوروبية كبيرة ترغب في السلام، إلا أن هذه الرغبة لا تُترجم إلى سياسات، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى تقويض الحكومات للعمليات الديمقراطية".

وقد انتقد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، هذا البيان الاستراتيجي، الثلاثاء، قائلاً في مؤتمر صحفي: "بعضه مفهوم، وبعضه الآخر غير مقبول بالنسبة لنا من منظور أوروبي"، مضيفاً أن الدول الأوروبية لا تحتاج إلى مساعدة من الولايات المتحدة "لإنقاذ الديمقراطية" في أوروبا.

ولكن صياغة إدارة ترامب - التي تصوّر أوروبا كعقبة معادية للديمقراطية أمام العلاقات المستقرة مع روسيا - كانت بمثابة فرصة ذهبية للمسؤولين الروس.

رحّب المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، بنشر الوثيقة، قائلاً، الأحد، إنها "تتماشى مع رؤيتنا"، وذلك في تصريحات أدلى بها، الاثنين، موضحا أن "الدقة التي نراها في المفهوم الجديد تُعجبنا بلا شك. فهي تُشير إلى ضرورة الحوار وبناء علاقات بنّاءة وطيبة".

واستغل كيريل ديميترييف الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي والوسيط الرئيسي في المفاوضات الدبلوماسية الأخيرة بين واشنطن والكرملين، هذه الفرصة، ففي سلسلة منشورات على منصة إكس (تويتر سابقا)، احتفى بانتقادات ترامب للدول الأوروبية، وخاصة تحذيره من أن "على أوروبا أن تكون حذرة للغاية" وأنها "تسير في اتجاهات سيئة... سيئة للغاية بالنسبة للشعوب".

وجاءت تصريحات ترامب ردًا على سؤال حول تغريم منصة إكس مبلغ 140 مليون دولار من قبل هيئات تنظيمية تابعة للاتحاد الأوروبي، الجمعة، لانتهاكها قواعد المحتوى الإلكتروني الأوروبية.

ورد إيلون ماسك، مالك منصة إكس، بمنشورات تدعو إلى إلغاء الاتحاد الأوروبي، لكن من المفارقات أن يضخم المسؤولون الروس اتهامات إدارة ترامب بتراجع الديمقراطية في أوروبا: فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين قضى فعليًا على المنافسة السياسية وحطّ من حرية الإعلام على مدار ربع قرن من الحكم. علاوة على ذلك، تحجب روسيا فعلياً الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإكس، رغم أن ذلك لا يمنع المسؤولين الروس ذوي العلاقات الجيدة مثل ديميترييف من استخدام هذه المنصات التقنية لبث وجهات نظرهم باللغة الإنجليزية.

لكن يبدو أن هناك استراتيجية مُتعمّدة، فقد استهدفت السياسة الروسية بوضوح تقويض الدعم الأوروبي لأوكرانيا، مع استغلال الفرصة لبثّ الشكوك حول جدوى حلف الناتو، كما أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارة ترامب تُعطي موسكو مزيدًا من الذخيرة في حرب معلوماتية تهدف إلى التأثير على الرأي العام في كل من الولايات المتحدة وأوروبا.

ولقد مررنا بهذا من قبل: فالتداعيات في أوروبا على إعلان إدارة ترامب عن استراتيجية الأمن القومي الجديدة تُشبه الصدمة التي شعر بها الأوروبيون بعد خطاب نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير، والابتهاج الذي يُرجّح أن يكون قد عبّر عنه سكان موسكو إزاء انتقادات واشنطن لأوروبا يُذكّر بالابتهاج الذي ساد بعد توبيخ ترامب وفانس العلني لزيلينسكي في المكتب البيضاوي في وقت لاحق من ذلك الشهر.

وقام زيلينسكي بجولات مكثفة في أوروبا هذا الأسبوع، حيث عقد اجتماعات مع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا في لندن، والتقى بمسؤولين من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي في بروكسل لحشد الدعم لأوكرانيا، لكن في الوقت نفسه، تصاعدت حدة الرسائل الروسية الموجهة إلى أوروبا، وتصاعدت معها التحذيرات الموجهة إليها.

وفي مقابلة على التلفزيون الروسي الرسمي، صرّح الخبير السياسي الروسي المتشدد، سيرغي كاراغانوف، بأن روسيا "في حالة حرب مع أوروبا، لا مع أوكرانيا البائسة والمضللة".

وأضاف كاراغانوف أنه لا يتحدث باسم بوتين، لذا يمكنه إبداء رأيه بصراحة تامة: "لن تنتهي هذه الحرب حتى نسحق أوروبا، أخلاقياً وسياسياً"، ولكن حتى لو لم يكن كاراغانوف يتحدث باسم الحكومة الروسية، فمن الواضح أنه ينقل تهديدات أطلقها بوتين نفسه.

