فورين أفيرز: كيف تكسب الصين المستقبل وتحاول السيطرة على قيعان البحار والفضاء
تاريخ النشر: 10th, December 2025 GMT
نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالًا للزميلة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، إليزابيث إيكونومي، قالت فيه إنه عندما رست سفينة الشحن الصينية "جسر إسطنبول" في ميناء فيليكستو البريطاني في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، ربما بدا وصولها عاديا. فالمملكة المتحدة هي ثالث أكبر سوق تصدير للصين، وتسافر السفن بين البلدين طوال العام.
واللافت في "جسر إسطنبول" هو المسار الذي سلكته - فقد كانت أول سفينة شحن صينية رئيسية تسافر مباشرة إلى أوروبا عبر المحيط المتجمد الشمالي، واستغرقت الرحلة 20 يومًا، أي أسرع بأسابيع من الطرق التقليدية عبر قناة السويس أو حول رأس الرجاء الصالح، وقد أشادت بيجين بالرحلة باعتبارها إنجازًا جيوستراتيجيا ومساهمة في استقرار سلسلة التوريد. ومع ذلك، لم يعلن عن الرسالة الأهم: مدى طموحات الصين الاقتصادية والأمنية في عالم جديد.
وأضافت الكاتبة أن جهود بيجين في القطب الشمالي ليست سوى غيض من فيض، فمنذ خمسينيات القرن الماضي، ناقش القادة الصينيون المنافسة في حدود العالم، حرفيًا ومجازيًا: البحار العميقة والقطبين والفضاء الخارجي، وما وصفه الضابط السابق في جيش التحرير الشعبي شو غوانغيو بـ"مجالات القوة والأيديولوجيا"، وهي مفاهيم تشمل اليوم الفضاء الإلكتروني والنظام المالي الدولي.
وتشكل هذه المجالات الأسس الاستراتيجية للقوة العالمية، فالسيطرة عليها تحدد الوصول إلى الموارد الحيوية، ومستقبل الإنترنت، والفوائد العديدة التي تنجم عن طباعة العملة الاحتياطية العالمية، والقدرة على الدفاع ضد مجموعة من التهديدات الأمنية. وبينما يركز معظم المحللين على أعراض المنافسة - التعريفات الجمركية، وانقطاعات سلسلة توريد أشباه الموصلات، والسباقات التكنولوجية قصيرة الأجل - تعمل بيكين على بناء قدراتها ونفوذها في الأنظمة الأساسية التي ستحدد العقود المقبلة.
وتضيف، بدأ صانعو السياسات الأمريكيون للتو في إدراك المدى الكامل لنجاح الصين في بناء القوة في مجالات رئيسية من عالم اليوم. وهم الآن معرضون لعدم إدراك حرصها على الهيمنة على مستقبل العالم، ففي عام 1872، أرسل البريطانيون سفينة لاسترجاع أول مخزون عالمي من العقيدات متعددة المعادن: وهي كتل من حطام المحيطات تحتوي على معادن أساسية مثل المنغنيز والنيكل والكوبالت. ولكن لم يفترض العلماء أن لهذه العقيدات فوائد مالية كبيرة إلا في أوائل ستينيات القرن الماضي.
وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، زعمت شركة ديب سي فينتشرز الأمريكية، التابعة لشركة تينيكو، أنها تستطيع تلبية جميع احتياجات الجيش تقريبًا من النيكل والكوبالت من خلال تعدين قاع المحيط الهادئ، لكن لم تحصل ديب سي فينتشرز على الأذونات اللازمة لاستخراج كميات هائلة من العقيدات، وفي النهاية، انهارت. ولكن في غضون ذلك، بدأت جهات دولية أخرى مفاوضات بشأن حقوق والتزامات الدول فيما يتعلق بمحيطات العالم. وقد توجت هذه المفاوضات باعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي دخلت حيز النفاذ في تشرين الثاني/ نوفمبر 1994.
وتضمنت الاتفاقية قواعد حوكمة لموارد قاع البحار العميقة الواقعة خارج المياه الإقليمية للدول، وأنشأت الدول الأطراف في الاتفاقية، بالتعاون مع كبرى شركات التعدين العالمية، الهيئة الدولية لقاع البحار (ISA) لإدارة هذه الموارد، ومولتها.
