(CNN)— أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال أو "صومالي لاند" ردود فعل وانتقادات إقليمية واسعة امتدت من مصر إلى السعودية.

وفيما يلي نبذة سريعة عن صومالي لاند:

ادعى رئيس صومالي لاند الراحل، أحمد محمد سيلانيو، العام 2016 أن أكثر من مليون مواطن، من أصل 3.4 مليون نسمة وهو عدد سكان البلاد، وقّعوا عريضة تطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بصومالي لاند.

ومنذ عام 1991، وانهيار نظام سياد بري في الصومال، أعلنت هذه المنطقة استقلالها، ولكن هل هذا القرار صائب؟ تُثير تجارب انفصال جنوب السودان وإريتريا تساؤلات وشكوكًا جدية حول نتائج انفصال الدول.

يتمثل النهج العام تجاه دعوات الانفصال في أفريقيا، كما حدده الاتحاد الأفريقي وسلفه منظمة الوحدة الأفريقية، في معارضتها. وأكثر الحجج شيوعًا ضد الانفصال هي أن منح هذا الحق لدولة واحدة يُشجع دولًا أخرى على اتخاذ الخطوة نفسها.

ويُقال إن هذا من شأنه أن يُعرّض للخطر نظام الدول ما بعد الاستعمارية المعترف به دوليًا في أفريقيا.

وظهرت قضية الانفصال لأول مرة في ستينيات القرن الماضي مع موجة إنهاء الاستعمار والتساؤلات حول قابلية الدول المستقلة حديثًا في جميع أنحاء القارة للبقاء. وبرزت حالتان بشكل خاص: الكونغو، حيث تم إحباط محاولة انفصال كاتانغا المعلنة ذاتيًا على يد قوات الأمم المتحدة؛ ونيجيريا، حيث تم إنهاء انفصال بيافرا على يد القوات الفيدرالية النيجيرية.

الدول الأفريقية الجديدة

برزت هذه القضية مجددًا في الآونة الأخيرة، فقد شهدت منطقتان في شمال شرق أفريقيا انفصالًا. ففي عام 1993، تم الاعتراف بإريتريا كدولة مستقلة عن إثيوبيا، وفي عام 2011، تم الاعتراف بدولة جنوب السودان، أحدث دول العالم.

إلا أن الظروف في كلتا الحالتين كانت مختلفة، لكن الهدف هنا ليس إعادة النظر في كيفية حدوث هذه الانفصالات وأسبابها، بل في دراسة ما حدث لاحقًا، ففي كلتا الحالتين، كان الهدف من الانفصال معالجة المشاكل التاريخية وتوفير بديل مقبول في شكل دولة جديدة معترف بها دوليًا. ولكن هل حققت هذه الدول هذه الأهداف؟

تشير كلتا الحالتين، الإثيوبية والسودانية، إلى أن الانفصال ليس دائمًا الخيار الأمثل. فقد أدى الانقسام إلى نزاعات حدودية عنيفة، وتعقيدات اقتصادية، وعلاقات متوترة مع المجتمع الدولي.

كما يمكن القول إن منح حق الانفصال لم يؤد إلا إلى تأجيج مطالب الحركات الانفصالية الأخرى. ومثال على ذلك مطالبة صومالي لاند بالاعتراف بها كدولة مستقلة، بدلًا من الانضمام إلى جهود إعادة بناء الصومال. فعندما نالت جنوب السودان استقلالها عام 2011، وصل وفد من صومالي لاند إلى جوبا، العاصمة، مرتديًا قمصانًا كُتب عليها "صومالي لاند هي التالية".

النزاعات الحدودية والتكاليف العسكرية

يتطلب أي انفصال الاعتراف بحدود متفق عليها بين الدولتين المعنيتين. وقد أثبتت هذه المسألة أنها مثيرة للجدل في حالتي إريتريا وجنوب السودان.

