حمور زيادة

يرحل العام 2025، ويبدأ العالم الربع الثاني من القرن الذي حلم به طويلاً. تخيّل الناسُ العام 2000 والقرن الحادي والعشرين عهداً للسلام والتكنولوجيا والسيارات الطائرة والحياة في كواكب أخرى، لكن قرناً بدأ بجريمة هجمات أبراج التجارة العالمية في نيويورك ما كان ليحمل لنا إلا المزيد من الدم.

في العام الذي حزم حقائبه وعزم على الرحيل، استطاع الجيش السوداني تحرير العاصمة الخرطوم في مارس/ آذار 2025، وخرجت قوات الدعم السريع من المدينة التي احتلتها نحو عامَيْن، بعدما خرّبت ما استطاعت؛ حتى شقّت الحوائط لتسرق من جوفها أسلاك توصيل الكهرباء.

وشهد التحريرُ جرائمَ قتل خارج القانون، وتصفيةً للأسرى، وغيرها من صنوف الانتقام، لتنتقل الحرب غرباً فتسقط مدينة الفاشر. ظلّت العاصمة التاريخية لسلطنة دارفور تحت حصارٍ دامٍ وشرس، قبل أن ينسحب منها الجيش السوداني وتستبيحها المليشيا.

نجح الجيش، في هذا العام، في أن يستردّ العاصمة وولاية الجزيرة. وكانت الأخيرة قد سقطت في يد “الدعم السريع” في بداية العام 2024، في وقتٍ يجري التنسيق بين الاتحاد الأفريقي وتنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية (تقدّم) لعقد لقاء بين قائدَي الجيش وقوات الدعم السريع، والتوقيع على إعلان مبادئ لوقف القتال. لكن احتلال المليشيا الجزيرة، الولاية الزراعية الأهم في وسط السودان، والمذابح المروّعة التي ارتُكبت فيها، ورفض الجيش اتفاق المبادئ الذي وقّعته القوى السياسية مع خصمه… أجهضتْ كلّها محاولات وقف القتال.

تسعى السلطة العسكرية إلى العودة إلى العاصمة الخرطوم في بداية العام الجديد تاركةً بورتسودان، العاصمة البديلة التي نزحت إليها منذ بداية الحرب في إبريل/ نيسان 2023. لكن العام الذي نودّع (وعادت فيه عاصمة البلاد، من نحو مائتي عام، إلى سلطة الجيش) هو العام الذي أعلنت فيه قوات الدعم السريع عاصمتها الموازية في مدينة نيالا، حيث تسيطر المليشيا على إقليم دارفور وأجزاء واسعة من إقليم كردفان، مع تواصل انسحاب قوات الجيش السوداني، وتنكيل المليشيا بالمواطنين، خصوصاً المنتمين إلى قبائل غير عربية.

شهد هذا العام انقسام السودان إلى سلطتَيْن. ورغم أن سلطة “الدعم السريع”، التي أسمتها “حكومة تأسيس” وتزعم أنها ليست حكومةً انفصاليةً، لم تعترف بها رسمياً أيُّ جهة، بل حذّرت الأمم المتحدة من الاعتراف بها، ولوّحت مصر باتفاقية الدفاع المشترك مع السودان في حالة المساس بوحدته التي تعتبرها من خطوط أمنها القومي الحمراء؛ إلا أنها تحكم فعلياً جزءاً كبيراً من السودان، وترسل طائراتها المُسيَّرة لتستهدف العاصمة المؤقّتة بورتسودان، ومحطّات الكهرباء والبنية التحتية في وسط وشمال البلاد. فيما يستهدف الجيش بالطائرات الحربية والمُسيَّرة عاصمة “الدعم السريع” الموازية.

على الجانب الإنساني، لم يتحسّن الوضع في 2025، فما زال نحو 30 مليون سوداني يحتاجون المساعدات. احتاجت خطّة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان لعام 2025 نحو أربعة مليارات دولار، لم تتوافر منها إلا بضعة ملايين. وحذّر برنامج الغذاء العالمي من أن ملايين ما زالوا معرّضين لخطر المجاعة، لكن السلطات العسكرية طردت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي مدير مكتب البرنامج في السودان، مثلما فعلت قبلاً مع رئيس بعثة الأمم المتحدة.