بدأت الصين بحوثها الخاصة في مجال التعدين في قاع البحار العميقة في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وطور علماؤها ومهندسوها نماذج أولية للغواصات والآلات القادرة على التعدين ومسح قاع المحيط. وفي عام 1990، أنشأت بكين جمعية الصين لأبحاث وتطوير موارد المحيطات المعدنية التي تسيطر عليها الدولة لتنسيق أعمال التنقيب والتعدين في قاع البحار في المياه الدولية. وأدرجت قدرات التعدين في قاع البحار ضمن خططها الخمسية التي بدأت عام 2011.
وفي عام 2016، أصدرت بكين قانونا لقاع البحار العميقة يهدف إلى تطوير القدرات العلمية والتجارية للصين وتوفير إطار للمشاركة في المفاوضات الدولية المتعلقة بموارد قاع المحيط. وفي هذه العملية، أنشأت الصين ما لا يقل عن 12 مؤسسة مخصصة لأبحاث أعماق البحار، وبنت أكبر أسطول من سفن الأبحاث المدنية في العالم.
وقد حدد شي قاع البحار العميقة كمجال ذي أولوية للقيادة الصينية، وقال في أيار/مايو 2016: "تحتوي أعماق البحار على كنوز لا تزال غير مكتشفة وغير مطورة. من أجل الحصول على هذه الكنوز، علينا التحكم في التقنيات الرئيسية للوصول إلى أعماق البحار واكتشافها وتطويرها". وتهيمن الصين بالفعل على سلاسل التوريد العالمية البرية للعناصر الأرضية النادرة، ولن يؤدي التقدم في تعدين قاع البحار العميقة إلا إلى تعزيز قبضتها على هذه المعادن.
كما أن تعدين قاع البحار العميقة من شأنه أن يعزز ضرورة أمنية صينية أخرى من خلال تسهيل رسم خرائط قاع البحر ووضع الكابلات البحرية التي يمكن استخدامها لدعم الحرب البحرية والغواصات. قال شي في عام 2018: "لا يوجد طريق في أعماق البحار. لسنا بحاجة إلى مطاردة [دول أخرى]: نحن الطريق".
ومع توسع القدرات المحلية للصين، توسع دورها في الهيئة الدولية لقاع البحار. منذ عام 2001، شاركت بكين بشكل شبه مستمر في مجلس سلطة (ISA)، وهو الهيئة التنفيذية المكونة من 36 عضوا والتي تتخذ قرارات رئيسية بشأن لوائح التعدين، وموافقات العقود، واللوائح البيئية. تقدم الصين دعما كبيرًا للهيئة، بما في ذلك من خلال تقديم الأوراق والتعليق على المسودات.
وقد وضعت خبرائها ومسؤوليها في أدوار فنية رئيسية في سلطة (ISA)، كما وتقدم دعما ماليًا للسلطة يفوق أي دولة أخرى. وقد مهدت الطريق لممارسة نفوذ أكبر في صياغة القواعد واللوائح التي تحكم استكشاف واستغلال موارد قاع البحار. وقد حصلت الشركات الصينية بالفعل على خمسة عقود لاستكشاف تعدين قاع البحار من سلطة (ISA) - وهو أكبر عدد من العقود بين الدول.
لكن بكين واجهت أيضا صعوبات على الطريق. فعلى الرغم من مبادراتها التعاونية، فإن الصين تنتمي إلى أقلية صغيرة من الدول التي تدعو إلى نهج أكثر تسريعا للتعدين. ووفقا لتقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي، منعت بكين "بمفردها" في عام 2023 السلطة الدولية لقاع البحار من مناقشة حماية النظام البيئي البحري ووقف مؤقت لتراخيص التعدين.
ليست أعماق المحيطات الحدود الوحيدة التي يسعى شي للسيطرة عليها. ففي عام 2014، أعلن أيضا عن نيته في جعل الصين قوة قطبية عظمى. ومثل قاع البحر، فإن القطب الشمالي غني بالموارد الطبيعية، إذ يحتوي على ما يُقدر بـ 13بالمئة من إمدادات النفط غير المكتشفة في العالم، و30 بالمئة من الغاز الطبيعي غير المكتشف، ومخزونات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة. ومع ذوبان الجليد هناك، سيصبح أيضا موطنًا لممرات شحن جديدة - مثل الممر الذي استخدمته جسر إسطنبول.