في عام 1988، نشأت مشكلة حول بلدة بادمي الصغيرة الواقعة بالقرب من الحدود الإثيوبية، والتي ادعت إريتريا أنها تابعة لها. وقد أشعل هذا النزاع أحد أكبر الصراعات بين الدول في أفريقيا منذ الحرب العالمية الثانية. أما الصراع الآخر بين الدول فكان هجوم الصومال عام 1977 لدعم مطالبتها بمنطقة أوغادين الإثيوبية، وهي منطقة يسكنها في الغالب قبائل من أصل صومالي.

كما أثبتت الحدود بين جنوب السودان والسودان أنها مثيرة للجدل، ووقعت اشتباكات حول منطقة أبيي المتنازع عليها.

ولم يتم حل مشكلتي بادمي وأبيي بشكل يرضي الدولتين المعنيتين، بل لا تزالان قائمتين.

أدت النزاعات الحدودية المستمرة إلى استمرار كلا الجانبين في الاستثمار بكثافة في جيشيهما ومعداتهما. تحتفظ إريتريا وإثيوبيا بقوات كبيرة ومكلفة تتمركز على جانبي الحدود المتنازع عليها.

ورغم اتفاق جنوب السودان والسودان على تشكيل قوة مشتركة متكاملة على حدودهما المشتركة، إلا أن هذه القوة لم ترَ النور قط. ولا يزال الشك المتبادل والاتهامات بالتوغل من قبل جيشي البلدين قائمة.

تعقيدات اقتصادية

ينطوي الانفصال دائمًا على تساؤلات حول العلاقات الاقتصادية.

جعل استقلال إريتريا إثيوبيا دولة حبيسة. قبل استقلال إريتريا، كانت إثيوبيا تتمتع بإمكانية الوصول إلى ميناءي مصوع وعصب. بعد الانفصال، توقعت إثيوبيا استمرار هذا الوصول، لكن سرعان ما ظهرت خلافات كبيرة أدت إلى إفشال ذلك. وشملت هذه الخلافات القيمة النسبية لعملتي البلدين والرسوم الجمركية التي فرضتها إريتريا على حركة البضائع.

ويُعتقد أن تدهور العلاقات الاقتصادية لعب دورًا مهمًا في حرب الحدود التي اندلعت بين البلدين.

وبالمثل، كان على جنوب السودان والسودان تقاسم منفذ بحري، الأمر الذي أثار مشاكل. بدأ السودان استخراج النفط في أواخر التسعينيات، حيث كان معظم النفط مصدره الجنوب. وكان يُصدّر النفط عبر خطوط أنابيب تمر عبر الشمال إلى البحر الأحمر.

تضمنت اتفاقية السلام، التي أدت إلى تأسيس حكومة جنوب السودان عام 2005، ترتيبات لتقاسم عائدات النفط. لكن قرار جنوب السودان بالانفصال الكامل عام 2011 سرعان ما أثار شكاوى من أن السودان لا يلتزم بالاتفاقية. بل أدى ذلك في إحدى المراحل إلى إغلاق خط أنابيب النفط المتجه إلى الشمال.

تداعيات الانفصال

مع وجود خلافات حول الحدود والعلاقات الاقتصادية، وحتى اندلاع حرب صريحة، ليس من المستغرب أن تكون العلاقات الدبلوماسية بين الحكومتين صعبة. ولذلك، ليس من المستغرب أيضًا أن تكون هذه الخلافات قد أثرت على العلاقات مع المجتمع الدولي الأوسع.

وغالباً ما يعني الانفصال أن الوضع السابق لم يكن قابلاً للاستمرار. ولذلك، يفترض الاعتراف الدولي بالدولة الجديدة أن الانفصال أفضل لكل من الدولة الأم والدولة الجديدة. وقد ثبت أن هذا الافتراض محل شك في كلتا الحالتين.

