مصر تودع فيلسوف السينما وأحد أبرز مبدعيها المخرج داود عبد السيد
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
ودعت الأوساط الفنية والثقافية المصرية المخرج داود عبد السيد الذي رحل عن عالمنا عن عمر ناهز 79 عاما، تاركا إرثا فنيا جعله يستحق لقب "فيلسوف السينما".
وأعلنت خبر الوفاة زوجته الكاتبة الصحفية كريمة كمال عبر حسابها على الفيسبوك.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2رحيل محمد بكري.. سينمائي حمل فلسطين إلى الشاشة وواجه الملاحقة بالنضال الفنيlist 2 of 2نجوم يدعمون الممثل الأميركي تايلور تشيس بعد انتشار مقاطع فيديو تُظهره متشردا بشوارع كاليفورنياend of listونعت نقابة السينمائيين الراحل في بيان رسمي، واصفة إياه بأنه أحد أبرز المخرجين المصريين وأكثرهم تأثيرا في تاريخ السينما والحياة الثقافية، إلى جانب كونه صاحب مسيرة نضالية بارزة في العمل النقابي.
كما ودعته المخرجة المصرية كاملة أبو زكري بكلمات مؤثرة، إذ كتبت: "مع السلامة يا أستاذ يا فيلسوف السينما ..اتعلمنا من شغلك الجلوس معك درس في الكون والحب والفن".
وكتبت منى زكي من خلال خاصية القصص المصورة عبر حسابها على إنستغرام : "في الجنة ونعيمها أستاذنا المبدع".
واعتبر المخرج أمير رمسيس أنه اليوم الأكثر حزنا للسينما المصرية والعربية وكل من قاربوا داود عبد السيد بشكل شخصي.
أزمة صحيةوكان المخرج المصري الراحل قد مر بأزمة صحية خلال السنوات الأخيرة من حياته. وكشف الموسيقار راجح داود، الذي تجمعه صلة قرابة به، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أنه كان يعاني من فشل كلوي ويتلقى العلاج بشكل منتظم.
كما سبق أن صرح وزير الثقافة المصري أحمد هنو بأن داود عبد السيد كان يمر بحالة صحية حرجة استدعت تردده بشكل دوري على المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.
اعتزالوكان المخرج داود عبد السيد المولود عام 1946 قد أعلن اعتزاله الفن في يناير/كانون الثاني 2022 في لقاء له مع برنامج "المساء مع قصواء" وكشف في الحلقة عن عزوف المنتجين عن أعماله وأن الجمهور أصبح يهتم بالتسلية لا مناقشة القضايا.
وسبق أن أشار عبد السيد إلى امتلاكه عددا من السيناريوهات الجاهزة، لكنه لم يجد جهة إنتاجية تتحمس لتنفيذها. قبل أن يعود لاحقا ويوضح أن قراره لم يكن نهائيا، مؤكدا أنه مستعد للعودة إلى الإخراج في حال توفر إنتاج جاد يتيح تقديم أعماله بالشكل الذي يليق برؤيته الفنية.
فيلسوف السينماخلال مسيرة امتدت لعقود، منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، قدّم داود عبد السيد أعمالا صنعت حالة سينمائية متفردة في المشهد المصري. وكانت بدايته العملية عام 1968 حين عمل مساعد مخرج في فيلم الرجل الذي فقد ظله، وهي التجربة التي شكّلت نقطة تحول حاسمة في حياته، على الرغم من أنه لم يكن يخطط للعمل في الفن أو السينما، إذ كان حلمه الأول الالتحاق بالعمل الصحفي.
إعلانغير أن زيارة عابرة بصحبة أحد أقاربه إلى "أستوديو جلال"، تلتها مشاهدة سريعة لفيلم أورفيوس الأسود للمخرج الفرنسي مارسيل كامو، كانتا كفيلتين بتغيير مسار حياته، بل والمساهمة لاحقا في إعادة تشكيل جزء من ملامح السينما المصرية.
واختار داود عبد السيد أن يشق طريقه في السينما عبر الدراسة الأكاديمية، فالتحق بمعهد السينما، وكان ضمن الدفعة الخامسة التي ضمت أسماء بارزة من بينها علي بدرخان وخيري بشارة، قبل أن يتخرج عام 1967، حاملا رؤية فنية ستنعكس لاحقا في أفلامه التي جمعت بين العمق الفكري والطرح الإنساني.
وعلى الرغم من عمله لاحقا مساعد مخرج مع عدد من كبار السينمائيين، من بينهم يوسف شاهين في فيلم الأرض، لم يجد داود عبد السيد نفسه منجذبا إلى هذا المسار، إذ رأى فيه دورا تنظيميا أكثر منه إبداعيا. هذا الإدراك دفعه مبكرا إلى اتخاذ قرار خوض تجربته السينمائية الخاصة، بحثا عن صوت مستقل ورؤية تعبر عنه كمخرج.
وكانت المرحلة التاريخية التي عاشها، بما حملته من تحولات سياسية كبرى، وعلى رأسها نكسة عام 1967، عاملا حاسما في تشكيل وعيه الفني والفكري، إذ زادت من انشغاله بالأسئلة السياسية والإنسانية والفلسفية. وانعكس هذا الاهتمام بوضوح على أعماله، التي اتسمت بحس إنساني وجمالي عميق، وابتعدت عن الطرح المباشر.