وقد واجهت جهود بكين مقاومة. وتزايد قلق دول القطب الشمالي بشأن الاعتماد المفرط على الاستثمار الصيني والمخاطر الأمنية الناتجة عن ذلك. رفضت كندا والدنمارك وأيسلندا والسويد أو ألغت عددا من مشاريع القطب الشمالي الصينية في أراضيها.
ولكن بينما أغلقت الدول الديمقراطية أبوابها في الغالب أمام الاستثمارات الصينية الجديدة، فتحت دولة من نوع مختلف أبوابها: روسيا. منذ عام 2018، أضفت الصين وروسيا طابعًا مؤسسيا على مشاوراتهما الثنائية بشأن القطب الشمالي. وأصبحت علاقتهما واضحة بشكل خاص بعد غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022 وعزلها اقتصاديًا عن بقية أعضاء مجلس القطب الشمالي.
منذ ذلك الحين، وقّعت شركات صينية اتفاقيات لتطوير منجم تيتانيوم ورواسب ليثيوم، بالإضافة إلى إنشاء خط سكة حديد جديد وميناء عميق. وتتجاوز قدرات الصين وروسيا معا في مجال استكشاف القطب الشمالي والتجارة والدوريات فيه قدرات الولايات المتحدة بكثير.
ثم هناك الحدود الأخيرة: الفضاء. منذ عام 1956، اعتبرت الصين استكشاف الفضاء أولوية للأمن القومي. وفي أعقاب إطلاق الأقمار الصناعية السوفيتية والأمريكية عامي 1957 و١1958، أعلن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ: "سنصنع أقمارا صناعية أيضا". ثم نفّذت البلاد هذا الوعد، فأطلقت دونغ فانغ هونغ 1 إلى مداره في نيسان/ أبريل 1970.
طوال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أنشأت الصين برنامجًا فضائيًا واسع النطاق مدفوعًا بمتطلبات علمية واقتصادية وعسكرية. في عام 2000، نشرت الحكومة أول ورقة بيضاء لها تحدد أولوياتها في الفضاء الخارجي. وشملت هذه الأولويات الاستفادة من موارد الفضاء، وتحقيق رحلات فضائية مأهولة، والقيام باستكشافات فضائية تتمحور حول القمر.
كما يُمثل الفضاء أولوية خاصة للرئيس شي، حيث قال في عام 2013: "إن تطوير برنامج الفضاء وتحويل البلاد إلى قوة فضائية هو حلم فضائي نسعى إليه باستمرار". وفي عام 2017، وضعت الصين خارطة طريق لتصبح "قوة فضائية رائدة عالميًا بحلول عام 2045"، مع خطط لتحقيق إنجازات كبيرة.
وقد حققت ذلك بالفعل: فبالإضافة إلى برنامجها الفضائي التجاري المتطور، طورت الصين قدرات حرب فضائية متطورة، بما في ذلك مجموعة متنامية من أقمار الاستطلاع والاتصالات والإنذار المبكر. ومن بين أكثر من 700 قمر صناعي وضعتها الصين في مدارها، يُستخدم أكثر من ثلثها لأغراض عسكرية.
وقد بشر الكتاب الأبيض الصادر عن الصين لعام 2022 بكل هذا التقدم. ويعتقد بعض مسؤولي وخبراء الفضاء الأمريكيين أن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة كدولة رائدة في مجال الفضاء خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة، بما في ذلك كونها أول من يعيد البشر إلى القمر منذ مهمة أبولو 17 الأمريكية عام 1972.
واجه نهج الصين الأوسع نطاقًا في إدارة الفضاء صعوبات أيضا. ففي عام 2022، انضمت إليها سبع دول أخرى فقط في التصويت ضد قرار اللجنة الأولى للأمم المتحدة لوقف تجارب الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية ذات الصعود المباشر، والتي تُنتج حطامًا فضائيًا مدمرًا. وفي عام 2024، امتنعت الصين عن التصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإدانة وضع الأسلحة النووية في الفضاء الخارجي، وهو اقتراح أيده جميع الأعضاء الآخرين باستثناء روسيا. ولم تحظَ محاولات بكين وموسكو لصياغة معاهدة خاصة بهما بشأن منع ووضع الأسلحة في الفضاء إلا بدعم عدد محدود من الدول، مثل بيلاروسيا وإيران وكوريا الشمالية.
