- 42 ألف في القطاع يعانون من إصابات تتطلب إعادة تأهيل طويلة الأمد

منذ أكثر من عامين، يجلس محمود عيسى، البالغ من العمر أربعين عامًا، فوق كرسيه الخشبي المهترئ في غرفة صغيرة قُرب مخيم الشاطئ، يراقب المكان الذي كانت تقف فيه قدمه اليسرى قبل أن تُبتر في الأيام الأولى للحرب. يتردد كل صباح إلى مركز الأطراف الصناعية في غزة، حاملاً أملاً صغيرًا بأن يسمع خبرًا عن اقتراب وصول طرفه الصناعي، لكن الأيام تمضي ثقيلة، والانتظار يزداد مرارة.

يقول محمود: «كل ما أريده هو قطعة تُعيدني إلى الأرض.. لا أريد أكثر من القدرة على المشي».

ظلّ الانتظار

منذ أبريل 2024، بدأ محمود جلسات العلاج الطبيعي ليُقوّي العضلات التي ستتحمل الطرف الصناعي. كان يظن أن الطريق قصير، وأن الطرف سيأتي خلال أسابيع، لكن الحصار الذي يطبق على غزة جعل حصوله على ذلك الجزء البسيط من حياته حلمًا مُعلّقًا.

«الاحتلال يغلق المعابر بإحكام»

يقول محمود، لـ«عُمان»: «وحتى بعد إعلان الخطة الأمريكية لوقف إطلاق النار قبل خمسين يومًا، لم يدخل شيء من الأدوات أو المواد الخاصة بمبتوري الأطراف».

ورغم الدمار الواسع الذي طال مرافق القطاع الطبي، حافظ محمود على تردده المنتظم إلى المركز، يكنس بيده الرماد المتساقط من سماء غزة، ويثبت روحه على أمل صغير. لكن الوقت يمضي، والمعابر مغلقة، والمواد اللازمة لصناعة وصيانة الأطراف لا تجد طريقها إلى المدينة المحاصرة. كل ما يتسرب إلى غزة—كما يخبره الموظفون—مجرد جزء ضئيل من الاحتياجات الغذائية والطبية الأساسية، أمّا المواد الخاصة بصناعة الأطراف فتبقى ممنوعة.

ومع كل جلسة علاج طبيعي، يشعر محمود بأن جسده مستعد، لكن الطرف لا يأتي. «ما نرجوه ليس مستقبلًا كاملاً، ولا بيئة آمنة كما يتحدث العالم»، يهمس بصوتٍ خافت، «نرجو فقط طرفًا، مجرد طرف يمكنني من العودة إلى حياتي، من السير بجانب ابني، أو الوقوف بين أفراد أسرتي دون هذا العجز الذي ينهش النفس أكثر مما أنهك الجسد».

وتزداد معاناة محمود مع تصاعد المؤشرات الصحية المروعة. فوفق تصريح حديث لمدير عام منظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم، أصيب أكثر من 170 ألف شخص في غزة، بينهم أكثر من 5000 من مبتوري الأطراف، إضافة إلى آلاف الإصابات التي تحتاج إلى إعادة تأهيل طويلة الأمد. وبينما تتراكم هذه الأعداد، يبقى محمود واحدًا من آلاف ينتظرون طوقًا بسيطًا من التكنولوجيا الإنسانية، يربطهم بالحياة من جديد.

خطوة ناقصة

لم يكن خالد بركات، الشاب الثلاثيني من حي الزيتون، يتخيل أن تردده الدائم على مركز الأطراف الصناعية سيستمر كل هذا الوقت دون إنجاز. فقد بُترت قدمه اليمنى بعد تعرض منزله لقصف مباشر منتصف الحرب، ومنذ ذلك اليوم وهو يحاول التأقلم مع حياة جديدة لا تشبه ما عرفه من قبل. «نحن نتردد على المركز بشكل دائم»، يقول خالد، «لكن المشكلة أن المستلزمات غير متوفرة، والحصار يمنع دخول المعدات الطبية المطلوبة».

قبل شهرين ونصف، رُكّب له أول طرف صناعي، لكنه كان غير صالح للاستخدام بشكل مريح. «وجدت به مشاكل كثيرة»، يروي خالد، «بسبب أدوات غير موجودة في غزة، وقالوا إنهم يأملون توفيرها قريبًا، لكن حتى هذه اللحظة لم يدخل شيء». وهكذا ظل خالد محاصرًا بين رغبة في الحركة وقدرة ناقصة لا تكتمل.

ومع كل محاولة للمشي، كان يشعر بأن الألم يتشبث بالجرح القديم، وأن الطرف الصناعي يخذله عند أول خطوة.

«نحن نعاني في كل تفاصيل الحياة».

يقول لـ: «من الحركة، من الوصول إلى أعمالنا، من القيام بمهامنا اليومية.. مجرد الحركة أصبحت معركة». ويشير إلى أن عمال المركز يبذلون كل جهد ممكن، «فلا تقصير من قبلهم إطلاقًا»، بل يقدمون دعماً نفسيًا ومعنويًا لا يقل أهمية عن الدعم الطبي المفقود.

