انتظام مالي أم تحميل المواطنين كلفة الإفلاس؟
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
اقرت الحكومة "مشروع قانون الانتظام المالي وسداد أموال المودعين، ورمت بكرة اللهب إلى ملعب مجلس النواب ، حيث سيخضع مشروع القانون لدراسة معمقة في لجنة المال والموازنة واللجان المشتركة، قبل إحالته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب. ومهّدت الاعتراضات السياسية بعد الإعلان عن إقراره، لشكل الاعتراض عليه قانونياً في المجلس النيابي ، مما يهدد بإطالة البحث فيه، أو إخضاعه لتعديلات جوهرية قبل إقراره.
وكتبت سلوى بعلبكي في" النهار": دخل مشروع قانون "الفجوة المالية" مرحلة شديدة الحساسية، ليس فقط لأنه يشكل الإطار التشريعي الأول لمحاولة توزيع خسائر الانهيار المالي، بل لأن النقاش حوله انتقل من العلن إلى الغرف المغلقة، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع الوقائع المالية القاسية. فبين ضغط دولي يدفع نحو إقرار القانون بأي ثمن، ومحاولة حكومية لتدوير الزوايا، يقف القطاع المصرفي أمام معادلة وجودية: إما قانون قابل للتطبيق يعيد بناء الثقة، أو تشريع يحمّله التزامات تفوق قدرته ويقضي نهائياً على ما تبقى من النظام المالي. في هذا السياق، وفي محاولة لتقريب وجهات النظر بين الدولة والمصارف حول مشروع القانون، عقد لقاء بعيداً عن الإعلام جمع إلى مستشار وزير المال سمير حمود، عدداً من النواب، وبعض المقربين من رئيس الحكومة نواف سلام. النقاش كان صريحاً، وتركز على ضرورة تمرير القانون من حيث المبدأ، لكن مع التشديد على واقعية الأرقام. حمود شدد على أن الإبقاء على المصارف في حالة "مصارف زومبي" عاجزة عن التمويل وعن تحريك الاقتصاد لم يعد خيارا، وأن معالجة الفجوة المالية باتت حتمية. لكن في المقابل، حذر من أن النسخة الأخيرة من المشروع لا تشكل حلاً، بل تعمق الأزمة، ولا سيما من زاوية حقوق المودعين وقدرة النظام على التنفيذ.
الاعتراض الأساسي الذي طرح في اللقاء يتعلق بحجم الكلفة. فبينما جرى التداول سابقاً برقم يقارب 20 مليار دولار لسداد الودائع ما دون الـ 100 ألف دولار، تبين وفق الحسابات الواقعية أن هذا الرقم غير قابل للتحقيق. فحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، أي جمع كل السيولة المتاحة، وبيع كامل الأصول، واليوروبوندز، فإن المبلغ الأقصى الذي يمكن تأمينه لا يتجاوز 7 مليارات دولار إضافة إلى الاحتياطي الالزامي الذي يقدر بنحو 9 مليارات دولار بما مجموعه 16 مليار دولار.
هذا التقدير لا يصدر فقط عن المصارف، بل أكده أيضاً حاكم مصرف لبنان، الذي أقر بأن معظم المصارف غير قادرة على تحمل أكثر من 2 إلى 3 مليارات دولار، وأن تحميلها أعباء إضافية سيؤدي إلى انهيارها بدل إعادة هيكلتها. ورغم ذلك، بدا أن الاتجاه السياسي يسير نحو تحميل المصارف القسم الأكبر من الخسائر، في تجاهل تام لقدرتها الفعلية.
أحد محاور الخلاف يتمحور حول الاحتياطي الإلزامي. فوفق طرح جمعية المصارف، هناك نحو 9 مليارات دولار يمكن استخدامها، لكن مصرف لبنان يرد بأن هذا الاحتياطي غير قابل للتسييل، وأنه يحتاج إلى مساهمة من الدولة لا تقل عن 5 أو 6 مليارات دولار تسدد على أربع سنوات ليتمكن من تغطية حصته.
توازياً، يطرح خيار بيع الذهب، لكن من دون أي قرار سياسي واضح. فالذهب موضوع أساساً كضمانة لإصدارات مالية مستقبلية، وليس مخصصاً لدفع الودائع. وقد عبر نواب حضروا النقاش عن رفضهم القاطع لبيع الذهب من أجل تسديد الـ100 ألف دولار، ما يجعل هذا الخيار عمليا خارج التداول.