تريد الصين الهيمنة على أكثر من مجرد المجالات المادية. يريد شي أيضا أن تسيطر بكين على عالم الفضاء الإلكتروني. على مدار فترة ولايته، أصبحت الصين قوة عظمى في مجال الاتصالات. وقد مكّنت مبادرته "طريق الحرير الرقمي" لعام 2015 شركتي اتصالات صينيتين، هواوي وZTE، من الاستحواذ على ما يقارب 40 بالمئة من سوق معدات الاتصالات العالمية، قياسًا على الإيرادات، ويتميّز نظام بيدو الصيني للأقمار الصناعية بدقة تحديد مواقع أعلى من نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في أجزاء كثيرة من العالم. كما تُسهم تقنيات الكابلات البحرية الصينية في زيادة حصتها في السوق العالمية بوتيرة متسارعة.
وتسعى بكين أيضا إلى وضع معايير عالمية للتقنيات الاستراتيجية المستقبلية. وقد أدت مبادراتها، مثل استراتيجية الصين للمعايير 2035، إلى زيادة كبيرة في عدد المشاركين الصينيين والمقترحات المقدمة إلى هيئات وضع المعايير، كما شكّل التمويل العالمي، أكثر من أي مجال حدودي آخر، أرضا خصبة لجهود الصين الرامية إلى تعزيز مصالحها من خلال أطر متعددة الأطراف.
وقد استخدمت بكين مبادرة الحزام والطريق لدفع الدول الشريكة إلى قبول الرنمينبي في العقود، حتى أن بعض الاقتصاديين الصينيين دعوا إلى إلزام المشاركين في مبادرة الحزام والطريق بالتعامل بالرنمينبي، وقد نجحت هذه المساعي: بحلول حزيران/ يونيو 2025، وصلت حصة تجارة السلع الثنائية الصينية التي تتم بالرنمينبي إلى ما يقرب من 29 بالمئة.
وأوضح شي جين بينغ رغبته في إصلاح النظام الدولي بما يعكس المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية الصينية. يريد أن تكون الصين رائدة في استغلال قاع البحار العميقة والقطب الشمالي والفضاء. ويريد إنشاء بروتوكول إنترنت جديد يُرسّخ سيطرة الدولة. ويريد إنشاء نظام مالي عالمي، والاستثمار فيه، والتداول فيه، بعيدًا عن هيمنة الولايات المتحدة والدولار.
ولتحقيق هذه الأهداف، أمضت بكين سنوات - بل عقودا في معظم الحالات - في حشد موارد الدولة والقطاع الخاص على نحو استثنائي، وتطوير رأس المال البشري، والسعي إلى الاستحواذ على المؤسسات القائمة، وتطوير مؤسسات جديدة. ولعل الأهم من ذلك كله، أن بكين واصلت مسيرتها، فهي تتحين الفرصة، وتُكيّف تكتيكاتها، وتغتنم الفرص لتحقيق مكاسب عند ظهورها.
سيتعين على واشنطن أيضا استعادة مكانتها كقائد عالمي مسؤول. على سبيل المثال، سرعت حرب التعريفات الجمركية التي شنها ترامب من وتيرة التخلي عن الدولار، إذ جعلت الولايات المتحدة حَكَما غير موثوق به في الاقتصاد العالمي. وكما أشار الخبير الاقتصادي كينيث روغوف، فإن تهديد الدول لا يشجعها إلا على تنويع عملاتها. سيؤدي تهديد إدارة ترامب بتجاهل حظر الهيئة الدولية لقاع البحار على التعدين في قاع البحار إلى خلافات مع العديد من حلفاء الولايات المتحدة، وقد يقلب نظام الهيئة الدولية لقاع البحار رأسا على عقب.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية سياسة دولية الصينية الصين الصين وامريكا الصين والفضاء المزيد في سياسة سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة التعدین فی قاع البحار الولایات المتحدة القطب الشمالی القرن الماضی أعماق البحار تعدین قاع أکثر من من خلال فی مجال وفی عام فی عام
إقرأ أيضاً:
فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
حقق تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي إنجازا علميا جديدا، بعدما تمكن للمرة الأولى من رصد غاز الميثان بشكل مباشر في الغلاف الجوي لكوكب غازي عملاق يتمتع بدرجات حرارة معتدلة نسبيا خارج المجموعة الشمسية، في اكتشاف يفتح آفاقًا واسعة لفهم نشأة الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة The Astronomical Journal، نجح فريق دولي من العلماء في الكشف عن وجود الميثان في الغلاف الجوي للكوكب المعروف باسم "TOI-199b"، والذي يقع على مسافة تقارب 335 سنة ضوئية من الأرض.
