ما قد لا تعلمه عن “صومالي لاند” والدروس المستفادة من إثيوبيا والسودان
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، اعتراف إسرائيل بجمهورية أرض الصومال أو صومالي لاند ردود فعل وانتقادات إقليمية واسعة امتدت من مصر إلى السعودية.
وفيما يلي نبذة سريعة عن صومالي لاند: التغيير: وكالاتادعى رئيس صومالي لاند الراحل، أحمد محمد سيلانيو، العام 2016 أن أكثر من مليون مواطن، من أصل 3.
4 مليون نسمة وهو عدد سكان البلاد، وقّعوا عريضة تطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بصومالي لاند.
ومنذ عام 1991، وانهيار نظام سياد بري في الصومال، أعلنت هذه المنطقة استقلالها، ولكن هل هذا القرار صائب؟ تُثير تجارب انفصال جنوب السودان وإريتريا تساؤلات وشكوكًا جدية حول نتائج انفصال الدول.
يتمثل النهج العام تجاه دعوات الانفصال في أفريقيا، كما حدده الاتحاد الأفريقي وسلفه منظمة الوحدة الأفريقية، في معارضتها. وأكثر الحجج شيوعًا ضد الانفصال هي أن منح هذا الحق لدولة واحدة يُشجع دولًا أخرى على اتخاذ الخطوة نفسها.
ويُقال إن هذا من شأنه أن يُعرّض للخطر نظام الدول ما بعد الاستعمارية المعترف به دوليًا في أفريقيا.
وظهرت قضية الانفصال لأول مرة في ستينيات القرن الماضي مع موجة إنهاء الاستعمار والتساؤلات حول قابلية الدول المستقلة حديثًا في جميع أنحاء القارة للبقاء. وبرزت حالتان بشكل خاص: الكونغو، حيث تم إحباط محاولة انفصال كاتانغا المعلنة ذاتيًا على يد قوات الأمم المتحدة؛ ونيجيريا، حيث تم إنهاء انفصال بيافرا على يد القوات الفيدرالية النيجيرية.
الدول الأفريقية الجديدة
برزت هذه القضية مجددًا في الآونة الأخيرة، فقد شهدت منطقتان في شمال شرق أفريقيا انفصالًا. ففي عام 1993، تم الاعتراف بإريتريا كدولة مستقلة عن إثيوبيا، وفي عام 2011، تم الاعتراف بدولة جنوب السودان، أحدث دول العالم.
إلا أن الظروف في كلتا الحالتين كانت مختلفة، لكن الهدف هنا ليس إعادة النظر في كيفية حدوث هذه الانفصالات وأسبابها، بل في دراسة ما حدث لاحقًا، ففي كلتا الحالتين، كان الهدف من الانفصال معالجة المشاكل التاريخية وتوفير بديل مقبول في شكل دولة جديدة معترف بها دوليًا. ولكن هل حققت هذه الدول هذه الأهداف؟
تشير كلتا الحالتين، الإثيوبية والسودانية، إلى أن الانفصال ليس دائمًا الخيار الأمثل. فقد أدى الانقسام إلى نزاعات حدودية عنيفة، وتعقيدات اقتصادية، وعلاقات متوترة مع المجتمع الدولي.
كما يمكن القول إن منح حق الانفصال لم يؤد إلا إلى تأجيج مطالب الحركات الانفصالية الأخرى. ومثال على ذلك مطالبة صومالي لاند بالاعتراف بها كدولة مستقلة، بدلًا من الانضمام إلى جهود إعادة بناء الصومال. فعندما نالت جنوب السودان استقلالها عام 2011، وصل وفد من صومالي لاند إلى جوبا، العاصمة، مرتديًا قمصانًا كُتب عليها “صومالي لاند هي التالية”.
النزاعات الحدودية والتكاليف العسكرية
يتطلب أي انفصال الاعتراف بحدود متفق عليها بين الدولتين المعنيتين. وقد أثبتت هذه المسألة أنها مثيرة للجدل في حالتي إريتريا وجنوب السودان.