اكتسبت إريتريا سمعة كدولة قمعية وأصبحت منبوذة دولياً. أما جنوب السودان فقد انهار داخلياً وغرق في الفقر والصراعات الواسعة، مما دفع البعض إلى المطالبة بوضعها تحت وصاية الأمم المتحدة، مع وجود قوة أممية طويلة الأجل.

خلّفت هذه الحالات إرثاً يشير إلى أن الانفصال، في أفريقيا على الأقل، ليس خياراً سهلاً. فقد يؤدي إلى نتائج لا تُسهم في حل مشاكل أي من الدول المعنية.

سيضع الكثيرون في أفريقيا هذه النتائج في اعتبارهم وهم يواجهون مطالبة صومالي لاند المستمرة بالاعتراف الدولي بها كدولة مستقلة. في غضون ذلك، تتواصل جهود إعادة الإعمار في بقية الصومال مع رغبة صريحة في أن تكون صومالي لاند جزءاً من هذه العملية.

المصدر

المصدر: CNN Arabic

كلمات دلالية: بنيامين نتنياهو أفريقيا جنوب السودان صومالی لاند فی أفریقیا انفصال ا

إقرأ أيضاً:

الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات

 

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

في سورة يوسف عليه السلام درسٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ إذ إن يوسف لم يبدأ رحلته مع الأذى من عدوٍ غريب، بل من إخوته الذين جمعته بهم رابطة الدم والبيت الواحد.

ولم يكن الجُبّ أعمق ما في القصة، بل اليد التي أوصلته إليه. ولم يكن الألم في البعد وحده، بل في الخذلان الذي جاء من حيث كان يُنتظر السند.

وتبقى القصة حيّة في الوجدان الإنساني؛ تذكّرنا أن الخذلان أشد إيلامًا حين يأتي من القريب، وأن أثر الصمت قد يوازي وقع الفعل نفسه.

وهكذا تُظهر التجارب أن العداوة لا تُفاجئ أحدًا بوضوحها، أما الخذلان فغالبًا ما يتسلّل من أبواب القربى، وعندما نقرأ القصة اليوم، يصعب تجاهل ما تعكسه من صورٍ تتكرّر في الواقع؛ عندما يتقدّم الصمت على النصرة، ويعلو التردّد على الموقف، رغم ما يُرفع من شعارات الأُخوّة والمصير المشترك.

فماذا تبقى من الأُخوّة عندما يحين وقت الموقف؟ وماذا يبقى من المصير المشترك عندما تُترك دولة تواجه التهديد وحدها؟

ليست التهديدات على درجة واحدة، فهناك تهديد يُوجَّه إلى دولة حديثة التكوين فيُقرأ في سياقه السياسي المباشر، وهناك تهديد يمس دولة ضاربة الجذور في التاريخ فيحمل دلالة أوسع.

وعُمان ليست دولة طارئة على الجغرافيا حتى تُقرأ بهذه الخفة، إنها اسمٌ عرفته طرق التجارة القديمة، وحضارةٌ تركت أثرها على سواحل البحار والمحيطات، ودولةٌ حافظت على سيادتها وهويتها عبر قرون من التحولات وتبدّل موازين القوى.

لذلك فإن أي مساس بسيادتها لا يُنظر إليه بوصفه خلافًا ثانويًا؛ بل باعتباره مساسًا بدولة اختارت عبر تاريخها أن تُمسك بقرارها الوطني باستقلال.

أما عن التهديد وما بعد التهديد، فقد يختلف الناس في تفسير التصريحات السياسية أو في تقدير حدودها، لكن ما لا خلاف عليه أن سيادة الدول ليست موضوعًا قابلًا للتأويل أو التجاهل، والأخطر من التهديد نفسه ليس صدوره، بل طريقة تلقّيه والتعامل معه وكأنه لا يستحق الوقوف عنده.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: إذا كانت عُمان دولة عضوًا في مجلس التعاون الخليجي فأين هو الموقف الجماعي؟ وإذا كانت عضوًا في جامعة الدول العربية، فأين هو الموقف العربي؟

هذه ليست دعوة إلى التصعيد، ولا مطالبة بخطابات انفعالية، بل دعوة إلى الحد الأدنى من الاتساق مع المبادئ التي تأسست عليها تلك الأطر.

