لم يعد القرن الأفريقي مجرد هامش جغرافي مضطرب على أطراف الخريطة، بل تحوّل خلال العقدين الأخيرين إلى قلب جيواستراتيجي نابض، تتقاطع عنده المصالح الدولية والإقليمية، وتُعاد فوق مياهه وسواحله صياغة معادلات الأمن القومي والمائي، من قناة السويس شمالًا إلى باب المندب جنوبًا.

فما يجري في الصومال وجيبوتي، وما يُثار حول محاولات فرض أمر واقع سياسي جديد عبر بوابة الاعترافات والانفصالات، لا يمكن قراءته بمعزل عن الصراع الأوسع على شرايين التجارة والطاقة والملاحة الدولية، ولا عن محاولات تطويق العمق العربي من بوابته الأفريقية، فالقرن الأفريقي يشكّل نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية متداخلة: دائرة بحرية تتحكم في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ودائرة مائية ترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بأمن الموارد الحيوية، ودائرة أمنية تتعلق بالإرهاب والقرصنة والهجرة غير النظامية.

ومن ينجح في الإمساك بهذه الدوائر لا يملك فقط القدرة على التأثير في مسارات التجارة العالمية، بل يمتلك أدوات ضغط استراتيجية على قناة السويس ذاتها، باعتبارها أحد أعمدة الأمن القومي المصري والعربي.

في هذا السياق، تتحرك إسرائيل وفق عقيدة جيوسياسية قديمة متجددة، تقوم على النفاذ من الأطراف لا من المركز، وعلى تفكيك الجغرافيا السياسية المحيطة بدلًا من الصدام المباشر، ويُعد الملف الصومالي أحد أكثر الملفات التي تتقن تل أبيب اللعب فيها من تحت الطاولة، عبر تشجيع النزعات الانفصالية، وتغذية فكرة الكيانات الموازية للدولة، وفتح قنوات تواصل أمنية وسياسية غير معلنة مع أطراف محلية، بما يسمح بخلق واقع سياسي هش، قابل للاختراق، ويصلح ليكون منصة نفوذ طويلة الأمد، فالدفع باتجاه شرعنة كيانات منفصلة لا يُقرأ بوصفه دعمًا لحق تقرير المصير، بل باعتباره محاولة لإعادة إنتاج الصومال كمساحة مفتوحة، تُدار بالتوازنات الخارجية، وتُفرغ الدولة المركزية من مضمونها السيادي، بما يتيح لاحقًا ترتيبات أمنية وبحرية تخدم استراتيجية مراقبة باب المندب من الجنوب، وامتلاك قدرة ضغط غير مباشرة على حركة الملاحة في البحر الأحمر.

فالصومال، بسواحله الممتدة على خليج عدن والمحيط الهندي، ليس دولة فاشلة كما يُروّج، بل دولة مستهدفة جغرافيًا، يجري التعامل معها باعتبارها عقدة بحرية لا كيانًا سياسيًا. أما جيبوتي فقد تحولت إلى نموذج مكثف للصراع الدولي، حيث تتجاور القواعد الأجنبية في مساحة محدودة، في مشهد يعكس حقيقة واحدة: من يسيطر على جيبوتي يضع يده على مفاتيح باب المندب، غير أن المشهد لا يقتصر على التنافس الإسرائيلي أو الغربي فقط، بل يتداخل معه صراع نفوذ متصاعد بين الصين وروسيا، في إطار إعادة تشكل النظام الدولي خارج الهيمنة الأحادية، فالصين تنظر إلى القرن الأفريقي بوصفه حلقة أساسية في مشروع «الحزام والطريق»، وتسعى إلى تأمين طرق التجارة والطاقة عبر حضور اقتصادي- لوجستي مدعوم بوجود عسكري محدود، كما في جيبوتي، يهدف إلى حماية المصالح لا إلى تفكيك الدول، في المقابل، تتحرك روسيا بمنطق استعادة المجال الحيوي والنفوذ البحري، عبر البحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر وخليج عدن، مستفيدة من الفراغات السياسية، ومن تصدعات النظام الإقليمي، لتكريس حضور عسكري- سياسي يعيدها لاعبًا فاعلًا في معادلة الممرات الدولية.