وجاءت بداياته من خلال السينما التسجيلية، إذ قدم فيلم وصية رجل حكيم عن شؤون القرية والتعليم، الذي أهداه إلى طه حسين، في دلالة واضحة على إيمانه بفكرة مجانية التعليم. ثم واصل تجربته التسجيلية بأفلام أخرى، من بينها العمل في الحقل و"عن الناس والأنبياء والفنانين"، قبل أن ينتقل لاحقا إلى السينما الروائية.
وعلى الرغم من شغفه العميق بالإخراج، لم يكن داود عبد السيد من المخرجين الساعين إلى كثافة الإنتاج. فمنذ فيلمه الروائي الأول الصعاليك وحتى آخر أعماله قدرات غير عادية، اكتفى بتقديم 9 أفلام فقط، تعامل معها بوصفها مشروعات فكرية وفنية تحتاج إلى زمن وتأمل، مفضلا العمل المتأني على التراكم الكمي. وغالبا ما تولى كتابة السيناريو إلى جانب الإخراج، باستثناء فيلم أرض الأحلام الذي كتبه هاني فوزي.
وفي تصريحات سابقة، أكد داود عبد السيد أن الكتابة تمثل جزءا لا ينفصل عن رؤيته الإخراجية، معتبرا أن كتابة السيناريو هي لحظة حسم مبكر للخيارات الفنية، ليأتي الإخراج لاحقا بوصفه ترجمة بصرية لما تشكّل ذهنيا. وقد تأثر في هذا النهج بالموجة السينمائية الفرنسية الجديدة التي ظهرت في خمسينيات القرن الماضي، والتي رسخت مفهوم "المخرج المؤلف" بوصفه صاحب الرؤية الكاملة للعمل.
واعتمد عبد السيد في تجربته السينمائية أسلوبا خاصا يمزج بين الواقع والخيال، وهو ما تجلى بوضوح في أفلامه التسعة التي أنجزها على مدار ربع قرن. وفي أعمال مثل "سارق الفرح" و"الكيت كات"، انشغل بتقديم شخصيات تعيش على هامش المجتمع، تطارد أحلاما صغيرة داخل واقع قاس، مع توظيف ذكي لإسقاطات سياسية واجتماعية جاءت بعيدة عن المباشرة والخطاب الوعظي.
وفي أفلام لاحقة مثل "أرض الخوف" و"رسائل البحر" و"قدرات غير عادية"، تعمق عبد السيد أكثر في رصد العلاقات الإنسانية وتعقيدات النفس البشرية، متناولا أسئلة الوجود والاغتراب والبحث عن المعنى. بدت أفلامه كأنها محاولة لفهم قسوة الحياة التي تحيط بشخصياته، وتقديمها برؤية إنسانية تجمع بين الصدق والحميمية.
إعلانولم يقتصر تميّز تجربته على الجانب الفكري فحسب، بل امتد إلى البناء البصري واللغوي، حيث ترك بصمة جمالية واضحة كمخرج صاحب أسلوب خاص. وأسهمت موسيقى راجح داود، إلى جانب ديكورات أنسي أبو سيف، في تعزيز هذه الهوية السينمائية، لتخرج أفلامه في صورة متكاملة تجمع بين الفكرة والجمال.
حصد داود عبد السيد على مدار مسيرته الفنية عددا كبيرا من الجوائز والتكريمات، عكست مكانته الخاصة في السينما المصرية والعربية. فمنذ فيلمه الأول "الصعاليك"، الذي نال عنه جائزة العمل الأول من مهرجان أسوان الأكاديمي، لفت الأنظار إلى أسلوبه المختلف ورؤيته الخاصة.
وتوالت الجوائز مع فيلمه الثاني "البحث عن سيد مرزوق"، الذي حصد عدة تكريمات، من بينها جائزة الهرم الفضي من مهرجان القاهرة السينمائي، إلى جانب جائزة مهرجان "خريبكة" للسينما الأفريقية في المغرب.
وحقق فيلم "الكيت كات" نجاحا نقديا وجماهيريا واسعا، تُوّج بعدد من الجوائز، أبرزها الجائزة الذهبية من مهرجان دمشق، وجائزة السيناريو من مهرجان معهد العالم العربي في باريس، إلى جانب جوائز من مهرجاني الإسكندرية والمهرجان القومي للسينما، فضلا عن فوزه بجائزة أوسكار السينما المصرية لأفضل سيناريو وإخراج.
كما نال فيلم "سارق الفرح" الجائزة البرونزية في مهرجان دمشق السينمائي، وجائزة الجمهور من مهرجان سورينتو بإيطاليا، في حين حصل فيلم "أرض الأحلام" على جائزة الهرم الفضي من مهرجان القاهرة السينمائي.
وفي سياق التكريمات المتأخرة لمسيرته، اختير فيلم "رسائل البحر" ضمن قائمة أفضل 100 فيلم عربي بحسب مهرجان دبي السينمائي عام 2013، قبل أن يُكرّم داود عبد السيد عن مجمل أعماله في مهرجان الجونة السينمائي عام 2018، تقديرا لإسهاماته السينمائية المتميزة، وتم تكريمه من مهرجان قرطاج في نسخته الـ33 عام 2022.
وبرحيل داود عبد السيد تفقد السينما المصرية واحدا من أبرز مخرجيها وأكثرهم تفردا، تاركا وراءه أفلاما قليلة العدد لكنها تركت بصمة في تاريخ السينما المصرية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات السینما المصریة داود عبد السید من مهرجان إلى جانب قبل أن
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026