في عام 1988، نشأت مشكلة حول بلدة بادمي الصغيرة الواقعة بالقرب من الحدود الإثيوبية، والتي ادعت إريتريا أنها تابعة لها. وقد أشعل هذا النزاع أحد أكبر الصراعات بين الدول في أفريقيا منذ الحرب العالمية الثانية. أما الصراع الآخر بين الدول فكان هجوم الصومال عام 1977 لدعم مطالبتها بمنطقة أوغادين الإثيوبية، وهي منطقة يسكنها في الغالب قبائل من أصل صومالي.
كما أثبتت الحدود بين جنوب السودان والسودان أنها مثيرة للجدل، ووقعت اشتباكات حول منطقة أبيي المتنازع عليها.
ولم يتم حل مشكلتي بادمي وأبيي بشكل يرضي الدولتين المعنيتين، بل لا تزالان قائمتين.
أدت النزاعات الحدودية المستمرة إلى استمرار كلا الجانبين في الاستثمار بكثافة في جيشيهما ومعداتهما. تحتفظ إريتريا وإثيوبيا بقوات كبيرة ومكلفة تتمركز على جانبي الحدود المتنازع عليها.
ورغم اتفاق جنوب السودان والسودان على تشكيل قوة مشتركة متكاملة على حدودهما المشتركة، إلا أن هذه القوة لم ترَ النور قط. ولا يزال الشك المتبادل والاتهامات بالتوغل من قبل جيشي البلدين قائمة.
تعقيدات اقتصادية
ينطوي الانفصال دائمًا على تساؤلات حول العلاقات الاقتصادية.
جعل استقلال إريتريا إثيوبيا دولة حبيسة. قبل استقلال إريتريا، كانت إثيوبيا تتمتع بإمكانية الوصول إلى ميناءي مصوع وعصب. بعد الانفصال، توقعت إثيوبيا استمرار هذا الوصول، لكن سرعان ما ظهرت خلافات كبيرة أدت إلى إفشال ذلك. وشملت هذه الخلافات القيمة النسبية لعملتي البلدين والرسوم الجمركية التي فرضتها إريتريا على حركة البضائع.
ويُعتقد أن تدهور العلاقات الاقتصادية لعب دورًا مهمًا في حرب الحدود التي اندلعت بين البلدين.
وبالمثل، كان على جنوب السودان والسودان تقاسم منفذ بحري، الأمر الذي أثار مشاكل. بدأ السودان استخراج النفط في أواخر التسعينيات، حيث كان معظم النفط مصدره الجنوب. وكان يُصدّر النفط عبر خطوط أنابيب تمر عبر الشمال إلى البحر الأحمر.
تضمنت اتفاقية السلام، التي أدت إلى تأسيس حكومة جنوب السودان عام 2005، ترتيبات لتقاسم عائدات النفط. لكن قرار جنوب السودان بالانفصال الكامل عام 2011 سرعان ما أثار شكاوى من أن السودان لا يلتزم بالاتفاقية. بل أدى ذلك في إحدى المراحل إلى إغلاق خط أنابيب النفط المتجه إلى الشمال.
تداعيات الانفصال
مع وجود خلافات حول الحدود والعلاقات الاقتصادية، وحتى اندلاع حرب صريحة، ليس من المستغرب أن تكون العلاقات الدبلوماسية بين الحكومتين صعبة. ولذلك، ليس من المستغرب أيضًا أن تكون هذه الخلافات قد أثرت على العلاقات مع المجتمع الدولي الأوسع.
وغالباً ما يعني الانفصال أن الوضع السابق لم يكن قابلاً للاستمرار. ولذلك، يفترض الاعتراف الدولي بالدولة الجديدة أن الانفصال أفضل لكل من الدولة الأم والدولة الجديدة. وقد ثبت أن هذا الافتراض محل شك في كلتا الحالتين.