وفي قلب هذه المعادلة البحرية المعقدة، يبرز الدور الإيراني عبر الساحة اليمنية بوصفه عامل توتر دائم في البحر الأحمر، لا يمكن فصله عن صراع النفوذ الإقليمي. فـإيران تنظر إلى اليمن باعتباره ورقة استراتيجية منخفضة الكلفة وعالية التأثير، تتيح لها الضغط غير المباشر على الملاحة الدولية وباب المندب، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. ورغم الحديث المتكرر عن احتمالات تراجع الدور الإيراني تحت وطأة الضغوط الدولية والإقليمية، فإن الواقع يشير إلى أن هذا الدور لم يتراجع بقدر ما أعاد التموضع، من حضور صاخب إلى إدارة محسوبة للتصعيد، تُبقي البحر الأحمر في حالة توتر قابلة للاشتعال عند الحاجة. فاليمن، في الحسابات الإيرانية، ليس مجرد ساحة نفوذ، بل نقطة ارتكاز في معادلة الردع غير المتكافئ، ورسالة دائمة بأن أمن الممرات البحرية يمكن تعطيله من خاصرتها الجنوبية.

وفي مقابل هذه التفاعلات، لا يمكن تجاهل الدور الأمريكي بوصفه الضابط الأكبر لإيقاع البحر الأحمر، وإن بدا حضوره أحيانًا متراجعًا أو غير مباشر، فـالولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من القواعد والقطع البحرية، وتدير وجودًا دائمًا يهدف ظاهريًا إلى حماية الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب، وردع التهديدات غير التقليدية. غير أن هذا الوجود، رغم كثافته، لم ينجح في تحويل البحر الأحمر إلى مساحة استقرار، بل بات جزءًا من معادلة الردع المتبادل وإدارة الأزمات، حيث تُترك بعض بؤر التوتر مشتعلة ضمن حدود محسوبة، بما يسمح بإعادة ترتيب التحالفات، وضبط سلوك الفاعلين الإقليميين دون حسم جذري للصراع. فالوجود البحري الأمريكي لا يعمل فقط كقوة حماية، بل كأداة توازن تمنع الانفجار الشامل، وتُبقي الممرات الحيوية تحت رقابة استراتيجية لصيقة.

في مقابل هذه التفاعلات المعقدة، يبرز الدور التركي بوصفه حضورًا مختلفًا في الشكل والأدوات، قائمًا على دعم الدولة الصومالية المركزية، وبناء شراكات عسكرية واقتصادية معلنة، والاستثمار في البنية التحتية والموانئ. ورغم أن هذا التحرك لا يخلو من طموح استراتيجي، فإنه يعتمد مقاربة النفوذ عبر الدولة لا على أنقاضها، وهو ما يفسر التباين الجوهري بين المسارين التركي والإسرائيلي في الصومال، حتى وإن التقيا في الجغرافيا واختلفا في المنهج. فتركيا تسعى إلى ترسيخ نفوذ مستقر قابل للاستمرار، بينما تقوم المقاربة الإسرائيلية على إدارة الهشاشة واستدامة التفكك.

ومن زاوية الأمن القومي، تبرز مصر بوصفها الدولة الأكثر تضررًا من أي اختلال في توازن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فأمن قناة السويس ليس مسألة اقتصادية فحسب، بل ركيزة سيادية واستراتيجية لا تحتمل المغامرة أو التدويل غير المنضبط. وأي تهديد للملاحة في باب المندب، أو عسكرة مفرطة للسواحل المقابلة، أو تفكيك للدول المطلة، ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري، ويضع القاهرة أمام معادلة دفاع متقدم عن مصالحها الحيوية خارج حدودها الجغرافية المباشرة، ولهذا، فإن ما يجري في الصومال واليمن وجيبوتي ليس بعيدًا عن الحسابات المصرية، بل يقع في صميمها، باعتباره خط الدفاع الأول عن قناة السويس، وعن الدور المصري في معادلة الأمن الإقليمي.