المفارقة أن سلطنة عُمان لم تُعرف يومًا بسياسة العدوان أو التدخل في شؤون الآخرين، فقد اختارت الحوار في الملفات المعقدة، ورأت أن كلفة الحوار أقل من كلفة الصدام، وتجنّبت الانخراط في صراعات إقليمية من موقع قراءة سياسية خاصة بها، وقناعة بأن الاستقرار لا يُبنى على التوتر.

وقد يختلف البعض مع هذه المقاربات أو يتفق معها، لكن الاختلاف السياسي لا يبرّر الصمت حين تُمسّ سيادة دولة.

فهل أصبح استقلال القرار السياسي محلّ اتهام؟ وهل صار خيار التهدئة سببًا للتشكيك؟ وهل يُطلب من الدول أن تتطابق في سياساتها حتى تستحق التضامن؟

وإن كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في عُمان.

والحديث هنا لا يقتصر على عُمان، بل يتجاوزها إلى معنى التضامن ذاته، فكثير من المؤسسات ترفع شعارات عن وحدة المصير والأمن المشترك والتعاون بين الأشقاء، لكن قيمة هذه الشعارات لا تظهر في لحظات الاستقرار، بل عند اختبارها الحقيقي.

وهنا يبرز السؤال المباشر: ما قيمة التضامن إذا غاب عند الحاجة إليه؟ وما قيمة البيانات والاجتماعات إذا تُركت السيادة وحدها عند الاختبار؟

لم تطلب عُمان يومًا أن يُدار قرارها من الخارج، ولم تُبنِ سياستها على انتظار الإملاءات، ومن حقها أن تُقدّم مصالحها الوطنية، وأن تُوسّع شراكاتها مع من يحترم سيادتها ويعاملها بنديّة واضحة؛ فالدول لا تُدار بالمجاملات، ولا تُبنى على الشعارات، ولا تُحفظ قراراتها في أجواء الصمت عند الحاجة. والاحترام المتبادل بين الدول لا يُقاس في أوقات الرخاء، بل في لحظات الاختبار، خصوصًا داخل الأطر التي تعهّدت أصلًا بالتضامن وصون المصالح المشتركة.

وقد يغيب موقف أو يصمت طرف، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة ثابتة، أن عُمان سبقت كثيرًا من التحالفات وستبقى بعدها، وأن قوة الدول لا تُقاس بعدد المصفّقين، بل بقدرتها على الثبات على مبادئها حين تتبدل المواقف.

لقد اختارت عُمان عبر تاريخها أن تكون دولة قرار لا دولة إملاء، ودولة كرامة لا دولة تبعية. وقد تدفع الدول ثمن استقلالها أحيانًا، لكنها تكسب قدرتها على حماية مستقبلها حين تتمسك بسيادتها؛ لأن ما يُبنى على الاحترام يدوم، وما يُبنى على التبعية يتآكل عند أول اختبار.

وفي النهاية، تبقى الأُخوّة موقفًا قبل أن تكون شعارًا، والتضامن فعلًا قبل أن يكون بيانًا، والسيادة حقًا لا يقبل التجزئة ولا التأويل.

أما عُمان، فستبقى كما كانت؛ دولة تعرف قدر نفسها، وتحفظ حقها، وتمضي في طريقها بثبات، مستندة إلى تاريخها، ومؤمنة بأن احترام السيادة ليس منّة، بل حقٌ أصيل تكفله القوانين والأعراف، وتفرضه كرامة الدول قبل كل شيء.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • عُمان الشامخة
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • انتخابات إثيوبيا تنطلق في ظل تمردات مسلحة وغياب التصويت في إقليم تيغراي