اكتسبت إريتريا سمعة كدولة قمعية وأصبحت منبوذة دولياً. أما جنوب السودان فقد انهار داخلياً وغرق في الفقر والصراعات الواسعة، مما دفع البعض إلى المطالبة بوضعها تحت وصاية الأمم المتحدة، مع وجود قوة أممية طويلة الأجل.
خلّفت هذه الحالات إرثاً يشير إلى أن الانفصال، في أفريقيا على الأقل، ليس خياراً سهلاً. فقد يؤدي إلى نتائج لا تُسهم في حل مشاكل أي من الدول المعنية.
سيضع الكثيرون في أفريقيا هذه النتائج في اعتبارهم وهم يواجهون مطالبة صومالي لاند المستمرة بالاعتراف الدولي بها كدولة مستقلة. في غضون ذلك، تتواصل جهود إعادة الإعمار في بقية الصومال مع رغبة صريحة في أن تكون صومالي لاند جزءاً من هذه العملية.
نقلا عن (CNN)
الوسومإثيوبيا إسرائيل الصومال
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: إثيوبيا إسرائيل الصومال جنوب السودان صومالی لاند فی أفریقیا انفصال ا
إقرأ أيضاً:
“إسرائيل” بين مأزق إيران واستنزاف لبنان
تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية في الصحف عن حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، في لحظة تبدو فيها الحرب مفتوحة على أكثر من جبهة، فيما تتزايد الصعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى إنجازات سياسية واضحة. فبينما تستعد إسرائيل لاحتمال استئناف المواجهة مع إيران، تغرق قواتها أكثر فأكثر في واقع استنزافي على الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد الخسائر البشرية، وغياب أفق سياسي أو عسكري واضح للحرب.
وتعكس هذه التحليلات حالة من الإحباط والارتباك داخل إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش “انهياراً استراتيجياً” كما يذهب بعض المراقبين. فإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً كبيراً، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، إلا أن الأزمة الحالية تكمن في عجز هذا التفوق عن إنتاج حسم سياسي أو عسكري واضح، سواء في غزة أو لبنان أو حتى في المواجهة مع إيران.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018م، راهنت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران، باعتبارها الطريق الأقصر لدفع طهران إلى التراجع أو القبول بشروط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه السياسة لم تحقق أهدافها بالكامل، بل ساهمت في تسريع البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتحويل الصراع إلى مواجهة مفتوحة يصعب حسمها بسرعة.
ورغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تُظهر إيران استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية، فيما تبدو واشنطن نفسها مترددة في الانخراط بحرب إقليمية واسعة. ويبرز هنا تردد ترامب بصورة خاصة، فهو يدرك أن أية مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة اقتصادياً وسياسياً، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وتراجع شعبيته. ولذلك تبدو تصريحات ترامب المتناقضة أحياناً ـ بين التهديد بالهجوم والتراجع عنه ـ انعكاساً لمحاولة الموازنة بين دعم إسرائيل وتجنب الانجرار إلى حرب غير مضمونة النتائج.
كما تكشف بعض التحليلات الإسرائيلية عن اعتراف ضمني بأن التفوق العسكري، مهما كان حجمه، لا يكفي وحده لفرض نتائج سياسية حاسمة. فإسرائيل قادرة على إلحاق دمار واسع بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في ترجمة هذا التفوق إلى “صورة نصر” مستقرة وطويلة الأمد. وربما لهذا السبب تميل بعض الكتابات الإسرائيلية إلى استخدام لغة درامية وتحذيرات مبالغ فيها أحياناً، ليس فقط لوصف الواقع، بل أيضاً للضغط على الحكومة، أو تحميل القيادة السياسية مسؤولية الإخفاقات، أو الدفع نحو تغيير في إدارة الحرب.
