تصعيد ميداني في غزة .. وخروقات الاحتلال تفاقم الأزمة الصحية وتضغط على مسار التفاوض
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
غزة- «عُمان»- بهاء طباسي: في ظل هدنة مهشّمة على الأرض، يستفيق قطاع غزة يومًا بعد يوم على واقع ميداني متوتر لا يكاد يهدأ حتى يتجدد بأشكال مختلفة من القصف والتوغلات وإطلاق النار، في مشهد يعكس هشاشة وقف إطلاق النار المعلن ويشي بأن التصعيد بات هو القاعدة لا الاستثناء. فمن شرق مدينة غزة إلى جنوبها ووسطها، تتوزع الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة يومية، تدفع السكان إلى النزوح القسري مرة بعد أخرى، وتُبقي شبح الموت حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
ميدان يغلي
في حي التفاح شرقي مدينة غزة، وتحديدًا في منطقة السنافور المحاذية لما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، اضطرت عائلات بأكملها إلى ترك منازلها على عجل، بعد أن أسقطت طائرات مسيّرة إسرائيلية صناديق صفراء في المنطقة.
وتعمّقت المأساة مع تقدم دبابات الاحتلال باتجاه الغرب، لمسافة تجاوزت 100 متر، وعلى امتداد يزيد عن 300 متر عرضًا، تحت غطاء كثيف من القصف المدفعي، وفق ما أفاد شهود عيان من المنطقة. المشهد، الذي وثقته «عُمان» من مفترق السنافور، أعاد إلى الأذهان صور التوغلات السابقة، حين يتحول الحي السكني إلى ساحة عمليات، ويُترك السكان أمام خيارين أحلاهما مرّ.
وفي الجنوب، أعلن الجيش الإسرائيلي قتل فلسطينيين اثنين، بدعوى عبورهما «الخط الأصفر» والاقتراب من قواته جنوبي قطاع غزة. ويتزامن ذلك مع تقارير طبية تؤكد استمرار سقوط الضحايا المدنيين بنيران الجيش الإسرائيلي خارج مناطق الاشتباك المباشر.
ففي حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، أعلنت مصادر طبية استشهاد الطفل أحمد رضوان أبو الكاس (13 عامًا)، متأثرًا بإصابته بطلقة نارية في البطن في شارع مشتهي، بينما أُصيب الشاب طارق فضل شلح (20 عامًا) برصاصة في الظهر، في منطقة السكة بالحي ذاته، خارج «الخط الأصفر». وأكد شهود عيان أن جنود الاحتلال أطلقوا النار بشكل عشوائي تجاه منازل السكان.
ولم يتوقف التصعيد عند حدود مدينة غزة، إذ شنّ جيش الاحتلال فجر اليوم، ما لا يقل عن أربع غارات جوية على المناطق الشرقية والجنوبية لمدينة خان يونس. وترافقت الغارات مع إطلاق نار مكثف من الطيران المروحي والآليات العسكرية، إلى جانب تنفيذ عمليات نسف واسعة لمنازل المواطنين في المناطق الشرقية للمدينة، في مشهد يوحي بإعادة تشكيل ميداني للمنطقة.
كما عادت الزوارق الحربية الإسرائيلية إلى إطلاق النار بشكل مكثف في عرض بحر مدينة خان يونس، خاصة في المناطق الشمالية، بالتوازي مع إطلاق الطيران المروحي نيرانه المكثفة على مدينة رفح جنوبًا. وفي المحافظة الوسطى، استهدف القصف المدفعي المناطق الشرقية لمخيم المغازي، ما أدى إلى حالة من الاستنفار بين الطواقم الطبية والدفاع المدني.
ووفق إحصاءات رسمية صادرة عن مكتب الإعلام الحكومي، استُشهد منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة 406 مواطنين، فيما أُصيب أكثر من 1118 آخرين.
خرائط السيطرة
في موازاة هذا التصعيد الميداني، كشفت تحليلات أجراها باحثو «أوسينت» (الاستخبارات مفتوحة المصدر) عن تحولات لافتة في خريطة السيطرة العسكرية داخل قطاع غزة. وبحسب الدراسة، فإن توصيل النقاط الصفراء من مكعبات وبراميل ببعضها البعض على طول القطاع، أظهر أن نسبة السيطرة العسكرية الإسرائيلية الجديدة ارتفعت من 53% إلى 58% من مساحة غزة.
وتُظهر الخرائط أن هذا التوسع لم يأتِ نتيجة معارك كبرى أو اشتباكات مباشرة واسعة، بل عبر تقدم تدريجي ومدروس، استغل الفراغات الميدانية وحالة الردع المفروضة بالقوة. في المقابل، انخفضت المساحة التي تسيطر عليها حركة حماس في المناطق الغربية من القطاع من 47% إلى 42%، ما يعكس تغيرًا في موازين السيطرة دون تغيّر جذري في طبيعة الصراع.
ويعلّق المحلل السياسي الفلسطيني عاهد فروانة على هذه المعطيات بالقول إن «جيش الاحتلال سيطر في الأيام الأخيرة، عبر دفعه للنقاط الصفراء غربًا، على مساحة تُقدّر بنحو 5% من قطاع غزة، دون أن يخوض أي معركة حقيقية أو يخسر أي جندي».
ويرى فروانة أن هذه الاستراتيجية تمثل أخطر أشكال التوسع، لأنها تمرّ دون ضجيج عسكري كبير، لكنها تُراكم واقعًا جديدًا على الأرض.
ويضيف لـ«عُمان» أن «المشكلة أن هذا التقدم لا يزال مستمرًا ولا يتوقف، في ظل غياب أي رادع سياسي أو ميداني»، مشيرًا إلى أن أحد الأهداف المعلنة سابقًا لعملية «عربات جدعون» كان السيطرة على 75% من مساحة القطاع. ويتساءل فروانة: «هل سيستمر الاحتلال في التقدم للوصول إلى هذا الهدف؟»، مجيبًا بأن الطريق يبدو «ممهدًا ومفتوحًا ما دام لا أحد يقف في وجهه أو يحاسبه».
صحة تنهار
على الصعيد الصحي، تتقاطع التحذيرات الدولية مع المعطيات المحلية لتؤكد أن القطاع يقف على حافة انهيار إنساني واسع. فقد أكدت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن نصف المرافق الصحية في غزة تعمل جزئيًا فقط، في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية الأساسية، نتيجة استمرار القيود على إدخال الإمدادات.
وحذرت المنظمة، في بيان رسمي، من اقتراب انهيار إنساني شامل، بفعل تدمير البنية التحتية الصحية وتراجع الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن الأطفال والنساء الحوامل يواجهون خطر سوء تغذية حاد، قد يخلّف آثارًا طويلة الأمد على الصحة العامة في القطاع.
من جهته، أفاد المكتب الإعلامي الحكومي بأن قطاع غزة يشهد تدهورًا متصاعدًا في الوضع الصحي، نتيجة النقص الحاد في الوقود ومنع الاحتلال إدخال المستلزمات الطبية. وأوضح أن هذا الوضع أدى إلى توقف آلاف العمليات الجراحية، وانقطاع التيار الكهربائي عن عدد من المستشفيات، ما يهدد حياة المرضى، خصوصًا في أقسام العناية المركزة وغسيل الكلى.
ألاعيب نتنياهو
سياسيًا، تتشابك خيوط المشهد حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار، وسط اتهامات متبادلة وقراءات متباينة لمآلات المفاوضات. فقد أكد ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «يعمل على عرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق في قطاع غزة، في محاولة لتجنب استحقاقاتها السياسية والأمنية».
وبحسب رشوان، فإن الشواهد المتوافرة تدل على أن الإدارة الأمريكية «حسمت موقفها بشأن ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق»، رغم محاولات نتنياهو تعطيل هذا المسار. كما أشار إلى أن نتنياهو يسعى لتوسيع مهام قوة حفظ الاستقرار في غزة لتشمل أدوارًا لا تندرج ضمن طبيعتها، وعلى رأسها مسألة نزع سلاح حركة حماس، وهو ما يخالف الأهداف المتفق عليها لهذه القوة.
وفي السياق ذاته، كشف رشوان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضع في خطته عدم تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، عقب اتصالات أجراها مع مصر والوسطاء، في إطار الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: مدینة غزة قطاع غزة
إقرأ أيضاً:
التفاوض تحت النار.. معضلة الاتفاق بين واشنطن وطهران
حذر تحليل حديث نشره منتدى الشرق الأوسط من أن التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج العربي بات يشكل تحدياً متزايداً أمام الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لاتفاق جديد بين الجانبين، مشيراً إلى وجود فجوة واضحة بين الرسائل السياسية الصادرة عن واشنطن والخطاب الذي تتبناه طهران في هذه المرحلة الحساسة.
وأوضح التحليل، الذي أعده الكاتب الصحفي والباحث في الشأن الإيراني ماردو سوغوم، أن المشهد الحالي لم يعد يعكس أجواء وقف إطلاق النار أو التهدئة المؤقتة، بل أصبح أقرب إلى سلسلة من المواجهات المحدودة والمناوشات العسكرية التي قد تمهد لصراع أوسع إذا استمرت وتيرتها الحالية.