وعشية اجتماعه مع المبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر في موسكو الأسبوع الماضي، حذر بوتين من أن روسيا "مستعدة الآن" للحرب مع أوروبا - رغم أنها لا تخطط لبدء حرب، إذ قال: "لا نخطط لخوض حرب مع أوروبا.. لقد تحدثت عن هذا الأمر مئة مرة، ولكن إذا أرادت أوروبا فجأةً خوض حرب معنا وبدأت، فنحن على أهبة الاستعداد الآن"، هكذا صرّح، الثلاثاء الماضي.

لكن الجمهور المستهدف لمثل هذا التلويح بالقوة واضح، ويريد الكرملين التأكد من أن الأوروبيين يشعرون بالقلق إزاء الخطاب الذي يُزعزع العلاقات عبر الأطلسي التي تُعدّ أساسًا لتأسيسهم.

المصدر

المصدر: CNN Arabic

كلمات دلالية: دونالد ترامب اتفاق سلام محتمل مع أوكرانيا أوروبا الأزمة الأوكرانية الجيش الأوكراني الجيش الروسي الكرملين دونالد ترامب فلاديمير بوتين كييف موسكو فی أوروبا حرب مع

إقرأ أيضاً:

بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا

لم تعد المنافسة الصينية في سوق السيارات الأوروبية تقتصر على تقديم طرازات كهربائية منخفضة التكلفة، بل دخلت مرحلة جديدة تستهدف الفئة الأعلى ربحية في الصناعة، مع استعداد مجموعة من شركات التكنولوجيا الصينية لدخول سوق السيارات الفاخرة، في تحد مباشر لعلامات ألمانية عريقة مثل مرسيدس-بنز وبي إم دبليو وبورشه.

وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، تقود شركة شاومي هذه الموجة الجديدة، بعدما أعلنت خططا لدخول السوق الأوروبية العام المقبل، واختارت ألمانيا، أكبر أسواق السيارات في القارة وأكثرها تنافسية، نقطة انطلاق لاستراتيجيتها، واضعة هدفا يتمثل في أن تصبح ضمن أكبر خمس علامات للسيارات الفاخرة في أوروبا بحلول عام 2030.

ولا تتحرك شاومي وحدها، إذ تستعد شركات مثل إكس بينغ (Xpeng)، ولي أوتو (Li Auto)، وآيتو (Aito) المدعومة من هواوي، لتوسيع حضورها الخارجي، مستفيدة من الخبرة التي اكتسبتها في أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم.

من المنافسة السعرية إلى المنافسة التقنية

واعتمدت الشركات الصينية خلال السنوات الماضية على الأسعار المنخفضة لاختراق الأسواق الخارجية، لكن الموجة الجديدة تراهن على التكنولوجيا أكثر من السعر.

شاومي تراهن على الفئة الفاخرة بدلا من المنافسة السعرية (حساب شاومي على إكس)

وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذه الشركات تقدم نفسها بوصفها شركات تكنولوجيا تصنع سيارات، وليس شركات سيارات تطور بعض التقنيات، وهو ما يظهر في تركيزها على أنظمة القيادة الذاتية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وتجربة الاستخدام الرقمية.

ولهذا السبب استعانت شاومي بمهندسين ومصممين سبق لهم العمل في بي إم دبليو وبورشه وتسلا، ضمن خطة لتطوير سيارات قادرة على منافسة العلامات الأوروبية في الفئة الفاخرة.

ويرى محللون أن المستهلك الصيني، وخاصة فئة الشباب، كان المختبر الأول لهذه الإستراتيجية، إذ نجحت هذه الشركات في بناء قاعدة جماهيرية واسعة داخل الصين قبل التوجه إلى الأسواق الخارجية.

إعلان

ولم يعد الوجود الصيني في أوروبا ظاهرة هامشية، فبحسب الصحيفة، استحوذت العلامات الصينية خلال النصف الأول من العام على نحو 9% من مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا، و15% في المملكة المتحدة، بينما كانت سيارة واحدة من كل عشر سيارات بيعت في أوروبا خلال مايو/أيار صينية الصنع.

وتتوقع شركة "أليكس بارتنرز" الاستشارية ارتفاع هذه الحصة إلى نحو 16% داخل الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، وهو مستوى يقترب من الحصة المجمعة للعلامات اليابانية والكورية.

أوروبا.. المعركة الأصعب

ورغم هذا التوسع، لا تزال الفئة الفاخرة تمثل أصعب اختبار أمام الشركات الصينية. فالعلامات الألمانية لا تبيع سيارات فحسب، بل تمتلك إرثا يمتد لعقود، وقاعدة عملاء ترتبط بالعلامة التجارية أكثر من ارتباطها بالمواصفات التقنية.

