«نهائي مبكر» بين كوت ديفوار والكاميرون في كأس أفريقيا
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
الرباط (د ب أ)
بصفته نهائياً مبكراً بين قطبين من أقطاب القارة السمراء، يترقب جمهور كرة القدم في مراكش مواجهة من العيار الثقيل تجمع بين كوت ديفوار (الأفيال) والكاميرون (الأسود غير المروضة) الأحد ضمن الجولة الثانية من منافسات المجموعة السادسة لبطولة كأس الأمم الأفريقية بالمغرب.
وتكتسب المباراة طابعاً مصيرياً كونها تجمع بين منتخب الأفيال، حامل اللقب الطامح لتأكيد جدارته، وبين منتخب «الأسود غير المروضة» الذي يسعى لاستعادة بريقه التاريخي بلقب سادس.
ويملك المنتخبان ثلاث نقاط في رصيدهما، مما يعني أن الفائز في هذا الصدام سيضمن رسمياً مكاناً في دور الستة عشر، ويقطع خطوة واسعة نحو تصدر المجموعة وتجنب المواجهات المعقدة في الأدوار الإقصائية.
بدأ المنتخب الإيفواري رحلة الدفاع عن لقبه بهدوء وثقة، محققاً فوزاً استراتيجياً على موزمبيق بهدف وقعه الموهوب أماد ديالو، نجم مانشستر يونايتد، الذي أثبت أنه بات ركيزة أساسية في هجوم «الأفيال».
وتحت قيادة المدرب إيميرسي فاي، ظهر الفريق الإيفواري بهوية تكتيكية واضحة تعتمد على الاستحواذ المنظم والسيطرة على إيقاع اللعب من خلال ثلاثي وسط يمتلك خبرات دولية هائلة يتقدمهم فرانك كيسي وإبراهيم سانجاري، بالإضافة إلى عودة جان ميشيل سيري للتشكيل الأساسي الذي منح الفريق توازناً دفاعياً ملحوظاً على حساب سيكو فوفانا. هذا الاستقرار الفني جعل منتخب كوت ديفوار مرشحاً فوق العادة، ليس فقط لتجاوز عقبة الكاميرون، بل ولتكرار إنجاز المنتخب المصري في عام 2010 بالحفاظ على اللقب القاري، خاصة في ظل أرقام مرعبة سجلها الفريق في مبارياته الأخيرة بتسجيله 13 هدفاً واستقباله هدفا واحدا فقط في ست مواجهات.
على الجانب الآخر، تدخل الكاميرون اللقاء وهي تدرك أن تجاوز كوت ديفوار يتطلب انضباطاً تكتيكياً استثنائياً، فالفريق الذي يقوده ديفيد باجو نجح في كسب الرهان الأول أمام الجابون بهدف تاريخي للمهاجم كارل إيتا إيونج، والذي صنف ثاني أسرع هدف في تاريخ الكاميرون في نهائيات أمم أفريقيا.
وجاء هذا الانتصار ليوفر دفعة معنوية في توقيت مثالي بعد فترة من النتائج المتذبذبة، حيث حقق الفريق الكاميروني في آخر ست مواجهات له ثلاثة انتصارات وتعادلاً واحداً وتلقى هزيمتين، مسجلاً ستة أهداف ومستقبلاً هدفين فقط.
وتضمنت هذه المسيرة انتصارات لافتة في تصفيات كأس العالم على كل من إسواتيني وموريشيوس، لكنها شهدت أيضاً تعثراً في الملحق الفاصل أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية في نوفمبر الماضي.
ورغم غياب أسماء ثقيلة مثل فينسنت أبو بكر وأندريه أونانا، إلا أن الكاميرون أظهرت روحا جماعية عالية، حيث تولى الحارس ديفيز إيباسي دور القيادة الميدانية بجدارة. ويعتمد باجو بشكل أساسي على القوة البدنية لكارلوس باليبا في خط الوسط، وعلى مهارة برايان مبيومو في صناعة اللعب، وهو ما يضع دفاع الأفيال في حالة تأهب لصد التحولات الهجومية الخاطفة التي يتقنها الأسود غير المروضة.
تاريخياً، تحمل مواجهات المنتخبين إرثاً كبيراً من الندية، وفي 21 لقاءً سابقاً، تتفوق كوت ديفوار بعشرة انتصارات مقابل تسعة للكاميرون، مع أفضلية واضحة للأفيال في الآونة الأخيرة حيث لم يتذوقوا طعم الهزيمة في آخر خمس مواجهات مباشرة، ومع ذلك، يواجه الهجوم الإيفواري تحدياً خاصاً يتعلق بفعالية ويلفريد زاها، الذي خيب الآمال في اللقاء الافتتاحي وفشل في هز الشباك، مما يفتح الباب أمام احتمالات مشاركة أومار دياكيتي أو فاكون بايو بصفة أساسية لضمان استغلال أنصاف الفرص أمام الدفاع الكاميروني المنظم.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: المغرب كأس أفريقيا كوت ديفوار الكاميرون
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.