حرب وانتهاكات جسيمة: السودان.. واقع مظلم في يوم حقوق الإنسان
تاريخ النشر: 10th, December 2025 GMT
يبدو واقع السودان حقوق الإنسان في السودان من أسوأ الأزمات الإنسانية والحقوقية عالمياً، حيث أدت الحرب المستمرة إلى سلسلة من الانتهاكات الخطيرة.
كمبالا– التغيير: فتح الرحمن حمودة
كتب شاب قبل أيام قليلة منشوراً قصيراً على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” لم يضع فيه كلمات منمقة ولم يحاول إخفاء غضبه، بل قدم نفسه ببساطة قائلاً: (أنا واحد من أبناء ثورة ديسمبر وعلى استعداد أن أحرق “لستك”، كما أنني مستعد آخذ رصاصة في نصف رأسي إذا وجدت شخص واحد مستعد أن يموت من أجل الحرية، السلام والعدالة).
فبعد ساعات من المنشور كانت قد اعتقلته السلطات بمدينة الأبيض في شمال كردفان- غربي وسط السودان، فقط لأنه عبر عن رفضه للحرب المستمرة حاليا ودعا لإيقافها واستكمال شعارات ثورتهم.
وتعتبر هذه الحادثة مثالاً بسيطاً على اتساع الفجوة بين واقع الحقوق والحريات في السودان وما يحلم به المدنيون فحرب 15 أبريل 2023م دفعت بحالة حقوق الإنسان إلى أسوأ مستوياتها خاصة مع موجة الانتهاكات الأخيرة بمدينة الفاشر وبعض مناطق كردفان، حيث بات التعبير عن الرأي نفسه مخاطرة قد تكلف صاحبها حريته وربما حياته.
وبالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان ودخول حرب السودان عامها الثالث دون أي بوادر سلام مستدام، حذرت وكالات أممية في وقت سابق، من حجم الأزمة وشدتها، وحثت المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات فورية لمنع المزيد من الدمار في البلاد التي انتقلت فيها رقعة العمليات العسكرية إلى مسرح كردفان.
أسوأ الأزمات الإنسانية والحقوقية
وفي ظل هذا الوضع، تقول وئام جودة وهي ناشطة ومدافعة عن حقوق الإنسان، إن الوضع بات من أسوأ الأزمات الإنسانية والحقوقية عالمياً، حيث أدت الحرب المستمرة إلى سلسلة من الانتهاكات الخطيرة.
وأضافت لـ(التغيير)، أن آثار هذه الانتهاكات على المدنيين كارثية إذ تسفر عن قتلى وجرحى وخسائر بشرية واسعة، إلى جانب ارتفاع معدلات الفقر والجوع وتفشي الأمراض بسبب غياب الرعاية الصحية، كما تؤدي إلى تفكك الأسر وضياع فرص الأطفال، مع تزايد مخاطر التجنيد القسري، إضافة إلى تدهور الصحة النفسية للمجتمعات.
فيما تقول الحقوقية حنان حسن، إن وضع حقوق الإنسان في السودان كان هشاً قبل اندلاع الحرب ولكنه انهار بصورة كارثية بعد اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وأضافت لـ(التغيير)، أن هذه الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خاصة في دارفور وكردفان، وسط تحذيرات من موجة جديدة من الفظائع خصوصا في إقليم كردفان.
وتشير التقارير المحلية والأممية إلى انتشار واسع لعمليات القتل الجماعي والعنف الجنسي المنظم والتهجير القسري واستهداف المستشفيات والمدارس ومخيمات النازحين، كما تظهر البيانات أن أكثر من 30 مليون شخص بحاجة للمساعدات الإنسانية، وأن 14 مليون نازح تضرروا بشكل مباشر ما يجعل السودان من أكبر بؤرة الأزمات الإنسانية عالمياً.
وأشارت حنان إلى أنه بحسب التقارير- فإن أبرز الانتهاكات تشمل الإعدامات الميدانية واستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب والهجمات على المرافق الصحية والتعليمية.
وأكدت أن تأثير هذه الانتهاكات على المدنيين كارثي إذ تتزايد الوفيات والإعاقات مع غياب الرعاية الصحية وتنتشر الصدمات النفسية نتيجة الاغتصاب الجماعي، إضافة إلى انهيار الخدمات وتفكك المجتمعات بفعل التهجير والنهب والعنف العرقي مما ينذر بدوامة صراع مستمر.
وكان المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يانس لاركيه، ذكر أن اثنين من كل ثلاثة أشخاص يحتاجون إلى المساعدة في السودان، أي 30 مليون شخص، فضلا عن نزوح أكثر من 12 مليون شخص ومعاناة 25 مليوناً من الجوع الحاد واحتياج 40 في المائة من السكان لمساعدات صحية عاجلة.
