من غروزني إلى كييف.. هذه حروب روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؟
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
مثل انهيار الاتحاد السوفييتي في كانون الأول/ديسمبر 1991 واحدا من أعنف التحولات الجيوسياسية في القرن العشرين، معلنا نهاية قوة عظمى كانت تمسك بمفاصل التوازن الدولي من أوروبا الشرقية إلى آسيا الوسطى. وفي مساء السادس والعشرين من ذلك الشهر، أُنزل العلم الأحمر عن مبنى الكرملين للمرة الأخيرة، إيذانا بولادة روسيا الاتحادية وحدود جديدة، وصراعات لم تتوقف منذ ذلك التاريخ.
فمن الشيشان إلى جورجيا، ومن أوكرانيا إلى سوريا، خاضت موسكو سلسلة من الحروب والتدخلات العسكرية، شكلت مجتمعة ملامح السياسة الخارجية الروسية في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، ورسخت دور القوة العسكرية كأداة مركزية في إعادة بسط النفوذ.
وفي وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية الروسية ضد الأراضي الأوكرانية، بالتوازي مع حراك سياسي متجدد تقوده واشنطن لإحياء مسار تفاوضي يهدف إلى إنهاء الحرب، تبدو موسكو وكأنها توظف التصعيد الميداني كأداة ضغط على طاولة المفاوضات، في نمط سبق أن اعتمدته في حروبها السابقة.
الشيشان.. حربان لتثبيت السيطرة
كانت الشيشان أول اختبار عسكري كبير لروسيا الاتحادية. ففي نهاية عام 1994، وبعد ثلاث سنوات من استقلال الأمر الواقع للجمهورية الواقعة في شمال القوقاز، أرسلت موسكو قواتها لإعادة إخضاع الإقليم.
واجه الجيش الروسي مقاومة شرسة، واضطر إلى الانسحاب عام 1996، بعد خسائر فادحة وانتصار سياسي للشيشانيين توج باتفاق سلام.
غير أن هذا الفصل لم يكن الأخير. ففي تشرين الأول/أكتوبر 1999، ومع صعود فلاديمير بوتين إلى رئاسة الحكومة، عادت القوات الروسية إلى الشيشان من جديد، عقب هجوم شنه مقاتلون شيشان على داغستان وسلسلة تفجيرات داخل روسيا نسبت إليهم.
وفي شباط/فبراير 2000، سيطر الجيش الروسي على العاصمة غروزني بعد تدمير واسع النطاق، لكن حرب العصابات استمرت لسنوات. وفي عام 2009، أعلن الكرملين رسميا انتهاء العمليات، بعد مقتل عشرات الآلاف من الجانبين، وضم الشيشان فعليا إلى الاتحاد الفدرالي الروسي.
كوسوفو.. حضور رمزي في صراع دولي
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، شاركت روسيا بشكل غير مباشر في حرب كوسوفو، عبر دخول قواتها إلى مطار بريشتينا عام 1999، في خطوة وصفت حينها بمحاولة رمزية لمواجهة تمدد حلف شمال الأطلسي. وانتهى الدور الروسي باتفاق مع الولايات المتحدة حول المشاركة في قوات حفظ السلام.
جورجيا 2008.. حرب الأيام الخمسة
في صيف عام 2008، اندلعت مواجهة عسكرية خاطفة بين روسيا وجورجيا، إثر هجوم شنته تبليسي على إقليم أوسيتيا الجنوبية الانفصالي الموالي لموسكو.
وردت روسيا بإرسال قواتها إلى داخل الأراضي الجورجية، وحققت خلال خمسة أيام فقط هزيمة عسكرية ساحقة.
أسفرت المعارك عن مقتل المئات ونزوح عشرات الآلاف، قبل أن تعترف موسكو باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وتبقي على وجود عسكري دائم فيهما. ونددت الدول الغربية بما وصفته “احتلالا بحكم الأمر الواقع”، بينما كرست الحرب واقعا جيوسياسيا جديدا في جنوب القوقاز.
