المخادع يعلمك دروسا قاسية!
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
دائما وأبدا، الاختيار الخاطئ سواء في اتخاذ القرارات المتأخرة أو الطرقات العسيرة قد يكلفك البشر الكثير من الخسائر، وربما عدم انتقاء أو اختيار مصاحبة الأشخاص المناسبين لك يمكن أن يؤثر سلبيا على مجريات حياتك، فالبعض لا يرى منك إلا جانب المصلحة وغير ذلك لا شيء.
من الظروف تكتشف بأن الناس ليسوا كما يظهرون في المرآة، وإنما هناك جوانب خفية لا نكتشفها إلا بعد مرور الوقت أو عندما نحتاجهم للعبور من المواقف والمحن.
وإذا كنا سنذهب في الحديث عن الأشخاص الذين نعرفهم من قريب أو من بعيد، يتراءى لنا بأنهم الأصحاب والخلان وقت المحن، لكن تأخذنا الصدمة بتجاهلهم وتهربهم نحو البعيد، الصدمات المتتالية من الآخرين قد تجعلنا أكثر تريثا من الاندفاع نحوهم طلبا للعون والمساعدة.
وبعد برهة من الوقت نبدأ في مرحلة استيعاب المشهد كاملا رغم ازدحام الأسئلة وضيق النفس، خيبة الأمل والرجاء من خذلان الأصحاب أو أقرب الناس إلينا يمثل كارثة بالنسبة لنا، فلماذا يتحول بعض الناس إلى شخصيات أخرى غير التي نعرفها؟
ولماذا الصور البشرية من قريب تبدو أكثر وضوحا في مرآة "الخداع" بعكس ما كنا نراه من بعيد؟
المواقف هي من تعرفنا بالحقائق الغامضة، وتكشف لنا المستور، من المؤسف جدا أن نقول: بأن "أغلب العلاقات الإنسانية أصبحت محددة بمدة صلاحية" المصلحة "ثم تنتهي!"، والدليل على ذلك، كم من شخص عزيز علينا، رافقنا سنوات ثم سرعان ما تغير علينا وأصبح مثالا نضربه لكل من آلمه خذلان الأصحاب.
من الأشياء المحسوم أمرها عند العقلاء من الناس، أن الشخص الخطأ هو ذلك الشخص الذي يظهر في حياتك ليختبرك ويعلمك دروسا قاسية، ثم يترك في قلبك ندوبا عميقة لا تستطيع التعافي من أوجاعها بسهولة، وهو أيضا ذلك الشخص الذي يجعلك تشك في نفسك وفي قدراتك وفي قيمتك، هو الذي يجعلك تتساءل عن كل شيء من حولك، وتفقد الثقة في الآخرين، ومن المفارقات العجيبة بأن هذا الشخص هو ذاته الذي يجعلك أقوى وأكثر حكمة وأكثر قدرة على تقدير الأشخاص الحقيقيين في حياتك بعد أن نستوعب الدروس.
أصبحنا أكثر وعيا بأن الحقائق هي من تجعلنا نستفيق من أحلامنا الوردية، فعند لحظات الغضب وخيبات الرجاء والأمل، لا مكان لمن يدعي قولا "ازرع جميلا ولو في غير موضعه..فلا يضيع جميل أينما زرعا"، فنكران الجميل أصبح شيئا سهلا واردا في أي لحظة وتحت أي الظروف خاصة من الأشخاص الذين يتلونون كـ"الحرباء"، الناس تبيع بعضها البعض بشكل غريب، البشر يتغيرون سريعا وفق مصالحهم الشخصية، وليست السماء هي من تسبقهم في تغيرات مناخها.
البشر ليسوا بتلك السذاجة التي نقنع أنفسنا بها بأنهم لا يخطئون أو يتحولون، ولذا فالشخص السيء مهما ساعدته، سوف يؤذيك. يقول د. أحمد خالد معارضا لما يروجه الناس: " ليس دائما الطيور على أشكالها تقع، فالحياة أوقعتنا على غير أشكالنا وأجبرتنا على الكثير من الوجوه التي لا تشبهنا أبدا". ونحن نؤيد هذا القول عندما نستجمع بعضا من الحقائق والمواقف التي وقعنا فيها بسبب أننا أخطأنا في اختيار من نصاحب في حياتنا.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.