ويُصنف هذا العالم البعيد ضمن فئة العمالقة الغازية، إذ تبلغ كتلته نحو 17% من كتلة كوكب المشتري، بينما يصل نصف قطره إلى نحو 81% من نصف قطر أكبر كواكب المجموعة الشمسية.
ويكمل الكوكب دورة كاملة حول نجمه الشبيه بالشمس كل 105 أيام تقريبًا.
كوكب عملاق بحرارة معتدلةما يميز "TOI-199b" عن العديد من الكواكب الغازية المكتشفة سابقًا هو موقعه المداري؛ فهو لا يدور بالقرب الشديد من نجمه كما هو الحال في الكثير من العمالقة الغازية المعروفة، الأمر الذي يمنحه مناخًا أكثر اعتدالًا.
وتُقدر درجة حرارة غلافه الجوي بنحو 79 درجة مئوية، وهي حرارة منخفضة نسبيًا مقارنة بالحرارة الشديدة التي تسجلها كواكب غازية أخرى تدور بالقرب من نجومها.
كيف كشف "جيمس ويب" عن الميثان؟اعتمد العلماء على تقنية "التحليل الطيفي العابر"، حيث راقب تلسكوب "جيمس ويب" مرور الكوكب أمام نجمه.
وخلال هذه العملية يتم تحليل الضوء النجمي الذي يخترق الغلاف الجوي للكوكب، ما يسمح بتحديد العناصر والمركبات الكيميائية الموجودة فيه.
وأظهرت النتائج وجود بصمة واضحة لغاز الميثان، وهو اكتشاف يتوافق مع النماذج النظرية التي توقعت وجود هذا الغاز في الأغلفة الجوية للكواكب الغازية ذات الحرارة المعتدلة.
تأكيد لنظريات تشكل الكواكبيمثل "TOI-199b" أول كوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يتم فيه تأكيد وجود الميثان بشكل مباشر، وهو ما يمنح العلماء دليلًا مهمًا يدعم النماذج الحالية الخاصة بتكوين الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
كما كشفت البيانات الأولية عن مؤشرات لاحتمال وجود مركبات أخرى، من بينها ثاني أكسيد الكربون والأمونيا، إلا أن العلماء يؤكدون الحاجة إلى المزيد من عمليات الرصد للتحقق من تركيز هذه الغازات بدقة.
وأشار الباحثون إلى أن دراسة التركيب الكيميائي لهذا الكوكب ستساعد في تحسين فهم العمليات الفيزيائية والكيميائية التي شكلت الكواكب عبر تاريخ الكون، وربما تسهم أيضًا في إلقاء الضوء على المراحل المبكرة التي مرت بها الأرض قبل مليارات السنين.
نافذة جديدة لاستكشاف العوالم البعيدةيرى العلماء أن هذا الإنجاز يعزز من أهمية تلسكوب "جيمس ويب" باعتباره الأداة الأكثر تطورًا لدراسة الكواكب الخارجية، كما يمنح المجتمع العلمي ثقة أكبر في توجيه المزيد من وقت الرصد نحو عوالم مشابهة.
ويُعد الميثان أحد أهم الجزيئات المستخدمة في دراسة الأغلفة الجوية للكواكب، لأنه يكشف الكثير عن طبيعة التفاعلات الكيميائية والظروف الفيزيائية السائدة فيها.
ورغم أن العلماء سبق لهم رصد الميثان في كواكب خارجية أخرى، فإن "TOI-199b" يُمثل أول مثال مؤكد لكوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يحتوي على هذا الغاز، ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاكتشافات المستقبلية التي قد تعيد تشكيل فهمنا لتنوع الكواكب المنتشرة في مجرة درب التبانة.