سوريا.. قواعد عسكرية على المتوسط
في أيلول/سبتمبر 2015، فتحت روسيا جبهة جديدة خارج الفضاء السوفييتي السابق، بتدخل عسكري مباشر في سوريا دعما لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد. وبررت موسكو تدخلها بمكافحة “التنظيمات الإرهابية”، مستبعدة في البداية نشر قوات برية.
غير أن التدخل الجوي الكثيف، الذي ترافق مع دمار واسع، غير مسار الحرب، ومكن قوات النظام من استعادة مناطق استراتيجية. وأقامت روسيا قاعدتين عسكريتين دائمتين في حميميم وطرطوس، وشارك في الحرب أكثر من 63 ألف جندي روسي.
وعلى الرغم من إعلانات متكررة عن تقليص القوات أو الانسحاب الجزئي، حافظت موسكو على وجود عسكري فاعل، مؤكدة أن هدفها الأساسي كان منع سقوط النظام السوري، وهو ما تحقق عمليا.
إذ تمكن الثوار السوريون في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، من دخول العاصمة دمشق، معلنين الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد٬ الذي هرب إلى موسكو٬ والذي ورث الحكم عن والده حافظ (1971 ـ 2000).
أوكرانيا.. من القرم إلى حرب لم تنتهي
مثلت أوكرانيا أخطر ساحات المواجهة بين روسيا والغرب. ففي عام 2014، وبعد الإطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لموسكو، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في خطوة لم تحظ باعتراف دولي.
تبع ذلك اندلاع نزاع مسلح في إقليمي دونيتسك ولوغانسك بشرق أوكرانيا، حيث أعلنت جمهوريتان انفصاليتان مواليتان لروسيا استقلالهما. واتهمت كييف والدول الغربية موسكو بدعم الانفصاليين عسكريا، بينما نفت روسيا ذلك، مؤكدة وجود “متطوعين” فقط.
خفت حدة القتال بعد توقيع اتفاق “مينسك” عام 2015، لكن التوتر ظل قائما. ومع نهاية عام 2021، حشدت موسكو أكثر من 150 ألف جندي على الحدود الأوكرانية، وأجرت مناورات واسعة النطاق.
وفي 24 شباط/فبراير 2022، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين إطلاق “عملية عسكرية خاصة” للدفاع عن الجمهوريتين الانفصاليتين، بعد الاعتراف باستقلالهما.
وتحول النزاع إلى حرب شاملة، أسفرت عن مقتل أكثر من 14 ألف شخص منذ 2014، وأدخلت أوروبا في أخطر أزمة أمنية منذ الحرب الباردة.
وفي 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي٬ أعلن البيت الأبيض مسودة خطة سلام محدثة ومنقحة عقب مباحثات بين الوفدين الأمريكي والأوكراني لمناقشة خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب بين موسكو وكييف، دون الكشف عن تفاصيل الخطة المحدثة. في ظل استمرار تبادل القصف بين الطرفين إلى الان.
القوة العسكرية كأداة نفوذ
تكشف الحروب الروسية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عن نمط واضح في السياسة الخارجية لموسكو٬ متمثل في استخدام القوة العسكرية لتثبيت النفوذ، ومنع خسارة مناطق تعتبرها حيوية لأمنها القومي، أو لاستعادة موقعها كقوة كبرى.
وبينما انتهت بعض هذه الحروب بتسويات شكلية أو سيطرة كاملة، كما في الشيشان وجورجيا٬ ما زالت أخرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، مفتوحة على احتمالات خطرة، تعيد رسم خرائط النفوذ الدولي، وتضع روسيا في مواجهة مباشرة مع الغرب، في صراع لم تتضح نهاياته بعد.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية سياسة دولية روسيا الشيشان جورجيا سوريا سوريا روسيا اوكرانيا الشيشان جورجيا المزيد في سياسة سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الاتحاد السوفییتی
إقرأ أيضاً:
روسيا تعلن ضربة جوية ليلية ضخمة على أوكرانيا ردًا على هجوم ستاروبيلسك
أفادت وزارة الدفاع الروسية، اليوم الثلاثاء، بأن القوات الروسية نفذت ضربة جوية ليلية ضخمة على أوكرانيا، ردًا على الهجوم الذي شنته أوكرانيا على السكن الطلابي في ستاروبيلسك في جمهورية لوغانسك الشعبية.