العلامات الألمانية تواجه منافسة غير مسبوقة في قطاع السيارات الفاخرة (رويترز)

ولهذا يشكك بعض موزعي السيارات الأوروبيين في قدرة الوافدين الجدد على تغيير موازين هذه السوق، مشيرين إلى أن شركات يابانية وكورية حاولت لعقود اختراقها دون نجاح كبير.

وقال بوركهارد فيلر، رئيس اتحاد وكلاء السيارات الألمان، إن العلامات الألمانية راسخة بقوة في قطاع السيارات الفاخرة، متوقعا ألا تتمكن الشركات الصينية الجديدة من تكرار نجاحها المحلي داخل أوروبا.

هواوي تدخل من الباب الخلفي

ولا تقتصر المنافسة على شركات تصنيع السيارات. فبحسب فايننشال تايمز، تتحول هواوي تدريجيا إلى لاعب رئيسي في صناعة السيارات العالمية من خلال تطوير أنظمة التشغيل والرقائق الإلكترونية وتقنيات القيادة الذكية، بعد أن دفعتها العقوبات الأمريكية إلى تعزيز قدراتها في صناعة أشباه الموصلات.

وتتعاون الشركة حاليا مع ست علامات صينية، بينما تعد "آيتو" أكثرها تقدما في خطط التوسع الخارجي، مع استهداف أوروبا والشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

ويرى محللون أن الموجة المقبلة لن تعتمد على خفض الأسعار كما حدث في السنوات الماضية، بل ستسعى إلى التموضع بين السيارات الصينية منخفضة الكلفة والعلامات الأوروبية الفاخرة، بما يحقق هوامش ربح أعلى.

لكن هذا التوجه لا يخلو من المخاطر، إذ يخشى بعض الخبراء انتقال حرب الأسعار التي يشهدها السوق الصيني إلى أوروبا، وهو ما قد يضغط على الشركات الألمانية حتى في الفئات الأعلى سعرا.

وقال تو لي، مؤسس شركة "ساينو أوتو إنسايتس"، إنه سيكون قلقا لو كان مسؤولا في مرسيدس أو بي إم دبليو أو بورشه، لأن المنافسة المقبلة لن تدور حول السعر فقط، بل حول التكنولوجيا أيضا.

تحديات ما بعد البيع

ورغم الزخم الذي تتمتع به الشركات الصينية، فإن نجاحها في أوروبا سيعتمد على عوامل تتجاوز جودة السيارات.

فالعديد من هذه الشركات يعتمد على البيع المباشر للمستهلكين عبر متاجره الخاصة، بدلا من شبكات الوكلاء التقليدية، وهو نموذج لم يحقق نجاحا كبيرا في أوروبا، واضطرت بعض الشركات الصينية إلى التخلي عنه لاحقا.

الولاء للعلامات التجارية يبقى أكبر تحد أمام الشركات الصينية (رويترز)

كما يثير خبراء تساؤلات حول قدرة هذه الشركات على توفير قطع الغيار، والدعم الفني، والتحديثات البرمجية على مدى سنوات طويلة، وهي عوامل تشكل جزءا أساسيا من تجربة امتلاك السيارات الفاخرة.

إعلان

ولا تبدو المنافسة المقبلة مجرد سباق على زيادة المبيعات، بل تمثل اختبارا لقدرة شركات التكنولوجيا الصينية على تحويل تفوقها في البرمجيات والذكاء الاصطناعي إلى مكانة راسخة داخل واحدة من أكثر الأسواق ولاء للعلامات التجارية في العالم.

فإذا نجحت شاومي ورفيقاتها في اختراق الفئة الفاخرة، فلن يكون ذلك مجرد توسع جديد للصناعة الصينية، بل بداية تحول في موازين المنافسة العالمية داخل قطاع السيارات، حيث تصبح التكنولوجيا، وليس التاريخ الصناعي وحده، العامل الحاسم في تحديد الفائزين.

مقالات مشابهة

  • بنسبة 12.5%.. إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية جديدة على روسيا
  • إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية على روسيا 12.5% ​
  • ترامب: الرئيس الصيني شي جين بينج سيزور الولايات المتحدة في سبتمبر المقبل
  • تراجع حاد في الأسهم الأوروبية مع صعود أسعار النفط
  • بوتين: روسيا من الدول القليلة التي تصنع مستلزمات الإنتاج التسلسلي للأسلحة
  • العباني: مسار 4+4 ينسجم مع المبادرة الأميركية وفرص نجاحها أكبر
  • ترامب الاحتياطي .. من هو الشبيه الغامض في صور الرئيس الأمريكي بعد نهائي المونديال؟
  • تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا
  • رغم ارتفاع الأسعار.. تركيا تتصدر قائمة أرخص الوجهات السياحية في أوروبا.
  • بعد السيارات الاقتصادية.. الصين تستهدف عرش السيارات الفاخرة في أوروبا