وأشار التحليل إلى أنه في الوقت الذي تؤكد فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المفاوضات مع إيران وإمكانية التوصل إلى اتفاق معدل خلال الفترة المقبلة، تشهد المنطقة تطورات ميدانية متسارعة تعكس واقعاً مختلفاً. فقد نفذت القوات الأمريكية ضربات استهدفت منشآت عسكرية إيرانية في جزيرة تقع عند مدخل مضيق هرمز، قالت واشنطن إنها كانت تستخدم في أنشطة تهدد حركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب التحليل، بررت القيادة المركزية الأمريكية تلك العمليات بأنها جاءت رداً على ما وصفته بأعمال عدائية إيرانية، شملت إسقاط طائرة أمريكية مسيرة من طراز "MQ-1" كانت تحلق فوق المياه الدولية. وأكدت القيادة الأمريكية أن الضربات التي نفذت يومي 30 و31 مايو كانت "مدروسة ومحدودة" وتهدف إلى حماية القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.
وتعكس التصريحات الإيرانية الرسمية درجة عالية من التشاؤم حيال فرص نجاح المفاوضات الحالية. ونقل التحليل عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قوله إن ما وصفه بـ"الحصار البحري" وتصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان يمثلان دليلاً على عدم التزام الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار، مؤكداً أن "لكل خيار ثمنه" وأن تداعيات الأحداث الحالية ستتضح في المستقبل.
ورأى التحليل أن هذه التصريحات لا تنسجم مع الرسائل الأمريكية التي تتحدث عن وجود فرص حقيقية للتوصل إلى تفاهمات سياسية، بل تعكس استمرار حالة انعدام الثقة بين الطرفين، وهو ما يضعف من فرص تحقيق اختراق دبلوماسي في المدى القريب.
كما لفت إلى تنامي المخاوف من احتمال عودة المواجهة العسكرية بصورة أوسع، مستشهداً بتصريحات لمحللين إيرانيين اعتبروا أن أي حرب لا تحقق أهدافها الكاملة ستتجدد لاحقاً، وهو موقف يتقاطع مع دعوات صادرة عن شخصيات سياسية معارضة للجمهورية الإسلامية وبعض الأصوات الدولية التي تطالب إدارة ترامب بمواصلة الضغط على طهران وعدم الاكتفاء بالعمليات العسكرية المحدودة.
وأشار التحليل إلى تكرار حوادث الانفجارات الغامضة في عدد من المدن الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة. وبينما نسبت وسائل الإعلام الرسمية هذه الحوادث إلى تسربات غاز، فإن تكرار مثل هذه الروايات أعاد إلى الأذهان أحداثاً مشابهة سبقت اندلاع المواجهات الأخيرة، ما أثار حالة من الجدل والتشكيك داخل الأوساط الشعبية والإعلامية الإيرانية.
وتناول الكاتب الصحفي أيضاً حالة الغموض التي تحيط بالوضع السياسي الداخلي في إيران، بعد تداول تقارير إعلامية تحدثت عن تقديم الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان استقالته احتجاجاً على تنامي نفوذ الحرس الثوري وسيطرته على مؤسسات الدولة. ورغم النفي الرسمي الإيراني لهذه الأنباء، إلا أن التحليل اعتبر أن انتشار مثل هذه التقارير يعكس حجم الارتباك السائد بشأن مراكز صنع القرار داخل النظام الإيراني، خاصة في ظل الجدل المستمر حول طبيعة القيادة الفعلية للبلاد خلال المرحلة الراهنة.
وأضاف أن النقاشات الدائرة داخل التيارات السياسية الإيرانية تكشف عن خلافات حول كيفية التعامل مع إدارة ترامب. فبينما يدعو بعض السياسيين إلى استثمار الضغوط الحالية للوصول إلى اتفاق مؤقت مع واشنطن، يرى آخرون أن البرنامج النووي الإيراني يجب أن يستمر بغض النظر عن طبيعة الإدارة الأمريكية الحالية، مع الرهان على تغير الظروف السياسية مستقبلاً.
وخلص التحليل إلى أن الهوة المتسعة بين التفاؤل الذي تبديه واشنطن تجاه مستقبل المفاوضات والنبرة التصعيدية التي تعتمدها طهران تؤكد أن الطرفين لا يتحركان وفق رؤية مشتركة أو افتراضات متقاربة. ومع استمرار المواجهات العسكرية وتبادل الرسائل الميدانية والسياسية، فإن التساؤل لم يعد يقتصر على إمكانية استمرار المحادثات، بل بات يتعلق بقدرة الدبلوماسية على مواكبة الأحداث ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع قد تطيح بأي فرص للتوصل إلى اتفاق دائم بين الجانبين.