أفلام من توقيع مخرجات عربيات في سباق الأوسكار
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
أعلنت أكاديمية الأوسكار قائمتها القصيرة التي تضم 15 فيلما متنافسا في فئة أفضل فيلم دولي طويل، في دورة تعكس تنوعا لافتا على المستويين الجغرافي والسردي. وتكشف أفلام هذا العام عن تقاطعات واضحة في تناول قضايا الهوية والذاكرة والصراع السياسي، من خلال حكايات تنطلق من سياقات محلية مختلفة، لكنها تتقاطع في أسئلتها الإنسانية.
وضمن هذه القائمة، برز حضور 3 أفلام عربية من إخراج مخرجات، في مؤشر يعكس تحولا أوسع تشهده السينما العربية خلال السنوات الأخيرة، إذ بدأت تجارب إخراجية نسائية تفرض نفسها خارج القوالب التقليدية، سواء على مستوى السرد، أو الموضوعات المعروضة، أو في مقاربتها للواقعين السياسي والاجتماعي، وصولا إلى لغة الصورة وخيارات الإخراج.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2من الموصل إلى واشنطن.. حصاد الوثائقيات الأبرز في 2025list 2 of 25 صفقات كبرى شكلت ملامح هوليود الجديدةend of listوبينما تبقى المنافسة على الوصول إلى ترشيحات الأوسكار النهائية محفوفة بالتحديات، وتمثل هذه المرحلة التمهيدية فرصة لقراءة أعمق لما تقوله هذه الأعمال عن موقع المرأة العربية داخل الصناعة السينمائية، وكيف تتغير الصورة وتُعاد صياغة الحكاية عندما تكون الكاميرا في يد مخرجة.
فيلم صوت هند رجبحصل فيلم "صوت هند رجب" (The Voice of Hind Rajab) على ترشيح لتمثيل تونس في سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي في الدورة الـ98، بعد اختياره ضمن القائمة القصيرة التي تضم 15 فيلما من مختلف دول العالم. الفيلم درامي وثائقي يستعيد اللحظات الأخيرة لحياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي انتشر صوت استغاثتها عبر منصات التواصل الاجتماعي أثناء قصف غزة، قبل استشهادها مع عدد من أفراد عائلتها وهم محاصرون داخل سيارة.
تقدم المخرجة التونسية كوثر بن هنية إعادة سرد وتوثيق لقصة الطفلة هند، معتمدة على المزج بين التسجيلات الصوتية الحقيقية والأداء التمثيلي، وهو ما لفت انتباه لجان تحكيم مهرجانات دولية قبل وصول الفيلم إلى سباق الأوسكار. وتُعد بن هنية من أبرز المخرجات العربيات، وعُرفت بأفلامها ذات الطابع السياسي والاجتماعي الصدامي، وسبق أن رُشحت للأوسكار عن فيلمي "الرجل الذي باع ظهره" (2021) و"بنات ألفة" (2024).
إعلان فيلم "اللي باقي منك"ضمن القائمة القصيرة التي تضم 15 فيلما متنافسا على جائزة أفضل فيلم دولي طويل، يبرز فيلم "اللي باقي منك" (All That’s Left of You) للمخرجة شيرين دعبس، وهو عمل درامي يتتبع حكاية عائلة فلسطينية عبر أجيال متعاقبة، تبدأ من النكبة عام 1948 وتمتد حتى الزمن الحاضر.
ويأخذ الفيلم المشاهد في رحلة تتقاطع فيها الذاكرة مع الفقد ومحاولات البقاء، كاشفا كيف تتوارث العائلة الفلسطينية آثار التهجير والحرب، ليس فقط عبر الأحداث التاريخية الكبرى، بل من خلال تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الشخصية الدقيقة. ومن خلال هذا الامتداد الزمني، يقدم العمل قراءة هادئة لتجربة الفلسطينيين مع الزمن، بوصفه حالة مستمرة تعيش داخل الأفراد وتنعكس على اختياراتهم ومسارات حياتهم.