لكن المعاناة التي يعيشها خالد—كما يصفها—ستبقى مستمرة ما لم تدخل المعدات الخاصة بتحسين الأطراف الصناعية. «إذا دخلت هذه المواد، ستتحسن أمور الطرف الصناعي، وسنتمكن من المشي بشكل طبيعي»، يقول، قبل أن يضيف: «نطالب المؤسسات الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، وكل الجهات القادرة على الضغط، أن تُعجل بإدخال المعدات، فحياتنا متوقفة على هذه القطع الصغيرة».

6 آلاف من مبتوري الأطراف في غزة

داخل ممرات مركز الأطراف الصناعية في غزة، يقف حسني مهنا، المتحدث باسم بلدية غزة ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة في المركز، محاولًا إدارة العمل في ظل ضغط غير مسبوق. يقول مهنا إن الحصر الأول للمسجلين ضمن منظومة «صحتي» التي أطلقتها وزارة الصحة بالتعاون مع الصليب الأحمر ومركز الأطراف الصناعية يشير إلى تسجيل نحو ستة آلاف مصاب ومريض حتى الآن، «هؤلاء المصابون من مختلف الفئات والأعمار، سواء كانوا ذكورًا أم إناثًا».

ويضيف مهنا أن «40% من المسجلين في البرنامج هم من الأطفال والنساء»، وهو ما يعكس حجم الكارثة الصحية والإنسانية التي تعصف بالقطاع.

ويؤكد خلال حديثه لـ«عُمان» أن المركز استقبل خلال العامين الماضيين، منذ بداية الحرب وحتى 26 نوفمبر 2026، نحو 3500 حالة، لكن لم يتمكن سوى من تقديم أطراف صناعية لـ250 منهم فقط. «هناك قائمة طويلة تنتظر دورها»، يقول مهنا، «لكن الضغط شديد، والمواد الضرورية لصناعة الأطراف لا تدخل القطاع».

ويشير إلى أن المعابر ما زالت مغلقة أمام دخول المواد الخام والمعدات اللازمة لتجهيز الأطراف، رغم الحديث عن وقف إطلاق النار وتحسن الوضع الميداني. «نطالب بضرورة فتح المعابر»، يقول مهنا، «حتى نتمكن من تقديم خدماتنا بالشكل الأمثل لمحتاجي الأطراف الصناعية، فالمركز يعمل بقدرات محدودة جدًا».

ويؤكد أن الأزمة تتعمق بسبب النقص الحاد في الكوادر والمعدات. فبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، لم يتبق في غزة سوى ثمانية اختصاصيين فقط في مجال الأطراف الصناعية، يعملون تحت ظروف قاسية، بينما دُمر أو توقف أكثر من ثلثي مرافق التأهيل قبل الحرب. هذه الحقائق تجعل من مهمة إعادة تأهيل الجرحى عملية شبه مستحيلة دون تدخل دولي عاجل.

صحة منهكة

وفي السياق ذاته، تمثل أرقام وزارة الصحة الفلسطينية جزءًا مظلمًا آخر من المشهد. فقد أعلنت الوزارة أن غزة تسجل أعلى معدل لبتر الأطراف لدى الأطفال نسبةً لعدد السكان على مستوى العالم، ما يعكس عمق المأساة.

ويقول وزير الصحة الدكتور ماجد أبو رمضان لـ«عُمان» إن الوزارة «ملتزمة بقيادة الجهود الوطنية لإعادة بناء منظومة تأهيل قادرة على الاستجابة لاحتياجات المصابين»، لكنه يشدد على أن ذلك يحتاج إلى خطة وطنية واضحة وشراكات دولية فاعلة.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من مليون شخص في غزة بحاجة إلى رعاية صحية نفسية، في ظل استمرار الجوع والمرض حتى بعد سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025. هذه الظروف تزيد من الضغوط على مبتوري الأطراف الذين يخوضون رحلة شاقة بين الألم الجسدي والضغط النفسي، وبين انتظار طرف صناعي قد لا يصل إلا بعد شهور طويلة.

ويُقدر أن 42000 شخص في القطاع يعانون من إصابات تتطلب إعادة تأهيل طويلة الأمد، وهو ما يشكل عبئًا ثقيلًا على منظومة طبية شبه منهارة. وتقول المنظمة إن «الدمار كان ماديًا ونفسيًا»، وإن القطاع الصحي لا يستطيع مواجهة هذا السيل من الإصابات دون دعم عالمي واسع.

وسط هذا المشهد، يقف آلاف مبتوري الأطراف—مثل محمود وخالد—على حافة الأمل. فالحياة بالنسبة لهم ليست مشروعًا واسعًا بقدر ما هي خطوة صغيرة، خطوة يريدون استعادتها. ومع استمرار الحصار وإغلاق المعابر ونقص المواد الخام، يبقى الطرف الصناعي حلمًا مؤجلًا ومكلفًا في آن.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الأطراف الصناعیة مبتوری الأطراف الطرف الصناعی إعادة تأهیل إطلاق ا أکثر من فی غزة

إقرأ أيضاً:

5 خطوات تعزِّز شعور الطفل بالمسؤولية

ترجمة: أحمد عاطف

أخبار ذات صلة «الرعاية الأسرية» في أبوظبي تُطلق بودكاست «وتين» «أثر+» يطلق هاكاثون «هاك فور إمباكت 2» في أبوظبي


الحرية للأطفال لا تعلَّم عبر النصائح المباشرة فقط، بل من خلال منحهم فرصاً صغيرة ومتكرِّرة لاتخاذ قرارات حقيقية في حياتهم اليومية.
ويرى خبراء التربية أن حرية الاختيار لا تعني ترك الطفل يفعل كل ما يريد، لكنها تقوم على منحه مساحة مناسبة لعمره، داخل حدود آمنة وواضحة تساعده على بناء الثقة والمسؤولية.
ويؤكد متخصِّصون أن القرارات الصغيرة التي يتخذها الطفل يومياً تساعده على تعلّم التفكير، وتحمل نتائج اختياراته، وتطوير شخصيته بصورة أكثر توازناً. ونذكر عدة خطوات تعزِّز ثقة الطفل بنفسه.

1 - اختيار الملابس
قد يبدو السماح للطفل باختيار ملابسه أمراً بسيطاً، لكنه من أسهل الطرق لبناء الاستقلال منذ الصغر. ويمكن للوالدَين مساعدة الطفل عبر تقديم خيارَين أو 3 خيارات مناسبة للطقس والمناسبة، ثم تركه يقرِّر ما يريد ارتداءه. ومع الوقت، يتعلّم الطفل ما يُشعره بالراحة، ويبدأ في التعبير عن ذوقه وشخصيته، حتى لو بدت اختياراته غير متناسقة أحياناً.

2 - إدارة وقت الفراغ
يمثل وقت الفراغ مساحة مهمة يكتشف الطفل من خلالها اهتماماته وهواياته، بعيداً عن الجدول الكامل الذي يضعه الكبار. ولا يعني ذلك ترك الوقت بلا ضوابط، بل منحه حرية موجهة داخل حدود آمنة ومعقولة، فالطفل الذي يتعلّم إدارة جزء بسيط من وقته، يصبح لاحقاً أقل اعتماداً على الترفيه الخارجي، وأكثر قدرة على تنظيم استخدام الشاشات واختيار أنشطة تناسبه.

3 - اختيار الطعام
يُعَد الطعام من أكثر المجالات التي تتحوّل فيها السيطرة إلى صراع داخل الأسرة، ولهذا ينصح الخبراء بمنح الطفل حرية محدودة، بحيث يحدِّد الوالدان الاختيارات الصحية المتاحة، بينما يختار الطفل ما يفضِّله بينها. ويساعد هذا الأسلوب على تقليل الرفض والعناد، ويمنح الطفل شعوراً بالمشاركة من دون أن يفتح الباب لعادات غذائية غير صحية.

4 - الارتباط بالقراءة
تصبح القراءة أكثر تأثيراً عندما يشعر الطفل بأنها اختيار وليست واجباً مفروضاً عليه، فإجبار الطفل على كتاب معين لأنه مفيد قد يجعله ينفر من القراءة، في حين أن منحه فرصة اختيار كتب مناسبة لعمره يزيد ارتباطه بها. ويصبح الطفل مع تكرار التجربة أكثر استعداداً للقراءة، ويطوِّر علاقة طويلة الأمد مع الكتب والمعرفة.

5 - المساحة الشخصية
عندما يعيد الآباء ترتيب غرفة الطفل أو أشياءه باستمرار من دون إشراكه بالأمر، فإنهم قد يقلِّلون من إحساسه بالمسؤولية من دون قصد. ويحتاج الطفل إلى مساحة يشعر بأنها تخصّه، حتى لو كانت صغيرة، ليتعلّم كيف ينظِّمها ويحافظ عليها. ومن خلال إدارة هذه المساحة، يكتسب الطفل معنى الملكية والمسؤولية، ويتعلّم احترام بيئته الشخصية تدريجاً.

مقالات مشابهة

  • 5 خطوات تعزِّز شعور الطفل بالمسؤولية
  • محافظ الدقهلية يبحث مع مجلس إدارة المنطقة الصناعية بجمصة فتح آفاق جديدة للاستثمار
  • استشاري يحذر من الإفراط في استخدام المنظفات الصناعية
  • هيئة البث العبرية: أمريكا تدعم استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في لبنان
  • كيف يستطيع العالم أن يفعل أكثر بموارد أقل؟
  • مقترح بخطة تمتد 60 يوما تنسحب خلالها إسرائيل من لبنان
  • السيطرة على حريق مصنع تحت التشطيب بالمنطقة الصناعية في العبور
  • الأرصاد: صور الأقمار الصناعية تشير لأجواء شديدة الحرارة على أغلب الأنحاء
  • ‎وزير الصحة: الاستثمار في القطاع الصحي يحقق نموًا اقتصاديًا أكثر استدامة
  • الأرقام وحدها لا تكفي.. برلماني يطالب بقياس نجاح التنمية الصناعية بمعدلات التشغيل