محمد بكري يرحل فلسطينيا ولم يساوم (بورتريه)
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
وصل إلى العالمية بعد مشوار فني حافل ومثير كان فيه، ممثلا، ومخرجا، ومؤلفا، ومنتجا، في أكثر من 43 عملا فنيا في فلسطين المحتلة، وهولندا، وبلجيكيا، وفرنسا، وكندا.
كان يؤمن أن الفن والتمثيل والمسرح والسينما قادرة على تحرير الإنسان، ورغم ذلك واجه بعض الرفض من المجتمع الفلسطيني بسبب عمله في أعمال فنية إسرائيلية.
يعد واحدا من أبرز الوجوه الفنية الفلسطينية، تحدى "مطاردة الساحرات" في المحاكم الإسرائيلية بعد أن نقل خلال مسيرته الطويلة معاناة شعبه إلى مختلف أنحاء العالم.
ولد محمد بكري في عام 1953 في قرية البعنة في الجليل ضمن أراضي فلسطين عام 1948، وتلقى تعليمه الثانوي في مدينة عكا، وبرغبة كبيرة ونظرا لعشقه التمثيل درس الأدب العربي والتمثيل والمسرح في جامعة تل أبيب في عام 1973.
واجه صعوبة بتمويل أعماله وأفلامه، ومولت زوجته ليلى أفلامه من خلال قروض بنكية. وأنجب 6 أولاد من بينهم الممثل صالح بكري والممثل زياد بكري.
بدأ مشواره الفني بالمشاركة في العديد من الأعمال المسرحية المحلية، في مسارح " هابيما" في "تل أبيب"، و"حيفا"، و"القصبة" في رام الله، و"الخان"، و"الميدان"، ثم لاحقا إلى مسارح باريس وهولندا حاملا فلسطين معه.
بداياته المسرحية كانت عبر مسرحية "المتشائل" عام 1986 للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، حيث ركز عمله المنفرد الأكثر شهرة على تعقيدات ومشاعر الشخص الذي يحمل الهويتين الإسرائيلية والفلسطينية معا.
ثم عرض مسرحية آرثر ميلر "مشهد من الجسر"، وعلى المستوى التلفزيوني، ظهر بكري في عدة مسلسلات دولية من بينها "هوملاند" و"ليلة الحدث"، مؤكدا على تنوع تجاربه الفنية بين السينما والمسرح والتلفزيون.
كانت ولادته الفنية في المسرح قبل أن يتجه إلى السينما، حيث شارك في عدد كبير من الأعمال العربية والإسرائيلية والدولية، فيما كانت أول بطولة سينمائية له في فيلم "هانا ك" في عام 1983 للمخرج الشهير كوستا غافراس. قبل أن يلفت الأنظار مجددا في الفيلم الرومانسي "رامي وجوليا " في عام 1988 للمخرج الدنماركي إريك كلسون، والذي قدم كمعالجة فلسطينية حديثة لـ"روميو وجولييت".
ارتبط اسمه بالسينما الفلسطينية الحديثة، وشارك في أعمال أصبحت علامات فارقة، من بينها "حكاية الجواهر الثلاثة" عام 1994 للمخرج ميشيل خليفي، وأفلام "حيفا" و"عيد ميلاد ليلى" للمخرج رشيد مشهراوي، و"ياسمين تغني" للمخرجة نجوى نجار، و"واجب" للمخرجة آن ماري جاسر. ثم أفلام "الغصن الأبرص"، و"برايفيت" و"تحت أقدام النساء"، وظهر في عدد من الأفلام الإسرائيلية الشهيرة في الثمانينيات والتسعينيات، ورشح فيلمه "وراء القضبان" لجائزة الأوسكار.
مسرحياته وأفلامه كانت تثير حنق وغضب المؤسسة الرسمية والشعبية الإسرائيلية كما حدث في فيلم "جنين، جنين" الذي قدمه في عام 2002 إذ وثق آثار الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين، وجسد من خلاله معاناة الشعب الفلسطيني وروح المقاومة الفلسطينية، وحاز الفيلم جوائز دولية رغم التحديات القانونية التي واجهها.