في الأيام المتبقّية من العام، لا يملك المرء إلا أن يتمنّى أن يحمل العام الجديد خيراً ممّا حمله سابقاه. أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتمامه بحرب السودان وعزمه على وقفها. لا نعرف كيف سيفعل ذلك، لكن ربّما ترك لنا 17 مليون طفل خارج نظام التعليم بسبب الحرب رفاهية السؤال. فرضت الولايات المتحدة عقوباتٍ على قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وعلى قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) وأشقاء له، وعلى منظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش، وعلى شركة الجنيد التابعة لحميدتي، وطاولت أيضاً زعيم الحركة الإسلامية في السودان، علي كرتي، وغيرهم من القادة العسكريين والأمنيين والشركات المتورّطة في الحرب. لكن ذلك كلّه لم يحفظ دماء عشرات آلافٍ ذبحتهم قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر. لذلك، أي جهد أو فعل يوقف القتال، ولو ليوم، ليحفظ دم مواطن سوداني، جهد نتمنّاه في العام الجديد.

نتمنّى عاماً لا ينقسم فيه السودان رسمياً إلى دولتين شرقاً وغرباً… نتمنّى في العام الجديد أن نبقى أحياء، من دون أن تقتلنا الحروب، لنشهد عاماً آخر. فربما فيه يُغاث الناس، ويعصرون.

نقلا عن العربي الجديد

الوسومحمور زيادة

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: حمور زيادة قوات الدعم السریع العام الجدید فی السودان

إقرأ أيضاً:

17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟

أعاد الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال حسني بي فتح ملف منظومة دعم المحروقات في ليبيا، عبر منشور مطوّل نشره على صفحته الرسمية وصفحة “رؤية عمل”، موجّهًا انتقادات حادة للسياسات الحالية، ومطالبًا بإعادة هيكلة شاملة تقوم على التحول من الدعم السعري إلى دعم نقدي مباشر للمواطنين.

وقال حسني بي إن الحديث عن الدعم في ليبيا، وفق وصفه، لم يعد مرتبطًا بالعدالة الاجتماعية، بل أصبح يعكس منظومة تبتلع الثروة العامة تحت شعارات اجتماعية فقدت فعاليتها، معتبرًا أن البلاد لا تعاني من نقص في الموارد، بل من خلل في إدارتها وتوزيعها.

وأوضح في منشور على صفحته بالفيسبوك، أن منظومة دعم المحروقات الحالية لا تمثل سياسة اجتماعية ناجحة، ولا تحقق أهداف حماية الفئات الضعيفة، بل تتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثروة نحو شبكات التهريب والمضاربة والاقتصاد الموازي، على حد تعبيره.

وتساءل في منشوره عن جدوى استمرار هذه المنظومة، مشيرًا إلى أن ارتفاع معاناة الأسر الليبية وتراجع قيمة الدينار وتزايد أرباح التهريب، كلها مؤشرات على فشل النظام الحالي في تحقيق العدالة الاقتصادية.

وأضاف أن المواطن الليبي يتحمل كلفة مزدوجة، تتمثل في هدر الثروة النفطية عبر دعم لا يصل إليه فعليًا، إضافة إلى تأثيرات التضخم وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية.

وكشف حسني بي أن كلفة دعم المحروقات والطاقة في ليبيا تتراوح بين 14 و17 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 100 إلى 120 مليار دينار، معتبرًا أن هذا الحجم من الإنفاق يؤدي إلى نزيف مالي واسع يمنع بناء اقتصاد مستقر أو تمويل تنمية حقيقية أو حماية العملة المحلية.