أما الحديث عن بيع أصول مثل شركة طيران الشرق الأوسط أو الكازينو أو العقارات، فيبقى مرتبطاً بتسديد سندات مستقبلية (Asset-backed securities)، وليس بإعادة الودائع، ما ينسف فكرة الاعتماد عليها كمصدر تمويل مباشر.
حتى الطروحات التي أخذت طابعاً إنسانياً، مثل احتساب ودائع بعض المودعين بالليرة اللبنانية على سعر 1500 ليرة وضمانهم حتى 100 ألف دولار، وُصفت بأنها عادلة من حيث المبدأ، لكنها تزيد الكلفة من دون أي تحديد لمصادر التمويل. وهنا يبرز جوهر الاعتراض: لا يمكن تشريع حماية من دون تمويل. المشكلة الأعمق، كما خلص النقاش، أن الحكومة، رغم طابعها التكنوقراطي، تطرح قانوناً لا تملك أدوات تطبيقه. فلا الدولة تحدد مساهمتها، ولا مصرف لبنان يملك القدرة، ولا المصارف قادرة على تحمل أعباء تفوق أصولها. وفي غياب هذا الوضوح، فإن إقرار القانون سيؤدي إلى نتيجة خلاصتها ضرب ما تبقى من ثقة، وتعريض القطاع المصرفي لأزمة سيولة قاتلة، تجعل أي تعامل معه مستحيلاً.
وكتب بسّام صرّاف في" النهار": في لبنان، لم يُطرح ما يُسمّى «الانتظام المالي» يومًا كمسار إصلاحي متكامل يعالج جذور الأزمة، بل جرى تسويقه منذ انهيار النظام المالي عام 2019 كأمر واقع لا بديل عنه. خطاب تقني مُنمّق، تتقاسمه الدولة والمصارف ومصرف لبنان، يُقدَّم للرأي العام بوصفه ضرورة حتمية، فيما يخفي في جوهره خيارًا سياسيًا واضحًا: نقل كلفة الانهيار من مراكز القرار والمسؤولية إلى جيوب المودعين، وكأن الخسارة تحوّلت من نتيجة فشلٍ بنيوي إلى «حق مكتسب» للنظام نفسه.
الانتظام المالي الحقيقي لا يتحقق عبر شطب الودائع أو تحميلها الجزء الأكبر من الخسائر، بل عبر مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم العدالة المالية. وفي صلب هذه المقاربة، تبرز مجموعة مبادئ أساسية:
•تحميل المسؤوليات لمن راكم الأرباح في النظام المالي خلال سنوات الازدهار، لا لمن أودع تعبه ومدخراته.
•مساءلة شفافة للدولة، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية، بعيدًا عن المعالجات الانتقائية أو التسويات السياسية.
•وضع آلية واضحة لاسترداد الأموال، تضمن عدم تحميل الحلقة الأضعف كلفة الإفلاس، وتُعيد الاعتبار لدولة القانون.
أي إعادة هيكلة لا تنطلق من هذه المبادئ تتحول تلقائيًا إلى عملية نقل خسائر، لا إلى إصلاح.
المسار المعتمد اليوم يسير في الاتجاه المعاكس. فالحلول المطروحة تُختصر بإجراءات تصيب المودعين مباشرة، وتُغلَّف بخطاب تقني يوحي بالحتمية، فيما هي في جوهرها إدارة صامتة للانهيار لا أكثر. النتيجة واضحة: استنزاف مباشر للمدخرات، تآكل في الثقة، انكماش اقتصادي مستمر، وتراجع غير مسبوق في دور القطاع المصرفي كوسيط ائتماني..
تجارب دولية عدّة، أبرزها اليونان بعد أزمة 2010، تُظهر أن حماية حقوق المودعين ومحاسبة القطاع المصرفي كانت في صلب أي مسار تعافٍ جدّي، رغم قسوته. تجاهل هذه المبادئ لم يؤدِّ يومًا إلى استقرار، بل إلى إطالة أمد الأزمات وتعميق الكلفة الاجتماعية. لبنان، من دون مقاربة مشابهة، يعيد إنتاج أزمة الثقة مع كل محاولة إصلاح شكلية.