وجاء في بيان وزارة الدفاع الروسية: شنت القوات المسلحة الروسية، الليلة الماضية، ضربة واسعة النطاق بأسلحة عالية الدقة بعيدة المدى، جوية وبرية وبحرية، بما في ذلك صواريخ باليستية فرط صوتية وطائرات مسيرة، استهدفت مجمع الصناعات الدفاعية ومنشآت البنية التحتية للوقود والنقل التي تستخدمها القوات المسلحة الأوكرانية، بالإضافة إلى المطارات العسكرية، وذلك رداً على العمل الإرهابي لنظام كييف في مدينة ستاروبيلسك في جمهورية لوغانسك الشعبية، والذي أسفر عن مقتل 21 طالبا وإصابة 42 آخرين جراء موجات من الهجمات بمسيرات على إحدى الكليات، فضلا عن الهجمات الإرهابية الأخرى التي استهدفت البنية التحتية المدنية".
من جهة أخرى، تحدثت تقارير إعلامية داخل إيران، عن أن "النص الإيراني النهائي لمذكرة التفاهم المحتملة بين إيران والولايات المتحدة، والهادفة إلى إنهاء الحرب، لا يزال قيد المناقشة والمراجعة داخل طهران"، مؤكداً أنه لم يتم إرسال أي رد رسمي حتى الآن.
وأوضح المصدر، في تصريحات لوكالة "مهر"، أن "إيران تتعامل مع المقترحات المطروحة بحذر شديد"، مشيراً إلى أن سجل الولايات المتحدة في عدم الالتزام بالاتفاقات السابقة والتجارب التاريخية بين الطرفين يدفع صناع القرار الإيرانيين إلى التدقيق في جميع التفاصيل قبل اتخاذ أي خطوة.
وأضاف أن "فريق التفاوض الإيراني يركز على ضمان تحقيق مكاسب عملية وملموسة لإيران، مستنداً في ذلك إلى الخبرات والتجارب السابقة في مسار المفاوضات مع واشنطن".
في وقت سابق، قال سعيد أجرلو عضو الفريق الإعلامي للهيئة التفاوضية في إيران، إن زيارة محمد باقر قاليباف إلى قطر، تطرقت إلى نقاشات بشأن الأموال الإيرانية المجمدة.
وأوضح أجرلو أن الفريق التفاوضي الإيراني يصر على أن يكون 12 مليار دولار تحت تصرفه فور توقيع الاتفاق.
وأضاف أجرلو أن المفاوضات جرت على أساس أنه إذا واجهت إيران أي اضطراب في الوصول إلى الأصول المجمدة، فيمكنها الانسحاب من الاتفاق، مشيرا إلى أن هذا المبلغ يجب أن يستخدم بطريقة تضمن تنفيذ الاتفاق.
وأوضح أن 6 مليارات دولار من هذا المبلغ هي أموال إيرانية مجمدة سابقا، بينما تمثل الـ6 مليارات الأخرى المبلغ الذي ينبغي تحريره في هذه المرحلة، لافتا إلى أن قطر تواصل دورها كوسيط لمحاولة حل هذه المسألة.
في سياق آخر، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، إنه "لا شيء يمكن أن يبرر" استمرار العمليات العسكرية واحتلالا إسرائيليا مطوّلا في لبنان، في وقت تواصلت المواجهات ليلا بين إسرائيل وحزب الله رغم إعلان واشنطن عن هدنة.