إن أي اختلال في توازن القرن الأفريقي لا ينعكس فقط على الصومال أو جيبوتي، بل يمتد تأثيره مباشرة إلى الأمن الملاحي لقناة السويس، وحرية الملاحة في باب المندب، والاستقرار في البحر الأحمر ومحيطه، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي والمائي. ولهذا، فإن إعادة رسم الحدود السياسية، أو تفكيك الدول في هذه المنطقة، لا يمكن اعتبارها شأنًا محليًا أو إفريقيًا بحتًا، بل هي تهديد بنيوي مباشر للأمن القومي العربي، وفي مقدمته الأمن القومي المصري. ما يدور اليوم في القرن الأفريقي والبحر الأحمر هو صراع خرائط وممرات وقواعد نفوذ، لا صراع شعارات أو بيانات دبلوماسية.

إسرائيل تسعى إلى تطويق بحري وتحكم غير مباشر عبر إدارة التفكك، وإيران تُبقي اليمن بؤرة ضغط مفتوحة في خاصرة الملاحة، والولايات المتحدة تدير التوازن دون حسم، والصين تعمل على تأمين الممرات عبر الاقتصاد واللوجستيات، وروسيا تبحث عن استعادة الحضور العسكري والرمزي، فيما تطرح تركيا نموذج النفوذ عبر الشراكة وبناء الدولة. وبين هذه المسارات المتصارعة، تقف المنطقة أمام لحظة فاصلة: إما حماية الجغرافيا بوصفها سيادة وأمنًا قوميًا، أو تركها تتحول إلى منصة مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى، فالجغرافيا حين تُستباح لا تعود تسأل عن النوايا، بل تفرض نتائجها القاسية على الجميع!!.

محمد سعد عبد اللطيف، كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولي.

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: البحر الأحمر اليمن قناة السويس الصومال جيبوتي القرن الأفريقي فی البحر الأحمر القرن الأفریقی الأمن القومی قناة السویس باب المندب غیر مباشر لا یمکن

إقرأ أيضاً:

كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟

شهدت عشرينيات القرن الماضي تحولاً مفصلياً في المشروع الصهيوني، مع انتقاله من السعي لإقامة "وطن قومي لليهود" إلى تبني سياسات الاستيطان والاستحواذ على الأراضي الفلسطينية وتهجير سكانها، مستفيداً من التشريعات التي أقرها الانتداب البريطاني. 

وأسهمت عمليات شراء الأراضي وطرد المزارعين الفلسطينيين في تعميق التوترات واندلاع المواجهات، وصولاً إلى بروز المقاومة الفلسطينية المسلحة التي قادها عز الدين القسام ومهدت لمرحلة جديدة من الصراع في فلسطين.

وفيما يلي النص الكامل لمقال أستاذ التاريخ في جامعة إكستر، المقتبس من كتابه "تاريخ موجز جداً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني":

في منتصف عشرينيات القرن الماضي، تحوّل هدف الحركة الصهيونية من مجرد السعي لإقامة وطن آمن لليهود – اعتمادا على دعم القوى الاستعمارية الكبرى – إلى احتلال فلسطين وتجريد السكان الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم. أكثر من ذلك، بدأت الحركة ترى في ذلك ضرورة لتأسيس الوطن المنشود.

بحلول عام 1926، كانت الحركة الصهيونية قد قلبت رأسا على عقب الأعراف السائدة منذ عقود فيما يتعلق بملكية الأراضي، والتي كانت سارية المفعول منذ الإصلاحات العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.

تلك الإصلاحات التي ألغت تأجير الأراضي لحساب الدولة، مكّنت الأثرياء من امتلاكها لحسابهم الخاص. هكذا أصبحت مساحات شاسعة من الأراضي في أيدي طبقة صغيرة من الملاك، كان الكثير منهم يقيمون خارج فلسطين (عُرفوا بالملاك الغائبين)، وكانت قلة منهم من وجهاء فلسطين.


عند شراء الأرض، كانت ملكيتها تنتقل بما فيها من قرى وسكان. كان العرف يفرض على القرويين الوفاء بالتزامات معينة تجاه مالك الأرض، لكن لم يكن هناك أي احتمال لترحيلهم، على الأقل حتى غيّرت الإدارة البريطانية القوانين.

في عام 1920، ألغى البريطانيون العديد من القيود المفروضة على شراء الأراضي، مع فرض بعض القيود على عمليات الشراء الصهيونية تحسباً لأي مقاومة فلسطينية، لكن ذلك كان يعني من الناحية العملية قدرة الحركة الصهيونية على شراء كل ما تستطيع دفع ثمنه.