استعادة الودائع ليست مسألة تقنية أو ظرفية، بل شرط تأسيسي لإعادة بناء العقد المالي بين الدولة والمواطنين. اللبناني لا يطالب بامتياز، بل بحق بديهي: ألّا يُموَّل إفلاس الدولة من مدخراته، وألّا تُسمّى هذه الإجراءات إصلاحًا فيما آثارها ماثلة في كل تعامل مالي. أي خطة لا تضع حقوق المودعين في صلب أولوياتها، ولا تُرفق بخطوات إصلاحية واضحة ومساءلة فعلية، ليست خطة تعافٍ، بل إدارة منظّمة للانهيار. مواضيع ذات صلة أبو فاعور: لا مساومة على إرادة المواطنين وضرورة انتظام مؤسسات الدولة Lebanon 24 أبو فاعور: لا مساومة على إرادة المواطنين وضرورة انتظام مؤسسات الدولة
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: الانتظام المالی الفجوة المالیة القطاع المصرفی ملیارات دولار مشروع قانون مجلس النواب مصرف لبنان لبنان ی هذا ما من دون
إقرأ أيضاً:
“التنمية الأسرية” تستقبل حجاج الدولة من كبار المواطنين وأسرهم
استقبلت مؤسسة التنمية الأسرية، في مطار زايد الدولي بأبوظبي، حجاج الدولة من كبار المواطنين وأسرهم العائدين من الأراضي المقدسة بعد أداء مناسك الحج وذلك ضمن مبادرة “حج بطمأنينة”، في أجواء سادتها مشاعر الفرح والطمأنينة، تعبيراً عن الاعتزاز بسلامة عودتهم واستكمالهم هذه الفريضة المباركة.
يأتي هذا الاستقبال في إطار حرص المؤسسة على تعزيز قيم التراحم والتكافل المجتمعي، وتقدير كبار المواطنين والاهتمام بهم، بما يعكس نهج المؤسسة الراسخ في رعاية هذه الفئة الغالية والارتقاء بجودة حياتها وتعزيز حضورها الفاعل في المجتمع.
وتجسد هذه المبادرات الرؤية الإنسانية الملهمة لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، أم الإمارات، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة، الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، التي أولت كبار المواطنين اهتماماً خاصاً، انطلاقاً من إيمان سموها العميق بدورهم المحوري في بناء الوطن وصون هويته وقيمه الأصيلة.
وأعرب الحجاج من كبار المواطنين عن سعادتهم الغامرة بأداء فريضة الحج وعودتهم إلى أرض الوطن سالمين، مؤكدين أن هذه الرحلة الإيمانية كانت تجربة استثنائية ملؤها السكينة والطمأنينة، ومكنتهم من أداء المناسك في أجواء ميسرة ومطمئنة.
وتوجه الحجاج بأسمى آيات الشكر والعرفان إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله”، تقديراً لما يوليه سموه من رعايةٍ واهتمامٍ وحرصٍ دائمٍ على توفير كل سبل الدعم والرعاية التي تمكن أبناء الوطن من أداء شعائرهم الدينية في أجواء آمنة ومطمئنة، بما يجسد نهج القيادة الرشيدة في خدمة المواطنين والارتقاء بجودة حياتهم.
كما عبَّر الحجاج عن بالغ تقديرهم وامتنانهم لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات”، لدعم سموها المتواصل لكبار المواطنين وحرصها الدائم على رعايتهم والاهتمام بشؤونهم، مؤكدين أن مبادرات سموها الإنسانية وجهودها المباركة أسهمت في تعزيز راحتهم وعكست قيم الوفاء والتقدير لهذه الفئة الغالية في المجتمع.
وأشاد الحجاج بجهود مؤسسة التنمية الأسرية، وما لمسوه من حفاوة استقبال واهتمام بالغ عقب عودتهم من الأراضي المقدسة، مثمنين حرص المؤسسة على استكمال إجراءات التسجيل والمتابعة بكل عناية واهتمام، معربين عن تقديرهم لحرص المؤسسة على الاطمئنان عليهم ومشاركتهم فرحة إتمام مناسك الحج، وما عكسه ذلك من اهتمام إنساني وتقدير لكبار المواطنين وأسرهم، في أجواء سادتها مشاعر المودة والاحتفاء بسلامة عودتهم.
وتواصل المؤسسة، انطلاقاً من رسالتها الإنسانية ورؤيتها المجتمعية، تقديم برامجها ومبادراتها النوعية الهادفة إلى دعم كبار المواطنين والارتقاء بجودة حياتهم، بما يعزز مكانتهم في المجتمع ويجسد قيم الوفاء والعرفان لعطائهم ويصون كرامتهم في مختلف مراحل حياتهم. وام