لكن الأزمة الأكثر وضوحاً تظهر في الجبهة اللبنانية. فبعد أشهر طويلة من الحرب، لا يبدو أن الجيش الإسرائيلي نجح في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري. فالقوات الإسرائيلية تتمركز داخل شريط حدودي محدود، فيما يواصل حزب الله فرض معادلة الاستنزاف عبر المسيّرات والكمائن والاشتباكات اليومية.
وتكشف بعض النقاشات داخل إسرائيل عن قلق متزايد من تحوّل الوضع في جنوب لبنان إلى نسخة معدّلة من تجربة “الحزام الأمني” في التسعينيات، حين تحولت القوات الإسرائيلية إلى أهداف يومية داخل الأراضي اللبنانية. وقد تحدث ضباط إسرائيليون عن أن القوات تتجنب التحرك نهاراً خشية المسيّرات، وتؤجل كثيراً من عملياتها إلى ساعات الليل، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يفرضه حزب الله على حركة الجيش الإسرائيلي في الميدان.
لكن هذه المقارنات، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تعيش تكراراً كاملاً لتجربة الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م، بقدر ما تعكس تنامي القلق من الانزلاق إلى حرب طويلة بلا أهداف واضحة أو قدرة على الحسم، في ظل تآكل تدريجي لصورة الردع التي حاولت إسرائيل ترميمها منذ بداية الحرب.
وتظهر في إسرائيل أيضاً انتقادات داخلية غير مسبوقة يوجهها ضباط وقادة عسكريون للمؤسسة العسكرية نفسها. فهناك حديث واضح عن ضعف الانضباط، وتكرار الأخطاء العملياتية، وغياب التفكير الاستراتيجي، بل وحتى عن “مناخ عسكري” يجرّم الشك المهني ويعتبر الحذر ضعفاً.
وتعكس هذه الانتقادات أزمة أعمق داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض خلال السنوات الأخيرة حروباً متواصلة من دون أن ينجح في إنتاج عقيدة قتال قادرة على التعامل مع الحروب غير التقليدية. فالحلول المتكررة ما تزال تقوم على “المزيد من التدمير” و”المزيد من القوة النارية”، رغم أن التجارب المتراكمة في غزة ولبنان أثبتت محدودية هذا النهج.
ويبدو أن المؤسسة العسكرية باتت أسيرة خطاب سياسي يرفع سقف الأهداف إلى حد يصعب تحقيقه. فشعار “النصر المطلق” الذي روّج له نتنياهو وحكومته تحول تدريجياً إلى عبء على الجيش نفسه، لأن الواقع الميداني لا يقدم أي مؤشرات على إمكانية تحقيقه، بينما تتزايد الخسائر البشرية وتتآكل الجبهة الداخلية في الشمال.
وفي مقالات لعدد من المحللين الإسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل في صحيفة هآرتس، يجري الحديث عن حالة شلل داخل منظومة الحكم الإسرائيلية، في ظل غياب نقاش استراتيجي حقيقي حول أهداف الحرب ومآلاتها. فالمؤسسات السياسية والأمنية تبدو عاجزة عن بلورة رؤية واضحة، فيما تخشى المؤسسة العسكرية الاصطدام بالتيار اليميني المتطرف داخل الحكومة حتى لا تُتهم بالانهزامية أو التقصير.
ما ترسمه هذه الصورة في النهاية ليس مشهد “انهيار” إسرائيلي بقدر ما هو مشهد لدولة تواجه مأزقاً استراتيجياً متزايداً. فإسرائيل ما تزال تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تجد صعوبة متزايدة في ترجمة هذه القوة إلى إنجاز سياسي حاسم أو استقرار طويل الأمد.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أن إسرائيل، التي دخلت هذه الحروب تحت شعار “استعادة الردع”، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً: جبهات مفتوحة، وقوات مستنزفة، وضغط داخلي متزايد، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن الاعتراف بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة النصر، وأن الحروب التي تبدأ بلا أهداف واقعية أو أفق سياسي واضح قد تتحول سريعاً إلى استنزاف طويل ومكلف للجميع.
كاتب فلسطيني