كما أعاد البريطانيون تصنيف القرويين الفلسطينيين الذين كان الكثير منهم يزرعون تلك الأراضي منذ أجيال، باعتبارهم مزارعين مستأجرين، وبالتالي أصبح وجودهم مقترنا برغبة مالك الأرض.

بين عامي 1921 و1925، اشترت منظمة “الكومنولث الصهيوني الأمريكي” نحو 80,000 فدان من الأراضي في مرج ابن عامر، المعروف اليوم باسم سهل يزرعيل، من عائلة سرسق المقيمة في بيروت. وفي عام 1929، اشترى “الصندوق القومي اليهودي” قرابة 7,500 فدان في منطقة وادي الحوارث، بين حيفا وتل أبيب، بعد أن عجز ورثة المالك اللبناني الأصلي عن سداد ديونه.

وفي الحالتين، طرد المستوطنون الصهاينة القرويين والمزارعين الفلسطينيين الذين كانوا يزرعون تلك الأراضي، وتم ذلك أحيانا باستخدام القوة.

سعى الصهاينة، مدفوعين بفكرة عمل اليهود في الأرض بأنفسهم، للحصول على أوامر طرد وإخلاء من السلطات البريطانية، وقد حصلوا عليها. هكذا بدأ التطهير العرقي في فلسطين، وهو مستمر حتى يومنا هذا.

ما بدأ كحركة لإنقاذ اليهود وتحديث اليهودية بتحويلها إلى هوية وطنية من بين هويات أخرى، بات الآن مشروعا استعماريا استيطانيا خالصا، يعتمد على إخضاع شعب آخر.

في الاحتلال الاستيطاني، يهدف المحتل إلى استبدال الشعب الأصلي بشعب آخر. وبالنسبة للمستوطنين الذين يسعون جاهدين لفرض ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي، يمثل السكان المحليون – الذين يختلفون عنهم اختلافاً تامًّا- عقبة يجب إزالتها، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون اللجوء إلى أسابيب وحشية.

في أستراليا على سبيل المثال، وقعت ما لا يقل عن 270 مجزرة بحق السكان الأصليين على مدار 140 عاماً من الاستيطان البريطاني.

غير أن هذه العملية لا تعتمد على القوة الغاشمة فحسب. يعمل المستوطنون على محو الماضي حتى يبدأ التاريخ مع وصولهم إلى تلك الأرض. تتلاشى العادات السابقة، ويتم الاستيلاء على الموارد الغذائية كأنها ملك للمستوطنين. بعبارة أخرى، لم يجد المستوطنون أرضا خالية، فاضطروا إلى إخلائها.

يصف باتريك وولف، الباحث الأسترالي المتخصص في الاحتلال الاستيطاني، عقلية المستوطن بأنها تقوم على “منطق الإقصاء”. وقد جادل بأن المشروع الاستيطاني يسعى جاهداً لإتمام عملية الإقصاء إن لم تكن كاملة. بعبارة أخرى، طالما أن إسرائيل متمسكة بفكرة الاحتلال الاستيطاني، فلن تتعايش أبدا مع الفلسطينيين بشكل سلمي.

هذه الممارسات لا تأتي من فراغ. قبل عمليات التطهير العرقي والإبادة الجماعية وأثناءها، يبني المستوطنون مبررا أيديولوجيا، ويخلقون إجماعا. يفصحون عن نواياهم، تارة بشكل مباشر وأحيانا بشكل غير مباشر. يتجلى ذلك بوضوح عبر وسائل تبدو بريئة للوهلة الأولى، مثل الرسم، حيث صوّر الرسامون الصهاينة الأوائل وطنهم المستقبلي خاليا تماما من أي قرى فلسطينية.

كيف برر المحتلون الصهاينة ممارساتهم بحق السكان الأصليين؟ جرّدوهم من إنسانيتهم، تماماً كما حدث في المشاريع الاستعمارية الأخرى، وصوّروهم على أنهم “همّج” أو “بدائيون”.

من بين الصور النمطية الأكثر رواجا تصوير الفلسطينيين على أنهم “بدو رحل”، أي لا يرتبطون بالأرض، رغم أن العديد من القرى الفلسطينية موجودة منذ آلاف السنين. وفي الآن ذاته، يزعم المستوطنون أن دوافعهم نبيلة، مثل جلب التحديث والتحضر إلى منطقة متخلفة.