وقال وزير الخارجية الفرنسي في حديث تلفزيوني عبر فرانس تي في "من غير الوارد إطلاقا أن يُضحّى بلبنان تكفيرا نوعا ما عن تعثّر التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنه تحدث مساء الاثنين مع نظيره الأميركي ماركو روبيو
وقال بارو "ما نريده هو أن تُعقد المحادثات المقررة هذا الأسبوع بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية في أفضل الظروف الممكنة".
ترامب يوبخ نتنياهو بسبب لبنان
كشفت مصادر أمريكية لموقع أكسيوس أن الرئيس دونالد ترامب شن هجوما حادا على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو خلال اتصال هاتفي يوم الاثنين على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان.
وبحسب المصادر، وبخ الرئيس ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان خلال مكالمة مليئة بالألفاظ النابية يوم الاثنين، وفق ما أفاد به مسؤولان أمريكيان ومصدر ثالث مطلع على المكالمة لموقع "أكسيوس".
ووفق المصادر، وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون" واتهمه بـ"نكران الجميل"، كما أوقف خطة إسرائيلية كانت تستهدف تنفيذ ضربات على بيروت.
وقال مسؤول أمريكي إن "ترامب أبلغ نتنياهو أن تنفيذ تهديداته بقصف العاصمة اللبنانية سيؤدي إلى مزيد من عزلة إسرائيل دوليا".
وأضافت المصادر أن ترامب ذكّر نتنياهو بدعمه له خلال محاكمته في قضايا الفساد، قائلا: "أنت مجنون.. كنت ستدخل السجن لولا دعمي لك.. أنا أنقذك والجميع يكرهك الآن.. والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".
كما نقل مصدر آخر أن ترامب صرخ بوجه نتنياهو قائلا: "ماذا تفعل بحق الجحيم؟".
ووفق المسؤولين الأمريكيين، فإن ترامب يدرك أن حزب الله يطلق النار على إسرائيل، لكنه اعتبر أن رد نتنياهو في الأيام الأخيرة كان "غير متناسب" خصوصا مع توسيع العملية البرية في جنوب لبنان وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
وأشار مسؤول أمريكي آخر إلى أن ترامب اعترض أيضا على سياسة تدمير المباني لاستهداف قائد واحد من حزب الله.
وفي أعقاب الاتصال، أفاد مسؤول إسرائيلي لموقع "أكسيوس" بأن إسرائيل لم تعد تخطط لضرب أهداف لحزب الله في بيروت.
ورغم التوتر، أكد نتنياهو بعد الاتصال أن إسرائيل ستواصل عملياتها في جنوب لبنان، وقال: "موقفنا لم يتغير".
لكن مسؤولا أمريكيا آخر اعتبر أن ترامب فرض موقفه بالكامل خلال الاتصال، مضيفا أن نتنياهو أنهى المكالمة بالقول: "حسنا، حسنا.. فقط تأكدوا من معالجة كل شيء".
وكانت هيئة البث العبرية الرسمية قد أفادت بأن إسرائيل خططت لمهاجمة الضاحية الجنوبية صباح الاثنين ولكن في الساعات القليلة الماضية وبسبب التدخل الأمريكي، تم تأجيل الهجوم.
وأشارت إلى أنه ومع تصاعد وتيرة هجمات حزب الله، من غير الواضح في هذه المرحلة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح بهجوم على بيروت في ظل التهديدات الإيرانية بما فيها شن هجوم مباشر على إسرائيل.
كما تأتي التطورات عقب إعلان وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية بأن طهران اتخذت قرارا بتعليق تبادل الرسائل غير المباشرة مع واشنطن، نتيجة تواصل الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، واشترطت لاستئناف هذه المحادثات أن توقف إسرائيل هجماتها على لبنان وتنسحب بالكامل من المناطق التي احتلتها.
جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أنه أجرى مكالمة جيدة جدا مع حزب الله وأن الحزب وافق على وقف كافة عمليات إطلاق النار بحيث يتوقف تبادل الهجمات بين الطرفين.
كما أشار إلى أنه أجرى اتصالا مثمرا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مؤكدا أن إسرائيل لن تهاجم حزب الله والحزب لن يهاجم إسرائيل.