وتُعد شيرين دعبس من أبرز الأصوات الفلسطينية الأميركية في السينما المعاصرة، وقد عُرفت بأعمالها التي تركز على البعد الإنساني للتجربة الفلسطينية والعربية في سياقات سياسية واجتماعية معقدة، مع اهتمام خاص بالسرد الطبيعي للحياة اليومية. وتمتد خبرتها الفنية بين التمثيل وكتابة السيناريو والإخراج والإنتاج. ومن أبرز أعمالها السابقة فيلم "أميركا" (Amreeka) وفيلم "مي في الصيف" (May in the Summer)، اللذان رسخا حضورها كصانعة أفلام قادرة على المزج بين الخصوصي والإنساني العام.
فيلم فلسطين 36كما تضمنت القائمة فيلم "فلسطين 36" (Palestine 36) للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، وهو عمل تاريخي يسلط الضوء على ثورة 1939/1936 في فلسطين خلال الانتداب البريطاني.
ويتناول الفيلم انقسام المجتمع الفلسطيني خلال فترة الثورة، مسلطا الضوء على مشاعر الخوف والتوتر والخلافات الداخلية والاختيارات الصعبة، بدل الاكتفاء بسرد بطولي تقليدي. ومن خلال هذه المقاربة، يطرح العمل رؤية تعتبر التاريخ مسارا متصلا لا حدثا معزولا، وتؤكد أن ما عاشه الفلسطينيون في الماضي يظل حاضرا في تشكيل واقعهم الراهن، ولا يمكن فصله عن المشهد السياسي والإنساني اليوم.
وتُعد ماري جاسر مخرجة وكاتبة وصانعة أفلام فلسطينية ذات بصمة خاصة، عُرفت بابتعادها عن الخطاب المباشر، واعتمادها أسلوبا هادئا يراقب الحدث من مسافة، مع تركيز واضح على الهواجس والمشاعر الإنسانية للفلسطينيين. وقدمت عددا من الأعمال التي تناولت ثيمات الفقد والهوية، من بينها فيلم "ملح هذا البحر" وفيلم "لما شفتك"، وحصدت أعمالها جوائز وتكريمات في مهرجانات سينمائية دولية، من بينها جائزة النقاد (فيبريسي) عن ملح هذا البحر، وجائزة شبكة تعزيز السينما الآسيوية (NETPAC) عن "لما شفتك".
وتمثل كل من كوثر بن هنية وآن ماري جاسر وشيرين دعبس نماذج بارزة لمخرجات رسّخن حضورهن في المشهد السينمائي العربي منذ سنوات، عبر أعمال حظيت بإشادة نقدية واسعة وجوائز متعددة، بفضل قوة التجربة وتميز الرؤية.
ومع تراكم هذه الأعمال، أسهمت تجاربهن في إعادة تشكيل فضاء الإخراج السينمائي، الذي ظل طويلا خاضعا لهيمنة ذكورية، عبر تقديم رؤى مختلفة تنظر إلى العالم من زوايا أكثر إنسانية وتعقيدا، مشبعة بالحس الفني والجرأة التجريبية.
إعلانولا يقتصر حضور هؤلاء المخرجات على كسر القوالب السائدة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة كتابة التاريخ العربي بصريا، من خلال سرديات تضع الإنسان في قلب الحكاية، وتعيد طرح الأسئلة حول الذاكرة والهوية والعلاقة المتشابكة بين الماضي والحاضر.
وفي هذا السياق، لا تبدو مشاركة أفلامهن في سباق الأوسكار حضورا رمزيا فحسب، بل هي أيضا مؤشر على تحول أعمق تشهده السينما العربية، إذ تتحول الكاميرا من أداة توثيق إلى مساحة للتفكير وإعادة النظر، ومن صوت واحد إلى تعدد في الأصوات والرؤى، تقوده مخرجات يقدمن تاريخا بصريا مختلفا، أكثر جرأة وصدقا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات من خلال بن هنیة
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..