لكن الاحتلال الاستيطاني يختلف عن الاستعمار التقليدي في جانب جوهري. بينما يرى المستعمر أنه يجلب الحداثة إلى دول همجية متخلفة، يعتقد المستوطن أن مهمته تحديث الأرض، وليس السكان. البشر بالنسبة للمستوطنين مجرد عقبة يجب التخلص منها. حتى يومنا هذا، يردد الكثير من الإسرائيليين كذبة أن فلسطين كانت عبارة عن صحراء شاسعة، ولم تزدهر إلا عندما وصل إليها الصهاينة.

كررت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، هذه المقولة المبتذلة في رسالة التهنئة بالذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس إسرائيل.

لكن فلسطين لم تكن أبدا صحراء قاحلة، ولم يكن سكانها أبدا بدوًا متخلفين. تم ترويج هذه الأوهام لجعل المشروع الصهيوني أكثر قبولاً وجاذبية لليهود في أوروبا وخارجها، لكن المفكرين الصهاينة كانوا يدركون تماما حقيقة وجود سكان أصليين يجب التعامل معهم.


قبل عشرينيات القرن الماضي بفترة طويلة، يمكن أن نجد قادة صهاينة يتحدثون كيفية تهجير الفلسطينيين. كان بعض المفكرين الصهاينة يأملون أن يهاجر الفلسطينيون طوعا إلى الدول العربية المجاورة إذا حصلوا على تعويضات مالية مناسبة، لكن خيار التهجير القسري ظل مطروحا على الطاولة.
طوّر الصهاينة هذه الأفكار منذ منتصف عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 1948، عندما حان الوقت لتنفيذها. تحوّلت تلك الأفكار المجردة إلى مخطط شامل أدى إلى تهجير نصف السكان العرب من فلسطين.

ساهمت عمليات شراء الأراضي في عشرينيات القرن الماضي، وما رافقها من عمليات تطهير عرقي، في إنهاء سنوات الهدوء. مع اقتراب العقد من نهايته، توترت العلاقة بوضوح بين المستوطنين اليهود والفلسطينيين، لتصبح المواجهات العنيفة متكررة في ثلاثينيات القرن العشرين. كما اصطدم الطرفان بالسلطات البريطانية، حيث رأى كل منهما أنها عجزت عن حمايته.

كانت بوادر الكارثة تلوح في الأفق، حيث أُجبر الفلسطينيون الذين فقدوا أراضيهم بعد طردهم من المزارع التي كانوا يعملون بها على الانتقال إلى المدن. كان الفلسطينيون ضحايا منظمات صهيونية تُعرف باسم “العمل العبري” وتصف نفسها بأنها “اشتراكية”، وكانت تؤمن بأن التحديث اليهودي لا يتم إلا من خلال العمل الإنتاجي.

بناءً على ذلك، أرادت هذه المنظمات أن يصبح العمل الزراعي حكراً على اليهود. لكن الملاك اليهود أنفسهم قاوموا هذه السياسة، إذ كانت تعني التخلي عن العمال الفلسطينيين أصحاب الخبرة، وتوظيف عمال يهود ربما لم يسبق لهم العمل في مجال الزراعة.

غير أن ملاك الأراضي الذين اتخذوا هذا الموقف تعرضوا للتشهير واستسلموا في النهاية. هكذا اضطر الفلسطينيون الذين طُردوا من أراضيهم للبحث عن وظائف في المدن.
في عام 1929، تصاعد التوتر بشكل غير مسبوق، وأدى إلى ما يُعرف لدى الفلسطينيين بـ”ثورة البراق”. في 15 أغسطس/ آب، نظمت “الهاغاناه” والصهاينة التصحيحيون المتأثرون بأفكار زئيف جابوتنسكي، تظاهرات عند حائط البراق، ما دفع المسلمين لتنظيم احتجاجات مناهضة في اليوم التالي.

وقعت حوادث عنف بين المسلمين واليهود طوال الأسبوع، بلغت ذروتها بمقتل 17 يهوديا بعد صلاة الجمعة في 23 أغسطس/ آب. أطلق هذا الحدث ردود فعل متسلسلة، وخلال أسبوع واحد، لقي 133 يهوديا و116 فلسطينياً حتفهم.