تعزيز العدالة والمساءلة
ويرى محمد السيسي وهو محامٍ ومدافع عن حقوق الإنسان، أن الوضع في السودان مؤسف نتيجة عقود من الحكم العسكري وتاريخ طويل من النزاعات المسلحة التي حصدت الآلاف من الضحايا، ويبرز الحق في الحياة بوصفه أكثر الحقوق تعرضاً للانتهاك من خلال القتل المباشر والنزوح القسري وحرمان السكان من الخدمات الأساسية مثل العلاج والدواء، إضافة إلى تعطل التعليم وما يسببه ذلك من اتساع دائرة الجهل، كما تتعمق الأزمة عبر القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير والممارسات التمييزية المبنية على الانتماءات القبلية أو الإثنية.
وأكد السيسي في حديثه لـ(التغيير)، أن خطورة هذه الانتهاكات تتطلب من المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية تكثيف جهود الرصد والتوثيق لضمان عدم الإفلات من العقاب ومحاسبة الجناة والضغط من أجل احترام القوانين والمواثيق الدولية. ويرى أن تعزيز العدالة والمساءلة هو الطريق الوحيد لوقف هذه الانتهاكات ووضع أساس حقيقي لحقوق الإنسان في السودان.
كذلك، يرى الناشط الحقوقي أبو هريرة محمد في حديثه لـ(التغيير)، أن تقييم وضع حقوق الإنسان في السودان بالتزامن مع اليوم العالمي له، أن الصراع ما زال مستمراً ومتوسعاً وواحد من تجلياته أن هناك عنف ضد المدنيين بشكل واسع، ويكفي الإشارة إلى أنه حتى الآن قتل ما لا يقل عن 150 ألف مدني وهذا حسب الإحصاءات المحدودة جدا، إلى جانب وجود إحصائيات تؤشر إلى أرقام أكبر، بالإضافة إلى أزمة نزوح جماعي حيث بلغ عدد اللاجئين خارج السودان 12 مليون نسمة حسب تقديرات “أوتشا”.
وأضاف أبو هريرة، أن من تجليات هذه الأزمة هو النزوح القسري لسكان بعض المناطق التي تشهد عمليات عسكرية، إلى جانب أن هناك انتهاكات جسيمة ترتكب من أطراف الحرب من بينها جرائم الاغتصابات والتعذيب والقتل الجماعي للمدنيين، وانتهاكات ضد القانون الدولي الإنساني بما في ذلك تدمير البنية التحتية للخدمات، إلى جانب تضرر الحريات العامة حيث لا توجد أي صحف ورقية في السودان، إضافة إلى استهداف الصحفيين استهدافاً ممنهجاً على هويتهم الصحفية وهذه كلها آليات لإسقاط الصحافة الحرة.
تراجع كبير
وأحدثت الحرب انهياراً خدمياً في السودان من بينها أنه لا توجد خدمات مصرفية، وبحسب منظمة اليونسيف أن هناك 19 مليون طفل خارج المدارس، بجانب ظهور التداعيات النفسية وسط المدنيين من الفقدان والاختفاء القسري وغيرها من التداعيات التي أحدثتها الحرب مما أدى الى تفاقم وضع حقوق الإنسان في السودان إلى الأسوأ.
وقال الحقوقي عثمان صالح، إن هناك تراجعاً كبيراً نشهده فيما يخص حقوق الإنسان خاصة في دول العالم الثالث التي ما زالت تعاني من مسألة الانتهاكات التي ظلت مستمرة بصورة خاصة في السودان منذ انقلاب الحركة الإسلامية 1989م وحتى الآن مما جعل سجل البلاد غير نظيف بسبب الانتهاكات.
وأشار في حديثه لـ(التغيير)، إلى أن هناك منع فيما يخص وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب في مناطق الصراع وغيرها من المناطق الأخرى من قبل الأطراف المتقاتلة التي أيضاً استخدمت سلاح التجويع في الحرب، بجانب أن هناك الكثير من الشواهد التي أكدت استخدام الأسلحة المحرمة دولياً والأسلحة الكيميائية بالتحديد منها استخدام غاز “الكلور”.
وأضاف عثمان أنه خلال الحرب فإن سجل البلاد في انتهاكات حقوق الإنسان هو الأسوأ حيث هناك العديد من المنظمات الدولية والوطنية ما زالت تعمل وتوثق لهذه الانتهاكات، وأكد أنه يجب ألا يفلت من العقاب جميع الأطراف المتورطة لأنه لا توجد محاكمات ما لم يكن هناك رصد وتوثيق جيد بمهنية واحترافية لاستخدامه في المحاكمات أو المناصرة أو غيره.
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: حقوق الإنسان فی السودان الأزمات الإنسانیة هذه الانتهاکات السودان من لـ التغییر إضافة إلى إلى جانب أن هناک
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.