وفي المقابل، شدد على أن الحل لا يتمثل في رفع الدعم بشكل مباشر، بل في استرداد حق المواطن عبر تحويل الدعم إلى نقدي مباشر، يتم توزيعه بشكل شفاف وعادل لجميع الليبيين، عبر الرقم الوطني والحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية.

وأشار إلى أن آلية مشابهة موجودة بالفعل منذ يناير 2021، حيث تُصرف علاوات للأسر الليبية تحت مسميات مختلفة مثل علاوة الأبناء والزوجة والبنات، بتكلفة سنوية تقارب 7.5 مليار دينار، وبمتوسط دعم شهري يقارب 550 دينارًا للأسرة، تُصرف كل ثلاثة أشهر.

واقترح توسيع هذه المنظومة بإضافة مبلغ نقدي مباشر قدره 500 دينار لكل مواطن شهريًا، ما يعني أن الأسرة المكونة من ستة أفراد ستحصل على نحو 3000 دينار إضافية شهريًا، ليصل إجمالي دخلها النقدي إلى نحو 3550 دينارًا بدلًا من 550 دينارًا حاليًا، وفق تقديره.

وأكد أن هذا التحول لا يمثل إنفاقًا جديدًا، بل إعادة توجيه للمال العام من قنوات التهريب والفساد إلى المواطنين مباشرة، مشيرًا إلى أن قوانين الميزانية في عامي 2013 و2014 نصت على ضرورة إعداد خطة لتحويل الدعم السلعي ودعم المحروقات إلى دعم نقدي، إلا أن التنفيذ لم يكتمل بالشكل المطلوب.

ودعا إلى اتخاذ قرار حاسم وفوري بوقف منظومة الدعم السعري التي يستفيد منها المهربون والمضاربون أكثر من المواطن، مع تحويل كامل القيمة إلى المواطنين عبر أدوات مالية حديثة، وربط الدعم بعدد أفراد الأسرة لضمان العدالة.

كما شدد على ضرورة إعادة هيكلة الأجور والدخل العام لحماية القدرة الشرائية، وتوجيه الموارد نحو التنمية والخدمات، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي يطيل عمر الفساد ويعمّق الأزمة الاقتصادية.

وختم حسني بي منشوره بالتأكيد على أن ليبيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار منظومة “النهب المقنّع باسم الدعم”، أو الانتقال إلى نظام عادل وشفاف يعيد الثروة إلى المواطنين، معتبرًا أن النفط وأموال الدعم ملك للشعب ولا يجب أن تتحول إلى أرباح للتهريب والمضاربة.

وفي سياق متصل، علّق الخبير الاقتصادي مختار الجديد على الجدل الدائر، معتبرًا أن ردود الفعل حول بعض التفاصيل في النقاشات الاقتصادية لا تعكس جوهر القضية، مشيرًا إلى أن تفسير السلوكيات في الإعلام يحتاج إلى قراءة موضوعية بعيدًا عن الانطباعات الشخصية، في إشارة إلى الجدل الذي أُثير حول بعض ملاحظاته السابقة في البرامج الحوارية.

ويعكس هذا الجدل الاقتصادي المتصاعد في ليبيا حالة انقسام واضحة بين تيار يدفع باتجاه إصلاح جذري لمنظومة الدعم وتحويله إلى نقد مباشر، وتيار آخر يركز على أبعاد اجتماعية ونقاشات إعلامية مرتبطة بإدارة الخطاب العام حول الأزمة.

هذا وتعتمد ليبيا منذ سنوات على منظومة دعم واسعة لأسعار الوقود والسلع الأساسية، ما جعلها أحد أكبر بنود الإنفاق العام. غير أن هذه المنظومة تواجه انتقادات متكررة بسبب تسرب جزء كبير من الدعم إلى قنوات التهريب والسوق السوداء، في ظل ضعف آليات الرقابة والتوزيع.

ويُطرح بين الحين والآخر خيار التحول إلى الدعم النقدي المباشر كبديل إصلاحي، إلا أن تنفيذه يواجه تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة.

مقالات مشابهة

  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان
  • 17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