لم يقتصر العنف على القدس، بل امتد لمدن أخرى، وكان أبرزها أحداث الخليل في 24 أغسطس/ آب 1929. كان يهود الخليل جزءا من أقلية موجودة في فلسطين منذ قرون قبل وصول الصهيونية، وقد عاشوا بسلام مع المسلمين، حيث تؤمن الديانتان بقدسية مدينة الخليل التي تضم قبر النبي إبراهيم.

لم يستسغ الفلسطينيون دخول طلاب المدارس التلمودية بملابسهم الأوروبية إلى الحرم القدسي. ومع انتشار أنباء الاشتباكات في القدس، توافد المسلمون من القرى المحيطة بالخليل إلى داخل المدينة، وقُتل 67 يهودياً، رغم أن بعضهم وجد ملاذاً آمناً في منازل عائلات مسلمة.

اليوم، تُستخدم أحداث الخليل المروعة في الرواية الإسرائيلية الرسمية كدليل على “استحالة” التعايش مع الفلسطينيين، والمفارقة أنها تُستخدم لتبرير المجازر بحق الفلسطينيين.

رغم أن الشرارة المباشرة لأحداث عام 1929 كانت دينية، إلا أن الاضطرابات انتشرت بسرعة وبشكل مدمر بسبب انهيار النظام الاجتماعي الفلسطيني. كان ذلك تعبيرا عن الإحباط بعد عقد من التوسع الصهيوني السريع. خلال ذلك العقد، أدرك الفلسطينيون في القرى والأرياف ما ينتظرهم جميعاً: التطهير العرقي والإفقار المتعمد.

ومع إجبار المزيد من الفلسطينيين على ترك العمل الزراعي، نشأت الأحياء الفقيرة. في حيفا شمالي فلسطين، تبلور شكل جديد من المقاومة الفلسطينية ضد الصهيونية وحلفائها البريطانيين، وهو ما سُمي بـ”حرب العصابات”. هنا برزت شخصية ذات كاريزما طاغية، الإمام عز الدين القسام (1882-1935)، الذي سُمي الجناح العسكري لحركة حماس باسمه، وكذلك صواريخها الأولى.


تُخلّد العديد من فصائل المقاومة الفلسطينية العلمانية إرث عز الدين القسام لإدخاله حرب العصابات في النضال الفلسطيني ضد البريطانيين. استطاع القسام الذي قاوم الاستعمار في بلده سوريا، أن يُلهم الشباب المسلم في الأحياء الفقيرة بحيفا لتأسيس جماعات شبه عسكرية، استعدادًا لنضال طويل الأمد ضد الاستعمار البريطاني.

لكن في مواجهة تدفق كبير للمهاجرين اليهود وتشديد المراقبة من السلطات البريطانية، اضطر القسام إلى كشف نواياه قبل الأوان. في التلال القريبة من جنين، صمد القسام مع 11 عنصرا أمام قوة بريطانية كبيرة لعدة ساعات في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1935، إلى أن قُتل مع أربعة من رفاقه.

في اليوم التالي، أعلنت حيفا إضرابا عاما. ألهم مقتل القسام أعدادا متزايدة من الشباب الفلسطيني لحمل السلاح والاستعداد لخوض حرب ضد بريطانيا لإجبارها على التخلي عن دعم الصهيونية. ورغم أن ثورة القسام كان محكوما عليها بالفشل، إلا أنها مهدت الطريق لمقاومة أكثر تنظيما في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين.

مقالات مشابهة

  • بيان مشترك لوزراء خارجية الإمارات وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان والسعودية وقطر
  • محافظ البحر الأحمر يوجه بنقل مصنع تدوير المخلفات ومحطة المعالجة بالغردقة
  • محافظ البحر الأحمر يوجه بسرعة إنهاء ملفات تقنين وضع اليد
  • الطفولة الملغومة.. قنابل بشرية مؤجلة تهدد الأمن القومي في الشرق الأوسط
  • محافظ البحر الأحمر يوجه بإنهاء ملفات تقنين وضع اليد وتوفير سيارات للأحياء
  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • قاد تطوير الصاروخ «آرو 3».. نتنياهو يعلن اسم رئيس مجلس الأمن القومي القادم