وأدخل بكري، مرغما، في دوامة طويلة من الملاحقات القضائية والاستدعاءات إلى المحاكم، وفرض عليه غرامات كبيرة، فضلا عن التضييق والمنع، وذلك بعد أن قام خمسة جنود إسرائيليين برفع دعوى عليه بتهمة التشهير بعد إخراجه فيلم "جنين، جنين" لكن المحكمة ردت الدعوى، واستأنف الجنود الحكم، وفي عام 2021 حظرت المحكمة الإسرائيلية المركزية في اللد عرض الفيلم وقررت حذف روابطه في الإنترنت ومصادرة جميع نسخه.
ومع ذلك، لم يتراجع عن قناعته التي ركزت على الخطر الحقيقي الذي تتعرض له فلسطين وهو طمس السردية الفلسطينية.
وسبق أن قال في معرض تعقيبه على قرار المحكمة بمنع عرض فيلمه، إنه "غير نادم على شيء، ولو عاد الزمان إلى الوراء لكنت سأعيد تصوير الفيلم لفضح الجرائم غير الإنسانية التي ارتكبها جيش الاحتلال في اجتياحه لمخيم جنين البطل".
ونفذ وعده، حيث عاد بكري إلى المخيم نفسه بفيلمه "جنين 2023"، موثقا مجزرة إسرائيلية جديدة. وإلى جانب هذين العملين، أنجز بكري فيلم "1948" الذي تناول النكبة من خلال الشهادات الحية، وظهر فيه والده شاهدا على تلك المرحلة، وفيلم "من يوم ما رحت" الذي استحضر فيه الروائي الراحل إميل حبيبي بوصفه أبا رمزيا ومرآة لتجربة فلسطينيي الداخل.
وكان آخر أفلام بكري مع المخرجة شيرين دعيبس فيلم "اللي باقي منك" وهو دراما عن عائلة فلسطينية على مدى أكثر من 76 عاما، إلى جانب ابنيه آدم وصالح بكري، وقد أدرج الفيلم في القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي طويل.
تميز بكري بأدواره التي جسدت الهوية الفلسطينية وقضاياها الإنسانية والسياسية، وقدم أعمالا حظيت باعتراف دولي. حصل فيها على عدة جوائز كبرى.
توفي الأربعاء الماضي عن عمر ناهز 72 عاما، في مستشفى نهاريا، بعد معاناة مع أمراض القلب، وفق ما أفادت أسرته، وذلك بعد أن تدهور وضعه الصحي خلال الأيام الأخيرة، ووري الثرى في المقبرة القديمة ببلدة البعنة في منطقة الشاغور في الجليل الأعلى.
رحل بعد أن لاحقته السلطات الإسرائيلية لسنوات أُجبر خلالها على خوض محاكمات عديدة تتعلق بعمله الفني، وأكد بكري مرارا وتكرارا، مواصلة مسيرته الفنية، وأنه عازم على نقل الاضطهاد الذي يواجهه الشعب الفلسطيني، ونقل معاناته إلى كل العالم، غير آبه بمحاولات الاحتلال طمس الرواية الفلسطينية.
وبعد موته بقي بكري مثار جدل بعد أن أثار مذيع في إذاعة الجيش الإسرائيلي غضبا سياسيا بعد نعيه بكري، واصفا إياه بالمحبوب والمدهش، وهو ما دفع أعضاء الكنيست لاعتبار ذلك مبررا آخر لإغلاق الإذاعة، التي قد يتوقف بثها في مطلع آذار/مارس المقبل بقرار من حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو لعدم رضاها عن توجهاتها.
رحل الفنان الفلسطيني وهو يردد دون توقف جملته الشهيرة :"أنا فلسطيني، وهذا لا يناقش".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي عالم الفن كاريكاتير بورتريه بورتريه فلسطين محمد بكري الاحتلال النكبة فلسطين الاحتلال النكبة محمد بكري بورتريه بورتريه بورتريه بورتريه بورتريه بورتريه سياسة سياسة عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن عالم الفن سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة بعد أن
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .