26 دجنبر، 2025
بغداد/المسلة:
رياض الفرطوسي
هناك أفلام لا تُنسى لأنها لا تحكي قصة فقط، بل تمنحك تجربة وجودية كاملة. فيلم The Shawshank Redemption — (الخلاص من شاوشانك) — واحد من تلك الكلاسيكيات التي تتجاوز حدود السينما لتصبح درساً في الحياة والحرية والإنسانية. في قلب هذا الفيلم، يقبع رجل خلف جدران اسمنتية، محاط بالحديد والسجن، لكن سجنه الحقيقي لم يكن الجدران نفسها، بل شعوره بأن الحياة توقفت عند دخوله تلك الأسوار، وأن صوته لن يعود ليخرج بعد الآن.
رغم هذا، ظل يحمل شيئاً صغيراً وعنيداً اسمه الأمل. ليس الأمل الرومانسي الضعيف، بل أمل هادئ، مستتر، مصر على البقاء. أمل لا يحتاج إلى صخب، لكنه حاضر من أول الفيلم حتى آخره، همس صامت يرفض الاستسلام. كما قال آندي في لحظة صامتة: (آمل أشياء أفضل لنفسي… وأعرف أن أستحقها.)
آندي دوفرين، بطل الفيلم، لم يهزم السجن بالقوة، بل بالفكر. رفض أن تقيده الجدران، وفهم أن الحرية الحقيقية لا تُصنع عند كسر القضبان، بل عندما يرفض الإنسان أن يقتنع بأن مصيره محدد من قبل الآخرين. أي نظام قمعي يخاف من شيء واحد فقط، وهو الإنسان الذي يمتلك القدرة على بناء عالم داخلي لا يصل إليه السجان، الإنسان الذي يملك خيالًا يؤمن بمستقبل مختلف.
آندي، مصرفي ناجح، يُدان ظلماً بقتل زوجته وعشيقها، ويُرسل إلى سجن ولاية شاوشانك. هناك — تحت وطأة الظلم والقسوة — يواجه ما يشبه فقدان الذات. لكنه رغم كل شيء، لا يتخلى عن براءته الداخلية، عن إنسانيته، ولا عن صمته الملتهب بالأمل. كما قال لصديقه ريد: (السجن يمكن أن يسجن جسدك… لكن لا يمكنه أن يسجن روحك.)
خلال سنوات سجنه الطويلة، يحرص على أن تبقى الموسيقى والكتب والكرامة — أشياء بسيطة في ظاهرها لكنها جوهر وجود. يصبح أصدقاؤه ملاذاً، والخيال لوحته الداخلية، والذاكرة رسالة أمل.
هو ليس فيلماً عن الجدران أو القضبان، بل عن قلب لا يتنازل عن إنسانيته، وعن أمل يتحول إلى فعل صامت لكنه مزلزل. وفي عالم يشبه كثيراً ما نعيشه، حيث السجون قد تتخذ شكل قوانين أو قيود اجتماعية، يصبح الفيلم رسالة: الحرية لا تُطلب دائماً من الخارج، بل تُبنى في الداخل. الحرية تبدأ بقرار ألا يقيم أحد سجناً لروحك.
الفعل الصغير — حفرة تحت الأرض، صفحة موسيقى، كلمة صامتة — إن تكرّر بإصرار وأمل، يتحول إلى ثورة داخلية. كما يختتم الفيلم بمشهد ريد على الشاطئ، حين يدرك أن الحياة تبدأ من اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يستعيد حريته الداخلية: (آمل أن يكون كل شيء على ما يرام… وآمل أن أراك هناك يوماً.)
في النهاية، يعلمنا شاوشانك أن أعظم نور يمكن أن يولد من أعتم السجن، من حفرة صغيرة يحفرها إنسان لم يستسلم. الثورة الحقيقية تبدأ بصمت، وبقلب لا يعرف الخضوع، وبأمل لا يستسلم أبداً.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post Author زينSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
إقرأ أيضاً:
رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، تولى رومان جوفمان رسميا رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، بعد أشهر من الاعتراضات القانونية والانتقادات التي رافقت قرار تعيينه في أحد أكثر المناصب حساسية في إسرائيل.
وجاء تعيين جوفمان بدفع مباشر من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي رشحه للمنصب في ديسمبر 2025، رغم التحفظات التي أبدتها شخصيات أمنية وقانونية بشأن خلفيته المهنية وبعض القضايا المرتبطة بمسيرته العسكرية.
من بيلاروسيا إلى قمة المؤسسة الأمنيةولد رومان جوفمان في بيلاروسيا عام 1976، قبل أن يهاجر إلى إسرائيل مع عائلته وهو في الرابعة عشرة من عمره. وبعد سنوات قليلة من استقراره، التحق بالجيش الإسرائيلي عام 1995 ضمن سلاح المدرعات، ليبدأ مسيرة عسكرية امتدت لعقود وشهدت صعوده في عدد من المواقع القيادية والعملياتية.
وخلال خدمته العسكرية، تولى قيادة وحدات مدرعة وألوية ميدانية، كما شغل مناصب في هيئات العمليات والتدريب، وصولًا إلى قيادة تشكيلات عسكرية بارزة داخل الجيش الإسرائيلي.
إصابة في الحرب وتقرب من نتنياهوكان جوفمان يشغل منصب قائد المركز الوطني لتدريب قوات المشاة عندما اندلعت أحداث السابع من أكتوبر 2023، إثر الهجوم الذي شنته حركة حماس على جنوب إسرائيل. وخلال المعارك تعرض لإصابة، قبل أن يعينه نتنياهو مستشارًا عسكريًا رفيعًا لرئيس الوزراء في أبريل 2024.
ومنذ ذلك الحين، تعززت علاقته بنتنياهو، ما جعله أحد الشخصيات المقربة داخل المؤسسة الأمنية، وهو ما اعتبره منتقدوه عاملًا رئيسيًا وراء اختياره لرئاسة الموساد.
تعيين مثير للجدللم يكن طريق جوفمان إلى رئاسة الموساد سهلًا، إذ واجهت عملية تعيينه اعتراضات قانونية وصلت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وتمحورت أبرز الانتقادات حول قضية تعود إلى عام 2022، حين كان يقود إحدى الوحدات العسكرية.
وبحسب وثائق قضائية، سمح أحد الضباط بنقل معلومات أمنية حساسة إلى جندي قاصر قام لاحقًا بنشرها عبر قناة على تطبيق "تلغرام"، وذلك بعلم وموافقة جوفمان. وأدت القضية إلى محاكمة الجندي والحكم عليه بالسجن والإقامة الجبرية لفترة قاربت عامًا ونصف العام.
ورغم أن المحكمة أقرت بوجود أخطاء في إدارة القضية، فإنها خلصت إلى أن تلك الأخطاء لا ترقى إلى مستوى المخالفات الأخلاقية التي تمنع جوفمان من تولي المنصب، ما مهد الطريق أمام دخوله رسميًا إلى رئاسة الموساد.
خلفية عسكرية تثير التساؤلاتأحد أبرز أسباب الجدل حول جوفمان يتمثل في كونه لا ينتمي إلى جهاز الموساد، خلافًا لمعظم الرؤساء السابقين للجهاز. فقد جاء من المؤسسة العسكرية ومن مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وهو ما دفع بعض المسؤولين الأمنيين السابقين إلى التشكيك في مدى ملاءمة اختياره لقيادة جهاز استخباراتي يعتمد على خبرات متخصصة ومتراكمة داخل المؤسسة نفسها.
كما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن رئيس الموساد السابق ديفيد بارنياع كان من بين المعارضين لتعيينه.