طاغوت العصر يهاجم القيم والهوية .. والقرآن حصن الأمة
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
يقدم خطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله في كلمته بمناسبة جمعة رجب رؤية واضحة وحاسمة حول التحديات الكبرى التي تواجه الأمة والمجتمعات البشرية في عصرنا الراهن. فالخطاب لا يقتصر على تحليل سياسي أو اجتماعي، بل يسلّط الضوء على أبعاد أخلاقية وفكرية وروحية أساسية، تتمثل في مواجهة طاغوت العصر، الذي يسعى إلى تدمير القيم والأخلاق، ونشر الرذائل، وتحقيق الهيمنة على وعي الأمم وضمائرها، تكمن أهمية الخطاب في أنه يربط بين التهديدات المعاصرة للإنسانية وبين الحاجة الملحّة للتمسك بالهوية الإيمانية والارتباط بالقرآن الكريم، ما يجعله وثيقة تحليلية عميقة لفهم صراع الحضارات والقيم في الوقت الراهن .
يمانيون / خاص
ركّز السيد القائد في خطابه على توصيف طاغوت العصر، ’’أمريكا وإسرائيل والدول الغربية’’، بوصفه نموذجاً غير مسبوق في التاريخ في خطورته ومن حيث تجميعه لأنواع الظلم والمفاسد والجرائم، وخروجه عن القيم الإنسانية والإلهية، وأشار إلى أن هذا الطاغوت يمتلك إمكانات هائلة ووسائل تأثير متقدمة لم تتوفر لأي قوة سابقة، سخّرها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، ويبرز في هذا الطرح بعدٌ تحليلي يربط بين تطور أدوات السيطرة الحديثة، وبين اتساع نطاق التأثير على المجتمعات، بحيث لم يعد الطغيان مقتصراً على الاحتلال العسكري، بل امتد إلى الوعي، والقيم، وأنماط التفكير والسلوك.
استهداف القيم والأخلاق كمدخل للهيمنة
من أبرز محاور الخطاب التحذير من سعي قوى الطغيان إلى نشر الرذائل والمفاسد والمجاهرة بها، والعمل المنظّم على تدمير المنظومة الأخلاقية داخل المجتمعات، لا سيما في أوساط الشباب والنساء، عبر عناوين جذابة ومخادعة تفتقر إلى أي مضمون إنساني حقيقي، ويرى السيد القائد أن خطورة هذا المسار تكمن في كونه يجرّد الإنسان من فطرته السليمة، ويفقده حريته وكرامته بمعناهما الصحيح، ما يؤدي إلى تحويل المجتمعات إلى كيانات فاقدة للمناعة، يسهل التحكم بها وتوجيهها.
الهوية الإيمانية كحائط صدّ
أكد السيد القائد أن الانتماء الإيماني الأصيل يمثّل الحصانة الأساسية للمجتمعات في مواجهة مشاريع الإضلال والإفساد، مشدداً على أن استهداف الهوية الإيمانية هو أخطر أشكال الاستهداف، لأنه يفتح الطريق أمام السيطرة الشاملة على الأمة.
وفي هذا السياق، دعا إلى تصحيح واقع الأمة من الاختلالات والانحرافات، وتنقية الاتجاه الإيماني من الشوائب، بما يحقق الرشد الثقافي والفكري، ويعيد للأمة قدرتها على الفعل والاستقلال.
القرآن الكريم في قلب المواجهة
أشار السيد القائد إلى وجود فجوة في واقع الأمة على مستوى الاهتداء بالقرآن والالتزام بمفاهيمه، واعتبر أن الأعداء يستهدفون القرآن الكريم لأنه يمثّل صلة مباشرة بين الإنسان وربه، ويفضح مشاريع الطغيان، ويكشف أهدافها الحقيقية،
وأوضح أن محاولات فصل الأمة عن القرآن تبدأ بضرب قدسيته في النفوس، والإساءة إليه، وقياس ردود فعل المسلمين تجاه ذلك، لافتاً إلى أن ضعف المواقف الرسمية تجاه هذه الانتهاكات يعكس مستوى خطيراً من التهاون، حيث أكد أن كثير من الحكومات والزعماء لا يتخذون حتى أبسط المواقف من أجل القرآن فيما يتخذون ما هو أقوى منها بكثير لاعتبارات تافهة وثانوية
التعليم والإعلام كأدوات تأثير
تطرّق السيد القائد حفظه الله إلى دور المسارات التعليمية والإعلامية في تشكيل الوعي، محذّراً من تحويل أنظار الأمة إلى الخارج لاستقاء الرؤى والمفاهيم، بدلاً من الارتباط بالقرآن كمرجعية فكرية وأخلاقية، مشيراً إلى وجود اختراقات ثقافية تتجاوز الأنظمة إلى المجتمعات، عبر منظمات وبرامج تستهدف فئات محددة.
ختاماً
يعكس خطاب السيد القائد في جمعة رجب رؤية شاملة للصراع الدائر، لا بوصفه صراعاً سياسياً فقط، بل صراعاً على القيم والهوية والوعي، ويقدّم القرآن الكريم باعتباره خط الدفاع الأول والأخير عن إنسانية الإنسان وكرامته، وعن استقلال الأمة وقدرتها على مواجهة التحديات.
ويخلص الخطاب إلى أن ما تمتلكه الأمة من رصيد إيماني وقيمي لا يزال مثار قلق لدى خصومها، وأن الحفاظ عليه وتفعيله هو مسؤولية جماعية تتطلب وعياً، والتزاماً، وعودة جادة إلى هدى الله.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: القرآن الکریم السید القائد
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر